عدد القراءات: 577

أعطُوا الطريق حقّه؛ خطبةُ جمعةٍ حقيقية.!

 

تسمع في القوانين والمواثيق الدولية في مشارق الأرض ومغاربها عن حقوق الإنسان والمرأة والطفل والتنقل والعمل والعبادة والسفر والتجمّع والانتخاب والحيوان والنبات. لكنك تسمع عن حقٍ في حضارتنا لاينتشر الحديثُ عنه كثيراً بهذا التحديد: (حقّ الطريق)!

تأتي الكلماتُ من خطيب جمعةٍ متميز تدرك أنه يفهم الدور الحضاري الحساس لهذا الاجتماع البشري الأسبوعي الفريد. ورغم أنكَ سمعتَ الحديث النبوي الذي يحمل العبارة المذكورة مراتٍ عديدة سابقاً، تشعر فجأة وكأنك تسمعها لأول مرة في لحظة تجلٍ يساعد على إيجادها خطيبُ جمعةٍ يعرف مسؤوليته ويتحدث بلسان عربي مبين.

 

ثمة كمٌ من المعاني الحضارية التي وردت في خطبة جمعة، دامت أقل من نصف ساعة، يندر أن تسمعها لو تفرغت مائة ساعة لمحاضرات تقليدية باتت معروفةً في أوساط الناس. وهي معانٍ إما أنها غائبةٌ كلياً في خضمّ انشغال العرب والمسلمين بـ (عظائم الأمور).. أو أنها تحتاج، على الأقل، إلى تذكيرٍ قد ينفع المؤمنين.

تحدّثَ الرجلُ عن ضرورة شُكر نِعمِ الخالق بالفِعل ولسان الحال، وليس فقط بالكلام ولسان المقال. فرغم ضرورة التعبيرعن الشكر بالقول، غير أن التعبير عن الشكر بالفعل هو الذي يقدّمُ إضافةً عمليةً تساهم في ترسيخ البناء الحضاري للمجتمعات.

وابتعاداً عن التعميم والتجريد الذي يقع فيه كثيرٌ من الخطباء، بطريقةٍ لاتساعد عامة الناس على تنزيل المبادىء النظرية الجميلة على شكل فعلٍ بشري محسوس، ركّز الخطيب في موضوعه على مسألةٍ محددةٍ بعينها تؤثر في حياة المجتمعات المعاصرة هي (وسائل التنقل). وفي فترةٍ من الزمان لاتتجاوز عشرين دقيقة عرض الرجل من القرآن الكريم ومن الحديث النبوي جملةَ منطلقات ومقدمات ومبادىء نظرية وفلسفية تُظهر الكمون الحضاري الهائل الموجود في مصادر حضارتنا. ليس فقط عندما يتعلق الأمر بحياة الإنسان على الأرض، بل وبإعمار هذه الحياة، وبناء حضارةٍ تليق بإنسانيته وتكريمه على مستوى الفرد والجماعة في كل زمان ومكان.

 

كان ثمة مفارقة في المناسبة. فحسبَ طريقة التفكير التقليدية السطحية المستعجلة، لايفكر الكثيرون أن مصادر الدين الإسلامي اهتمّت بقضيةٍ معاصرة مثل مسألة المواصلات. فهذا ترفٌ يُترك لبعض المهندسين، ولاشأن للرسول فيه، فضلاً عن القرآن ومُنزلهِ الكريم. فالاهتمام هنا، حسبَ هؤلاء، مكرسٌ لقضايا (أكبر) من هذا بكثير.. وليس لمثل هذه القضايا الهامشية، وفي مثل هذا الواقع المزري الذي لاتُحل مشكلاته في الحديث عن الصغائر.

المفارقة الثانية أن هذا يسري على الملتزمين التقليديين، وعلى الزاهدين في كل ماله علاقة بدينٍ أو تراث. هكذا، يُحاصرُ الفريق الأول دينه فلايرى فيه سوى مصدرٍ لتعليم العبادات الأساسية وبعض المظاهر الخارجية وما إليها. في حين ينطلق الفريق الثاني من أحكامَ مسبقة وقاطعة اكتسبها تاريخياً من خلال أجوائه الثقافية الخاصة حول الدين. وهي أحكام تضع هذه المصادر في خانة السرد التاريخي الذي يفسّر تخلفنا، أو في أحسن الأحوال في خانة البركة التي يبحث عنها الدراويش. بعيداً عن قيامهم ببذل جهود موضوعية علمية لإعادة النظر في تلك الأحكام المسبقة وما ترتّب عليها من قطيعةٍ ثقافيةٍ ومعرفية في أكثر من مجال..

بعيداً عن الاستطراد، دخلَ خطيبُنا في صُلب موضوعه من خلال الآيات التالية من سورة النحل: {خَلَقَ الإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ (4) وَالأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (5) وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ (6) وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَّمْ تَكُونُواْ بَالِغِيهِ إِلاَّ بِشِقِّ الأَنفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ (7) وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ (8)}.

