عدد القراءات: 3742

أولويات التديّن

اذا نظرنا للدين نظرة كلية، لوجدنا أن الاولوية في الدين هي أولا و قبل كل شئ لتكوين رؤية عامة للوجود و الإجابة عن الاسئلة الكبرى مثل؛ لماذا نحن هنا و من هو خالق الكون و ما هو مصير الانسانية  و ما هو دور الانسان في هذا العالم  و كيف يمكن تحقيقه؟

 و من ثم الانخراط في تجربة روحانية تعطي معنى لحياة الانسان و كفاحه في هذه الدنيا، و مع أن تلك الأسئلة مهمة و خطيرة و تحتاج للتأمل و التفكير وإلى ربطها بالحياة،  فقد جرى تقزيمها و اختصارها، و أصبحت أشياء يتم حفظها و ترديدها كأنها وصفة طبخة بسيطة، لا صلة لها ببناء تصور عقلي واعٍ لهذا الكون و مهمتنا كبشر فيه، و أصبح كل المطلوب هو القيام "بحركات" الشعائر بدلاً من اأن تكون هذه الشعائر كالصلاة و الصوم و الحج عاملاً مساعداً لتحقيق حالة من الروحانية و الصفاء النفسي، و سقط من الوعي أنها وسائل لأهداف أعلى و أسمى، و أصبح هناك شرخ واضح بين التدين كممارسة روحية، و بين ممارسته كحركات ليس لها أي بعد أو أثر في حياة الفرد، سوى التعب و تضييع الوقت كما جاء في الحديث ( كم من صائم ليس له من صيامه إلا الظمأ و كم من قائم ليس له من قيامه إلا السهر).

 

في مثل جو كهذا حين تعيش الشعوب على هامش الحضارة، و يتراجع الفكر إلى درجة خطيرة، فمن الممكن تفهم كيف أن نصوص القرآن يتم اقتطاعها و استعمالها لخدمة أغراض و برامج مشبوهة و هدامة، فمثلا لنأخذ الجهاد،  فهو عمل نبيل الغاية منه الدفاع عن الحق و العرض والشرف والوطن، والوقوف في وجه المعتدي والظالم بالحجة و قوة الأخلا،  و حيث إن الشجاعة الأدبية هي أعظم الجهاد ( كلمة حق عند سلطان جائر) و القرآن هو أداة الجهاد الكبير ( و جاهدهم به جهادا كبيرا) مما يجعل الجهاد قمة الرقي و الأخلاق، ولا ينتقص منه الدفاع المشروع عن النفس بالقوة، عندما يكون هناك عدوان مسلح، و لم تفلح  كل السبل الأخرى في وقف،  ليس محبة بالعنف و تمجيده،  و لكن لوقفه و نشر السلام (أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا و إن الله على نصرهم لقدير)،  و لكن هذا المفهوم النبيل تحول الى مبرر للغدر و قتل الأبرياء و سفك الدماء و الفساد في الأرض، و لم يكتفِ المفسدون بذلك،و لكن استخدموا آيات من القرآن مقتطعة من سياقها الاجتماعي و التاريخي لتبرير تلك الجرائم.

 

في جو كهذا قد يكون هناك توجه للوم النص لأنه تم استعماله لتبرير تلك الاعمال الخسيسة، و لكن هل نلوم النص أم الذي استغل النص ؟

المشكلة ان لوم النص و بالتالي مؤلفه، سيحرف الانظار عن المشكلة الحقيقية و يبدد الجهود و الامكانات و يسبب شروخاً هائله بين المسلمين، فهناك أكثر من مليار مسلم يستقون غذاءهم الروحي من القرآن، و هو لم يحولهم لقتلة و مفسدين، باستثناء نسبة صغيرة جداً من المجرمين، كما أنه بالمقارنة مع كتب سماوية أخرى فإن القرآن أقلها ذكراً  و تصويراً لمواقف عنيفة، و تلك الكتب تاريخياً تم توظيفها لتبرير الكثير من العنف باسم الرب في المسيحية و اليهودية، و لكنها هذه الأيام قليلا ما تفعل ذلك  كون تلك الأمم نضجت و ازداد وعي أبنائها بعد تجارب دموية رهيبة، و لا تزال تلك الكتب مصدر راحة لكثير من الناس هذه الايام، لذلك فالجهود يجب ان تنصب على إصلاح التعليم و ووضع أولوياته، فبدلاً من التركيز على الشعائر كما يحدث هذه الايام يجب أن يتم التركيز على التعاليم الأخلاقية و بناء الانسان العدل ذو الاسهام الايجابي الفعال في بناء الحضارة و المدنية، و تحقيق رؤية الخالق فيه.

إن علينا أن نخرج من عقدة النقص التي يعاني منها البعض تجاه الغرب و إنجازاته، و لا بأس من التعلم من الشرق و الغرب، فالحكمة ضالة المؤمن، و ليس من الضروري أن نقضي قرنا آخر رهائن للعنف و الخراب، قبل أن نقبل أنظمة نراها و نعجب بها، بل و حتى أننا نعيش بها و نستفيد منها ثم نقول بأنها كفر!، فإن كل نظام حقق العدل فثم شرع الله و لو حاول البعض تأليف المجلدات في تسفيهه.

 

و حتى نكون عمليين فيجب أن يتم تغيير مناهج الديانة لتركز على تعلم التفكير الحر النقدي و على أسئلة الدين الكبرى و الاخلاق و التعامل الطيب مع الآخرين ووضع الشعائر في حجمها المناسب، كما أن هناك مهمة أشد صعوبة، و هي تغيير ثقافة المؤسسات التي تخرج علماء الشريعة و التي اصبحت مهمتها توفير الغطاء للمستبدين و شرعنة الاستبداد و التخلف، و لست أدري إن كان ذلك ممكنا بشكل طبيعي،أم أنه يحتاج حلاً جذرياً كما ينادي الدكتور محمد شحرور باغلاق تلك المعاهد كلياً.

و قد يكون بناء بدائل لتلك المؤسسات هو الحل الأفضل، و ترك قانون البقاء للأصلح ليقوم بالمهمة ( فأما الزبد فيذهب جفاء و أما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض)

 

علِّق