عدد القراءات: 1165

أنا و أنت و الغد

ضمن هذه المقتلة السورية التي يبدو حتى الآن أنها لا تتوقف وإن خفت الوتيرة من منطقة لأخرى ومن وقت لآخر، فإن الاقتتال والضياع والشتات مازال مستمر المفعول، ويترك بصمته على من بقي في الداخل أو من استطاع الخروج خارج الحدود الجغرافية على تنوع ميولهم السياسية وانتماءاتهم القومية والطائفية.

في توصيف هذه البصمة هناك شقان للرواية:

  • الشق الاول يصر على أننا شعب حي ومرن و متعافي أو سريع التعافي بالأحرى وأننا جاهزون على قدم وساق للعودة للعمل بمجرد انتهاء " الأزمة".

  • الشق الثاني لهذه الرواية يعكس واقعاً مخيفاً من انقسام الناس وفقاً لانتماءات معينة إديولوجية كانت أم مناطقية مع إطلاق ألقاب وتصنيفات كنازح أو إرهابي مع عداء متضمن او سلبية بأقل الأوصاف.

الروايتان صحيحتان لأنهما تعكسان حقيقة هذه البصمة، ألا وهي نتاج متوقع للحرب والتي تتباين ردود الفعل عليها وأشكالها وحتى البعد الزمني لها.

هذه البصمة -أو بالأحرى آثار الصدمة- تنعكس في ظهور آليات دفاعية متنوعة تساهم بشكل أو بآخر بتأزم الحال، حتى وإن توقف الاقتتال. هذه الآليات الدفاعية تتنوع بين؛ اكتئاب، حزن ورغبة ملتهبة بالانتقام إلى انكفاء وخلق حاجز عقلي ونفسي مع الواقع ومن الواقع، بحيث ينفصل الشخص عن واقعه ويعيش في عالمه الخاص وفي عزلته، حتى وإن كان يمر يومياً في شوارع البلد. وليس القتل ورؤية الاشلاء هو السبب الوحيد لها، بل خسارة البيت والشارع والصديق والقريب وخيانة الجار ورفيق العمر والشتات القسري. كل ما ذكر هي عوامل ضاغطة لها من الحمولة الفكرية و العاطفية ما لم يستطع الجميع التعامل معها لان هذه الحمولة لا تتطابق مع فكرتهم عن العالم من حولهم التي كانت مصدر الثقة والأمان. بالتالي فإن الحدث بحد ذاته ليس هو الصادم، بل حمولته التي تحطم مخططاتنا العقلية schemas، وبالتالي تحفز الخوف والقلق والعجز والانعزال الاجتماعي.

 

كما ذكر، فإن رد الفعل الاول هو الخوف على مستوى المجتمع، من ثم علاقة الفرد بمجتمعه فيتم خرق عامل الدعم الاجتماعي بتحطم مفهوم المجتمع و العزلة عنه، مع الشعور بالذنب واحتمال الشعور بالعار، ألا وهو عيش ما يسمى بالميلانخوليا، حيث الشعور بأن لا أحد يفهمك أو يفهم ما تمر به، أو انفصال مجتمعك عنك أو فصله لك  هو الصادم و المسيطر. بالإضافة لذلك من الواجب لفت النظر في أية عملية تشخيصية لواقع معاش أو وضع حالي فردي كان أم جمعي بضرورة العودة للماضي وبالتالي نستطيع أن نستشرف المستقبل. فعلى سبيل المثال: المجتمع السوري محمل بصدمات غير معالجة نسميها intergenerational trauma وبسبب عدم حدوث عملية تصالح و تعامل حقيقي مع العنف السابق بين الاطراف المتأذية، جعلها ذلك حاضرة في الذاكرة الجمعية للمجتمع. حيث إن المجتمعات بشكل مستمر تخلق تفسيرات لتاريخها، و بالتالي يكون النتاج اختراع حقائق وذكريات مشوهة وأيديولوجيات. هذه الفرضيات والأيدولوجيات تُرى كتصعيد ثانوي للصدمة الجماعية، والتي تشفي جروح الماضي وبطريقة ساخرة تخلق جروحاً جديدة.

الصدمة هي دافع غير معلن لهذه الأيديولوجيات التي تصنف وتفرق بين المتعارضين من خلال سوء الفهم و التصنيف الاجتماعي. و بالتالي فإن الصدمة و التفسيرات الرمزية لها وجهان لعملة واحدة، و هذا ينطبق على الفرد و المجتمع.  و بالنتيجة الحاضر يعاش في ضوء الماضي و هذه الأيدولوجيات تعطي الأجيال الجديدة صور وعواطف متعلقة بذكريات الماضي غير المعافى، و التي يتم تناقلها لسبع أجيال من خلال الخوف من الآخر والكره المضمن له و الطائفية  والميل الى ارتكاب العنف و بالتالي فإن الصدمة تميل إلى تكرار نفسها.