 

بعدها، طلب من الحاضرين أن يتذكروا الآية الأولى بين الفينة والأخرى في حياتهم. لماذا؟ ليتواضعوا وهم يشعرون أنفسهم جبابرةً يسيرون على الأرض، بطُرُقها ومساراتها، حين يذكروا ماكانوا عليه في بداية خلقهم. ثم تحدّثَ عن عون الخالق للإنسان ببناء الحضارة من خلال تسخير الأنعام المختلفة على الأرض باستخداماتها المتنوعة وفي مقدمتها النّقل والتحميل والانتقال. ليختم بالإشارة إلى حكمة الخالق في بضع كلماتٍ جاءت في نهاية الآية الأخيرة لتوحي، مجرد إيحاء، وبعيداً عن مقولة إعجاز القرآن بتطبيقاتها الخُرافية، للبشر بما هو قادم من وسائل النقل، وتؤكد لهم واسع علمه، وترأف بحال أهل ذلك الزمان وعقولهم فلا تشرح لهم في صحرائهم أن أحفادهم سيركبون السيارات والطائرات والقطارات، بل ويخترقون عباب السماء في اتجاه القمر بالصواريخ.

وبعد حديث ممتعٍ ومختصر في تلك المعاني، انتقل الرجل ليشرح كيف يشكر الإنسان المعاصر عملياً نعمة التنقل فتحدث عن ثلاثة أمور: تجنّب إيذاء الناس جسدياً، والابتعاد عن الخيلاء والتكبر عليهم، والعمل ما أمكن على مساعدتهم. لاتُشكّلُ هذه الشروط الثلاثة بطبيعة الحال كلاماً معصوماً لايمكن الإضافة إليه أو تغييره. لكنها مرةً أخرى أمور محدّدةٌ عمليةٌ واضحةٌ يمكن أن يفهمها الناس من خلال الشرح البسيط والأمثلة ليكون هذا دافعاً لهم لتطبيقها ما إن يخرجوا من المسجد.

 

مرةً أخرى، نحن هنا إزاء خطابٍ عملي معاصر يعرف كيف يُدرّب الناس على تحويل المبادىء إلى ممارسات عملية. والأهم من ذلك أنه خطابٌ يُدرك حساسية وأهمية مثل هذه القضايا التي ينظر إليها البعض، ومنهم خطباء وعلماء، على أنها أمورٌ جانبيةٌ تافهة لاتستحق الاهتمام. فيكون خيار أمثال هؤلاء إغراق الناس بالحديث عن قضايا (كبرى) في مجتمعاتٍ يغلب على أفرادها الشعور بالعجز تجاهها. فتكون النتيجةُ في النهاية أن يغفلَ أولئك الأفراد عن الأثر التراكمي الكبير لما يُسمى بالأعمال الصغيرة في بناء وتطور الحضارات. وأن يُحاصَروا في نفس الوقت بمشاعر اليأس والإحباط بسبب عجزهم عن التعامل مع التحديات الكبرى التي تحيط بهم في كل مجال..

أما صاحبنا الحكيم فإنه يطلب من جمهوره ببساطة أن يتذكروا أن السيارة وسيلةٌ وليست غاية. وأنّ عقلية (الطغيان) لاتتعلق بعالم السياسة فقط، بل قد تتعلق بوسيلة التنقل هذه، حين يظهر باستعمالها طغيان عقلية الاستكبار والغرور والخيلاء، بشكلٍ يُحوّلُها في نظر البعض إلى وسيلة قتلٍ وإيذاء لعباد الله وممتلكاتهم. ضارباً على هذا الأمثلة، من ذلك الشاب الذي ينطلق كالسهم بسيارته في الشوارع ليتفاخر بقوّة محركها، إلى الآخر الذي يُزاحم الآخرين بسيارته العملاقة ليتشاوف بحجمها وضخامتها. ثم يخاطب الرجل ضمائر هؤلاء، طالباً منهم أن يسألوا انفسهم في أعماقهم عن المعاني الحقيقية لمثل هذه الممارسات. ومذكراً إياهم بجمال استصحاب قيمة التواضع والشكر، والتي تعطي الإنسان الطبيعي قيمته الحقيقية بعيداً عن الانتفاش الفارغ، وباستخدام كلام خالقهم من سورة الإسراء: {وَلاَ تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحاً إنَّكَ لَن تَخْرِقَ الأَرْضَ وَلَن تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولاً (37) كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيٍّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهاً (38)}.

أخيراً. يختم الرجل خطبته باستعراض حديث الرسول الكريم عن حق الطريق ‏المتمثل في غض البصر وكف الأذى ورد السلام والنصيحة وتقديم المعونة. مؤكداً على أن هذا الحق بكل مقتضياته يسري على المشاة وراكبي السيارات سواءً بسواء. وأنه لايتغير بتغير الأزمنة والوسائل.

 

هذا خطابٌ ديني يعمرُ الدنيا ويساهم في ترسيخ قيم الإنسانية الأصيلة على هذه الأرض. وهذا هو الخطاب الذي سـ {يمكث في الأرض}، لأنه يحقق الصفة التي اشترط القرآن أن تكون سبب بقائه فيها، انطلاقاً من كونه خطاباً {ينفعُ الناس}.

 

التعليقات

Thank you for sharing us with the friday khutbah

علِّق