Your rating: لا يوجد (1 vote)
عدد القراءات: 8221

أطفال سوريا؛ الهروب من الحرب إلى العمل الشاق لكسب العيش - ترجمة السوري الجديد

الكاتب الأصلي: 
Patrick Kingsley
تاريخ النشر: 
6 آيار (مايو), 2016

 

أعداد هائلة من السوريين صغار السن في تركيا وخارجها مضطرون للعمل بدلاً من الذهاب إلى المدرسة

 

يعمل 12 ساعة في اليوم، ستة أيام في الأسبوع، يجلس حمزة على مكنة الأحذية في مشغل معتم في جنوب تركيا. بإمكان السوري أداء معظم الأدوار؛ يعرف كيف يصنع من الجلد حذاء، أو يلصق أرضية الحذاء بالغراء. اليوم يخيط حمزة أجزاء الحذاء المختلفة بالآلة، ويبدو أن رئيسه في العمل يشعر بالرضا عنه.

يقول مدير المشغل: "يمكنه  أن يصنع 400 حذاء يومياً، إنه رجل حقيقي".

إلا أنه ليس كذلك، حيث إن عمره 13 سنة فقط، في الواقع حمزة طفل. وكذلك أكثر من ثلث العاملين في هذا المصنع هم أطفال.

هذا الأمر ليس بغير المألوف. وفقاً لليونيسيف، أكثر من نصف الـ 2.7 مليون لاجئ سوري المسجلين في تركيا هم من الأطفال - وما يقارب 80٪ منهم لا يذهبون إلى المدرسة. في المنطقة ككل، تقدر اليونيسيف أن نصف من هم في سن الدراسة من السوريين - 2.8 مليون طفل - ليس لديهم السبل لتلقي التعليم.

 

ويرى نشطاء أن العديد من الاطفال يعملون، مقابل رواتب أقل بكثير من الحد الأدنى للأجور. في جنوب المدينة حيث يعيش حمزة، تشير الدراسات الاستقصائية الواسعة من قبل منظمات الإغاثة المحلية إلى أن المدارس السورية في المدينة لديها قدرة استيعاب للسوريين فقط حوالي 21000 تلميذ سوري، وهذا العدد أقل من ثلث المجموع المحلي.

ويقول قيس الديري -وهو مدير شبكة الإغاثة السورية، وهي ائتلاف جماعات الإغاثة التي أجرت البحث- "بلا ريب يعمل الثلثان الآخران جميعهم". وفقاً للمعلمين، "الـ 21000 تلميذ يترك الكثير منهم أحياناً المدرسة في وقت مبكر. ويقول الواحد منهم: "لدي وظيفة، لا بد لي من دعم عائلتي".

يقول الديري: بهذا الوضع المتكرر في مئات المدن في جميع أنحاء الشرق الأوسط، الأضرار التي لحقت بأعداد كبيرة من الأطفال السوريين - منهم من قضى نصف عقد من دون مدرسة - الآن متعذر تعويضه. ويقول الديري: "حتى لو توقف كل شيء الآن، ولو حل السلام، فقط يمكننا السيطرة على الضرر، هذا أقصى ما يمكننا فعله". "لقد فقدنا جيلا. ونحاول ألا نفقد جيلا آخر".

 

حياة حمزة هي مثال جيد بشأن لماذا يحدث هذا كله. قبل عامين، قطع مقاتلو داعش رأس والده في شمال سوريا، لذلك هربت عائلته إلى تركيا. هناك، تعمل والدته كمدبرة منزل لعائلة عجزة، لقاء إيجار زهيد، ولكن بموت والد حمزة، لم يتبقَّ وسيلة أخرى لدى الأسرة لكسب المال. لذلك ولشراء الطعام، يعمل حمزة وأخوته الأصغر سناً، طارق وحمودة، في مصنع الأحذية. وأجرهم اليومي أقل من 10 دولار – أي أقل من سعر زوج الأحذية التي يصنعونها.

يقول حمزة: "أحب أن أذهب إلى المدرسة، واشتاق للقراءة والكتابة، ولكن لو ذهبت إلى المدرسة، لا أحد سيحضر الطعام إلى منزلي". في منزلهم المكون من غرفة واحدة، تقول أم حمزة بشأن أولادها وتهز رأسها بالموافقة: "عليهم العمل، ما لم يعملوا، لا يمكننا العيش".