 

في هذا الصدد تؤكد نظرية  Conflict-Identification Theory أن التمسك بفكر أيديولوجي معين، وما يليه من انقسامات عن الآخر الذي لا يشاركني نفس الأيديولوجية، يؤدي إلى ميل الفرد لإسقاط الانسانية عن الآخر، و يرتكب بحقه أفعال العنف، مما يعزز و يأجج ذلك هو الخطاب السياسي الشاحن المعزز لهذه الأيديولوجيات، وكم سمعنا بخطاب هم ونحن. بالتالي ينصح بضرورة تذكر ما حدث والاعتراف بالاخطاء والاساءات والعمل عليها يمنع آلية نقل هذا الإحباط  والغضب للأجيال التالية، و بالتالي كسر حلقة العنف.

في هذه العملية التي تسمى "الحزن" من المفيد الاعتراف أن جميع الأطراف متضررة لنفس السبب، و يشتركون بالألم و الخسارة والامنيات بعيداً عن فكر الانتصار والمنتصر فلا منتصر. فاتفاقيات السلام المفروضة حسب تجارب سابقة حول العالم فشلت وانهارت عندما لم يتم التعاطي مع الانقسامات أو انكفاء كل طرف مع أوهامه و فرضياته عن الاخر التي يخدر بها نفسه.

 

في المجتمع السوري الذي يعيش في ظل وهم أن لا طائفية تفرقنا و أن التعايش هو سيد الموقف، نرى الناس اصطفت و اختلقت قصص جديدة تعيش في ظلها لتتأقلم وتخدر ألم الصدمة الحالية، فأصبحنا نطلق القاب على بعضنا كنازح أو مهجر أو لاجئ في حين أن الدول الغربية تطلق على السوريين اسم "القادمين الجدد". تطور هذا الخدر بسبب ما يسمى ب "إرهاق النزاع" فالمدنيون أصبحوا غير مبالين ببعضهم وبجيرانهم وجوعهم وفقرهم واحزانهم، فترى دار العزاء بجانب زفة العرس، نصف المدينة تقصف والنصف الاخر يغني في حفلة للحب. هذا ليس استمراراً للحياة بل هو خدر وفقد للإحساس كعرض وليس مرض.

 

خلال العقود الاخيرة أصبح من المتعارف عليه ضمن العمل النفسي و أي عمل مجتمعي تنموي،  الذهاب إلى ما هو أبعد من الاحتياج الواقعي له وعدد طالبي خدمة معينة، مثل إجراء دراسة الاثر الاقتصادي الطويل المدى أثناء تصميم أي برنامج تدخل أو تأهيل. على سبيل المثل ومن خلال دراسة دقيقة نعلم أنه كل دولار نستثمره في تأهيل شخص نفسياً ومهنياً وإعادة دمجه سيكون مردوده على الحكومة سبعة دولارات في المستقبل حيث أن هذا الشخص سوف يصبح مُمَكن و ليس عالة على خدمات الحكومة.

بعيدا عن هذا الخيال العلمي بالنسبة لواقعنا العربي الذي تعمه الفوضى والمحسوبيات، و تعيين من ليس له ناقة ولا جمل في مواقع عمل لا تليق به و لا يفقه بها شيئاً. أصبح إيجاد الأصوات العقلانية صاحبة العلم و الباع في الشأن العام السياسي والإنساني مثل البحث عن إبرة في كومة قش، ليس لقلّتهم بل لكثرة الضجيج من حولهم، ولكنه مازال أمراً  مٌلحاً و ضرورياً لقيادة التغيير الإيجابي، كخلق صيغة أعقد مما لو كانت كيميائية لإيجاد طريق للتصالح المجتمعي مع الخسارات وجروح الماضي والحاضر لننتقل للخطوة التالية من التعافي.

و كما تعلمنا، فإن أفضل نصيحة من الغرب عن المجتمع الدولي بأن لا تخاطبه بصيغة الأخلاق، بل بالعمل البحثي السياسي والانساني الجاد، و يتم ذلك بالاستعانة بكل من هو يعمل بالشأن العام من سياسيين ومختصين بالحوار وعلماء نفس سياسيين ومجتمعيين وفنانين، يعكسون بفنهم قصص تساعد على التصالح ومعاينة الجرح، وتصوير مدى الإنشقاق الطائفي المجتمعي. كل ذلك أملاً بأن نتجنب الاخطاء التاريخية التي ارتكبت بحق جيران لنا كلبنان، حيث فرض السلم و الإعمار المادي و أهمل الإنسان الذي هو روح البلد و مستقبلها و نتاج ذلك واضحة اليوم للعيان.

 

روح سوريا هي بشعبها على اختلافاته وهي قابلة للتعافي الحقيقي  - كما نقول في العمل العيادي- بالعمل الجاد مع تواجد الرغبة الحقيقية في ذلك ، ويبقى السؤال:  من ليس لديه ذلك؟ وأكاد أجزم أن جميعنا نتوق للتعافي.  



 

التعليقات

تحليل راءع وواقعي ويمكن الاستناد اليه في اعادة البناء على أسس تحترم جميع السوريين

علِّق

مقالات الكاتب

وجهات نظر
التعليقات: 2