No votes yet
عدد القراءات: 8705

إدارة ترامب تردّ على أسد سوريا بالصّواريخ

الكاتب الأصلي: 
Muhammad Idrees Ahmad
تاريخ النشر: 
9 نيسان (أبريل), 2017
اللغة الأصلية: 

الصورة: مُسعِفان من الدفاع المدني السوري يساعدان أحد المصابين بالهجوم الذي وقع خلال الأسبوع الجاري على بلدة خان شيخون في سوريا والذي يبدو أنّه هجوم كيميائي، وقد تسبّب بمقتل أربعة وثمانين مدنيّاً بينهم سبعة وعشرون طفلاً وتسع عشرة امرأة، فيما بلغ عدد المصابين 546 جريحاً.

 

ليلة الخميس، وبعد ساعاتٍ من إطلاع وزير الدفاع جيمس ماتيس للرئيس ترامب على الخيارات العسكرية، أمر الأخير بإطلاق تسعة وخمسين صاروخاً من طراز توماهوك على قاعدة الشعيرات الجوية جنوب شرق مدينة حمص، وذلك من المدمّرات الأمريكية التي ترسو في البحر الأبيض المتوسط.

وهذه هي القاعدة الجوية نفسها التي شنّت منها إحدى طائرات الأسد من طراز سوخوي-22 هجوماً يوم الثلاثاء الماضي على بلدة خان شيخون، ألقت من خلاله أربع قنابل على البلدة الواقعة في الشمال السوري، مما تسبّب بمقتل ثمانية وأربعين مدنيّاً بينهم سبعة وعشرون طفلاً وتسع عشرة امرأة، فيما بلغ عدد المصابين 546 جريحاً.

وقد اعتَبَر المسعِفون من منظمة أطباء بلا حدود الذين قاموا بمعالجة المصابين الذين نجوا من الهجوم وكذلك منظمة الصحة العالمية، أنَّ الأعراض التي عاينوها مثلَ اتّساع الحدقة وتشنّجات العضلات وخروج الزّبد من الأفواه وصعوبات التنفّس والتشنّجات الحادّة الأخرى وحالات التغوُّط اللاإرادي؛ تعزّز جميعها فرضية التعرّض لعناصر مسمّمة للأعصاب مثل غاز السّارين.  

أنكَرَ النظام المسؤولية عن الهجوم؛ كما أنَّ روسيا، وتماشياً مع دبلوماسيةِ ما بعد الحقيقة، حاوَلَت تبرئة النظام بتقديمها رواية مغايرة عبثيّة، تقول بأنَّ مصدر التعرّضِ الكيماويّ هو مستودع واقعٌ في نفس البلدة التي استهدفتها القوات السورية. إلاَّ أنَّ قيادة العمليات الأمريكية المركزية رصَدَت الهجوم وكشفَت على الفور عن مسارات الطائرات التي سجّلَتها، كما أنَّ الأشخاص الموجودين على الأرض استطاعوا تمييز طراز الطائرة التي نفّذت الهجوم وهي من طراز سوخوي-22 الروسيّة الصّنع.

وفي اليوم السابق، ضَرَبَت ثلاث غارات جوية مستشفى معرة النعمان الوطني التي تخَدِّم ريف إدلب الجنوبي حيث تقع المدينة المستهدفة. وبعد وقت قصير من الهجوم الكيميائي، أصيبت إحدى المستشفيات المؤقتة التي تعالج الناجين أيضا.

لقد انخرطت الولايات المتحدة عسكرياً في النزاع السوري منذ أكثر من عامين، إلاَّ أنَّها قصفت في عدَّةِ مرَّات أهدافاً ليست فقط لداعش، بل أيضاً لِمعارضي الأسد المناهضين للتنظيم؛ حتى أنَّها قدَّمت الدعم الجوي للنظام وحزب الله في استعادة تدمر. لكن هذه هي المرة الأولى التي تواجه فيها الولايات المتحدة النظام مباشرةً - وهو المسؤول عن أكثر من 90٪ من الضحايا المدنيين في سوريا، وذلك بحسب  مركز توثيق الانتهاكات والشبكة السورية لحقوق الإنسان.