 

وضع من مثل حمزة مألوف بالنسبة للباحثين في Hayata Destek، وهي منظمة تركية غير حكومية تعمل مع السوريين. وفقاً لاستطلاعاتهم عن السوريين في اسطنبول، 60٪ من الأسر السورية لديها دخل بين 500 و 1500 ليرة تركية (120- 360 يورو) للأسرة الواحدة في الشهر. تقول غونكا جيريت مكدانيل، منسقة برامج في Hayata Destek: "لكن عندما ننظر إلى ما تنفق الأسرة شهرياً، نحو 1600 ليرة، إنهم ينفقون أكثر مما يكسبون، ولذلك عليهم اقتراض المال - أو ترك أطفالهم يعملون".

أجور السوريين البالغين منخفضة للغاية؛ لأنه ليس لديهم الحق في العمل في تركيا، لذلك يمكن لأصحاب العمل دفع أجر أقل بكثير من الحد الأدنى للأجور. وكان من المفترض سن قوانين عمل جديدة في يناير/ كانون الثاني للمساعدة في حل هذا الوضع - ولكن في الواقع لم يتغير شيء يُذكر. فبدلاً من إعطاء السوريين الحق التام في العمل، بدلاً من ذلك يسمح القانون فقط لذوي العقود التقدم بطلب للحصول على تصاريح عمل - ولكن بالنسبة لمعظم الناس تصاريح العمل ليس لها وجود على أرض الواقع. ومعظم أصحاب العمل لا يريدون إعطاء عقود عمل.

 

يقول زكريا، البالغ من العمر 37 عاماً والذي يعمل في مشغل في اسطنبول: "لا يمكننا الحصول على تصريح عمل، إنه مستحيل. لو ساعدنا [أصحاب العمل] في الحصول على تصريح عمل، سيتوجب عليهم دفع أجر لنا مثل العمال الأتراك - وإنهم لا يريدون فعل ذلك".

ونتيجة لذلك، لا يزال زكريا يكسب أجر أقل من الحد الأدنى، مما يجعل الأمر مستحيل بالنسبة له لإطعام أطفاله الستة الصغار دون دخل إضافي؛ لذلك فقد أرسل ابنه الأكبر سيد البالغ من العمر 12 عاماً، للعمل في مصنع غير الذي يعمل فيه. ويقول زكريا: "أتمنى أن يكون متعلما، لو كنا في سوريا، لن أدعه يعمل تحت أي ظرف من الظروف. ولكن راتبي فقط 1200 ليرة تركية، ولا يمكننا البقاء على قيد الحياة بهذا الراتب".

 

في بعض الأحيان يعمل الأطفال؛ لأنه من الأسهل بالنسبة لهم العثور على وظائف عمل. يشير البحث عن طريق Hayata Destek إلى أن ما يقارب نصف الأسر السورية في هاتاي -وهي مدينة في جنوب تركيا يقطنها عدد كبير من السوريين- يكون فيها المعيل الوحيد هو الطفل. ويوضح سيزين يالجين وهو مدير برنامج حماية الطفل لـ Hayata Destek: "بأن هناك نقص هائل في فرص العمل للبالغين، لأن الكبار هم أقل تحملاً لضغط العمل من الأطفال، ويريد أصحاب العمل العمال الأصغر سناً، بحيث يتم  الضغط عليهم بشكل أكبر، ويتم استغلالهم أكثر من الكبار".

وعدم إمكانية التعليم هو السبب الآخر غير المباشر لعمالة الأطفال. لدى الأطفال السوريين الحق النظري في التعليم في تركيا - ولكن في بعض الأحيان الواقع مختلف. حيث يفيد تقرير أن مقابلاتهم تتم بتأخير لأشهر طويلة في تجهيز الأوراق الخاصة بهم، وهذا بدوره يعني بأن أطفالهم ينقصهم الوثائق الثبوتية اللازمة للتسجيل في المدرسة. وأيضاً تمنح الثغرات في القانون مدراء المدارس التركية الحق في عدم الاعتراف بالسوريين؛ فيما إذا كان وجودهم من شأنه أن يؤثر على تعلم الطلاب الأتراك.

 

في العام الماضي حاولت بشرى - وهي أم سورية تقيم في اسطنبول - إلحاق ابنها في مدرسة تركية محلية - ولكن طلبها قُوبِلَ بالرفض من قبل مدير المدرسة. أخبر المدير بشرى بأنها ستحتاج إلى دفع ما يعادل راتب شهرين لقاء خدمة ينبغي من الناحية القانونية أن تُمنَحُ لها مجاناً. وبعد ثلاثة أشهر، تم قبول ابن بشرى أخيراً في مدرسة جديدة، التي تم تأسيسها للسوريين بشكل خاص - ولكن فقط بعد أن جلبت للمسؤولين المحليين قائمة من 500 طفل سوري تخلفوا عن التعليم.

أصدرت شبكة الإغاثة السورية تقريراً لمشكلة مماثلة في غازي عنتاب. فقط عدد قليل من السوريين مسجلين في المدارس التركية. هناك فقط 42 مدرسة  للسوريين بُنيَت حديثاً - ولكن بمتوسط قدرة استيعابية لا تتجاوز الـ 500 طفل في المدرسة الواحدة،  وإمكانية الاستيعاب غير متاحة لأكثر من 70000 طفل سوري في سن الدراسة  في المدينة.

يحذر نشطاء بأن كل هذا سيكون له عواقب مروعة. على المدى القصير، يتعرض الأطفال العاملين إلى الإساءات المتكررة. أطلع قيس الديري شبكة الإغاثة السورية أن: "التحرش الجنسي هو أمر شائع للغاية، وكذلك الاعتداء الجسدي، "لقد قابلت أطفال، وهؤلاء الأطفال يقولون في طريقتهم البريئة: ‘هذا الشاب مسك يدي، حاول هذا الشاب أن يقودني لهنا، حاول هذا الشاب أن يلمسني هنا’".

 

يفيد تقرير عن ابن زكريا بأنه تعرض للضرب من قبل مديره في المصنع. ويقول سيد بن زكريا: "يضربني المعلم/ المدير بمفك البراغي، والمعادن، وبما هو موجود في يده. مرة قال لي أن أطفئ الراديو، وثم لم أعرف لماذا رماني بزجاجة ".

ورداً على سؤال حول إساءة معاملة الأطفال في المدينة التي يعيش فيها حمزة، يوافق مدير حمزة بأن الإساءة منتشرة في المصانع الأخرى. لكنه يقول إن مصنعه مختلف، ويعامل جميع موظفيه الأطفال باحترام، وأنه يعطيهم أحياناً الدروس. يقول الرجل، الذي كان في الخدمة المدنية قبل فراره من سوريا: "أنا لا أوظف هؤلاء الأطفال لأنني بحاجة عملهم. بدلاً من ذلك، أنا أسمح لهم بالعمل هنا لأنهم يحتاجون إلى مساعدة عائلاتهم".

وعلى المدى الطويل، يخشى نشطاء من أن ارتفاع عمالة الأطفال ومعدلات التسرب من المدارس سيخلق جيلا محبطا وغير متعلم، هذا الجيل الذي لن يساهم في دور مثمر في المجتمع، سواءً في سوريا أو في أي مكان آخر. في أحسن الأحوال، قد يكافح العديد منهم من أجل الاندماج - وفي أسوأ الأحوال، قد يسلك البعض طريق العنف.

 

وأعلنت اليونيسيف مؤخراً: "هناك اتجاه للقلق بشكل خاص بشأن التصاعد في تجنيد الأطفال [في الحرب الأهلية السورية]. "وتشير التقارير حول تشجيع الأطفال للانضمام إلى الحرب من قبل أطراف النزاع، وذلك من خلال تقديم هدايا ورواتب" تصل إلى 400 دولار شهرياً".

ووفقاً للديري، على الأقل بعض من هؤلاء الجنود الأطفال يعودون من تركيا، غير قادرين على تأسيس حياة هناك. "هذا ما يحدث حقاً. رأيت عشرات الحالات. وهم محبطون للغاية، ويتم إذلالهم يومياً، وليس لديهم مستقبل، لذا فهم يرغبون في العودة إلى سوريا. والشيء الوحيد الذي يمكن القيام به في سوريا هو حمل السلاح".

وبينما تستمر هذه الديناميكية المعقدة، يقول بعض الآباء السوريين: حتماً أوروبا لا تزال خياراً جذاباً بالنسبة لهم، بغض النظر عن القيود الأخيرة بشأن تحركات اللاجئين. ويقول زكريا: "أوروبا ليست لي، إنها لأطفالي. أريد كل أطفالي أن يذهبوا إلى أوروبا حتى يتمكنوا من الذهاب إلى المدرسة".

 

علِّق