حَظي هجوم يوم الثلاثاء الذي شنّه الأسد على مواطنيه باهتمامٍ كبير ليسَ لأنّه كان هجوماً كبيراً من حيث الحجم، ولكن نتيجةً لآثاره على الصعيد السياسي. فعلى غرار مجزرة شهر آب من عام 2013، اعتُبِرَ هذا الهجوم بمثابة استفزازٍ مقصود.  

شملت اتّفاقية حِفظِ ماء الوجه عام 2013، والتي وافق عليها باراك أوباما بموجب الصفقة الروسية التي جنّبَتهُ فرضَ خطِّهِ الأحمر؛ على تهديدٍ بالعقاب في حال تورّطَ النظام في هجماتٍ كيميائية أخرى. وقد واصل النظام حربه غير متهيّبٍ خلال فترة ولاية الرئيس أوباما، ومِنَ الواضح أنّه يرمي إلى اختبار عزمِ الإدارة الجديدة.

وها قد سَمِع الجوابَ من طرَق الباب.

في استهلالها السابق حول موقفها إزاء الأسد، عَكَست إدارة ترامب موقفاً ضمنيّاً يشبه السياسة التي اتّبعها أوباما بشكل غير معلَن وهي الحفاظ على النّظام. غير أنَّ ما جرى يوم الخميس سجَّلَ انقلاباً واضحاً لِقِيَ ترحيباً كبيراً لدى السوريين. وعلى الرغم من أنَّ كثيرينَ نظروا إليه بدوافع من السخرية لكنَّ ذلك لم يكن على قدرٍ من الأهمية قياساً بمُجمَل ردود الأفعال.

لم يكن ترامب بالطبع هو الذي صمّمَ هذا التغيّر في السياسة، وإنّما مستشاره للأمن القومي هربرت رايموند ماكماستر. [وقبلَ هذا التحوّل في السياسة إزاء سوريا، كان ماكماستر قد ضمَن إقصاء ستيف بانون من اجتماعات مجلس الأمن القومي الرئيسية.] كذلك فإنَّ دوافع الإدارة الأمريكية أقلّ سياسيّةً وإنسانيّةً بِقَدرِ ما هيَ محاولة من قِبَل كلٍّ من ماكماستر ومن وزير الدفاع جيم ماتيس ترمي إلى استعادة قوّة الردع، وهو ما نجحا في تحقيقِه.

كانت الضربات تكتيكية وعقابية، لكنها أعادت رسم خطٍ يحظُرُ استخدام الأسلحة الكيميائية، وهو الخط الذي سمح أوباما بانتهاكه. ولم تأتِ الضربات على خلفيّةٍ إنسانيةٍ بالتأكيد، إذ أنَّ معظم السوريين ما زالوا يقتلون بالوسائل التقليدية. ولم يتم وضعُ أي خطوط حمراء لحظر استخدام البراميل المتفجرة مثلاً.

من المرجَّح أن يكون للردِّ الذي جاء اليوم نتائج بعيدة المدى وذلك على الرغم من نوايا الإدارة الأمريكية، فقد أدَّى توقُّع حصولِ الضربات العسكرية إلى تقييد موقف الكرملين، حيث أشار المتحدث باسم فلاديمير بوتين إلى أنَّ الدعم الروسي للأسد لم يكن غير مشروط. كما أنَّ تركيا، التي انضمت إلى روسيا في انفراج غير مستقر، قد تعيد النظر في موقفها أيضا هي الأخرى. ومن بين أمور أخرى، كشفت الضربات حدود قوة روسيا في سورياـ إذ َفَقدَ النظام جزءاً من حصانَتِه.

 

يأتي هذا على النقيض ممّا جرى عام 2013، في أعقاب مجزرة أكبر بكثير، وقتئذٍ تراجع أوباما عن خطّه الأحمر. (كان "الخط الأحمر" بشأن استخدام الأسلحة الكيميائية قد صدر في آب / أغسطس 2012، وفي حين لم يستخدِم النظام أيّ من تلك الأسلحة، فقد اعتُبِرَ الأمر في الواقع بمثابة ضوءٍ أخضر للقتل التقليدي). وفي الحقيقة فإنَّ لسان حال ردِّ النظام آنذاك إنّما تجلَّى في قتلِهِ ما ينوفُ على أربعة أضعاف عدد الناس في العامين اللذينِ تلَيا الهجوم الكيميائي، وذلك قياساً لما كان عليه معدّل القتل في العامين السابقين له.

يفهَمُ المستشار الجديد لشؤون الأمن القومي في إدارة ترامب، الجنرال ماكماستر، الذي قاد بنجاحٍ حملة مكافحة التمرد في شمال العراق، وذلك عبرَ تجنيد القبائل المحلية لطرد تنظيم الدولة الإسلامية في العراق، أنه لا يمكن أن يكون هناك أي أمل في الاستقرار دون تبنّي ذلك من مجتمع الأغلبيَّة. لقد تسبّب منحُ الأسد الحصانة من العقاب في عام 2013 بجعلِ الأغلبية السنية في سوريا تشعر بالعُزلةِ والاغتراب، كما أنَّ استراتيجية النظام الطائفي ساهمت في تطرُّفِهِ وتصاعد العنف الذي سرّعَ من وتيرة هجرةٍ جماعية لم تهدأ بعد.

وكما يرى الكثير من السوريين، فإنَّ الولايات المتحدة قصفت أهدافاً في سوريا منذ أيلول/ سبتمبر 2014؛ إلاَّ أنَّ هذه هي المرة الأولى التي تقصِفُ فيها الهدف الصحيح. وللمرة الأولى منذ بداية الحرب، يُعاقَبُ النظام على تبِعاتِ جرائمه. لقد أعرب سكّان خان شيخون والناجون من مجزرة يوم الثلاثاء عن ترحيبهم بهذه الضربات. وأيَّاً كانت دوافع الإدارة، فقد جاءت ردّة فِعلِها لصالح السوريين، على الأقل في الوقت الراهن.

كيف ينبغي أن تكونَ ردّة فِعلِ التقدميين؟ كان رد فعل الكثيرين منهم على ما يرام مع تعبيرهم عن الاشمئزاز مِن جريمة الأسد والتعاطف مع الضحايا. ومع ذلك، فإن موقف اليسار "المناهض للإمبريالية" لا يزال محيِّراً، فهو "مناهضٌ للحرب" ولكنّه ليس ضدّ الحرب التي يشنُّها الأسد على شعبه منذ عام 2011.

وكانت المرّة الوحيدة التي شَهِدَت الحركة المناهضة للحرب تحرُّكاً إزاء سوريا خلال السنوات الست الماضية هي في أغسطس 2013، وذلك في أعقاب هجوم كيميائي على الغوطة الشرقية قتل أكثر من 1400 مدنيّ، حيثُ انبَرَت ليس للاحتجاج على الفظائع ولكن لرفض أي محاولة لمحاسبة مرتكبيها (حظَرَت حركة "تحالف أوقِفوا الحرب" انضمام البريطانيين السوريين إليها، على الرغم من أنّها منحت استثناءً لأحد ممثِّلي النظام). في الواقع، أظهر اليساريون البارزون قدراً من القلق يفوق قلق الكرملين إزاء محاولة إسقاط الأسد، وذلك بإلقاء اللوم على الضحايا، وفبركة الأدلة.

وبعد مرور أربع سنوات، لا يوجد سوى القليل من علامات التوبة. حتى في ظلّ رائحة السارين التي تفوح من خان شيخون، فإنَّ الممثل الأمريكي السابق دنيس كوسينيتش موجود في لندن في إطار جهودٍ مبذولةٍ لإعادة تأهيل الأسد، كما أنَّ الكاتب والناشط فيليس بنيس يلقي بالشكوكِ حول مسؤولية النظام - ليس فقط عن هذا الهجوم، بل عن هجوم عام 2013 أيضاً. ولا عجب في أنَّ عدداً قليلاً من السوريين فقط يرون في اليسار الغربي حليفاً لهم في نضالهم من أجل العدالة وتقرير المصير.

لكي يصبح اليسار سديداً من جديد، فإنّه سيحتاج إلى إحياء مبدأٍ قديم يقول بأنَّه: "لا سلامَ بدون عدالة". وبدون المحاسَبةِ عن جرائم الحرب – سواء التي ارتكَبَها النّظام أو الثوّار – فلن يكون ثمّة من أملٍ في إنهاء المذبحة. وبدون إطاحةِ الأسد، سيبقى نصف سكّان البلاد نازِحين. لقد حان الوقت لوضع المدنيين، وليس الدول، في صميم اهتماماتنا.

 

علِّق

مقالات المترجم