No votes yet
عدد القراءات: 14911

أسبوع من الحكم... حتمية إقالة ترامب

الكاتب الأصلي: 
Robert Kuttner
تاريخ النشر: 
31 كانون الثاني (يناير), 2017
اللغة الأصلية: 

 

 

يحاول ترامب ممارسة الحُكم بالاندفاع والنزوة وذلك بهدف الاقتصاص لنفسه ومن أجل تحقيق الربح؛ يجري ذلك كلّه بموجب مرسوم، وكما لو أنّه انتُخِبَ ديكتاتوراً. لن يستقيم الأمر على هذا النحو، ويبدو أنَّ الأمور آخذةٌ بالتّدهور بعد مرور أسبوع فقط!

وعلى ما يبدو فإنَّ فكرة إقالةِ ترامب بدأت تحوزُ الأهليّة لأنّها السبيل الوحيد لتنحِيَته، ولأن الجمهوريين قد بدؤوا بالفعل بالنأيِ عن هذا الرئيس أفراداً وجماعات، ولأنَّ الرجل نفسه غير مؤهلٍّ نفسياً ليتحقّق من مدى قانونية ما يُقدِمُ على فعله قبل تنفيذه.  

 

أصبحت فكرة الإقالة واردة، إذْ بات من الواضح على نحوٍ مفزع أنّ ترامب غير ملائمٍ لمنصبه، ومع أنّ الراشدين من حولِه وحتى أولئك الأكثر ولاءً وخنوعاً يمضون معظم وقتهم في محاولة كبجِ جماحِه، إلاّ أنَّ ذلك كلّه لا يجدي نفعاً.

كذلك فإنَّ المحيطين بترامب يمضون الوقت المتبقي لديهم في استقبال مكالمات القادة الجمهوريين ونُخبِ الأعمال والزعماء الأجانب وهم يتساءلون ما الذي فعله ترامب؟ يا للمسكين راينس بريبوس (كبير موظّفي البيت الأبيض) وصل أخيراً إلى ذروة القوة، غيرَ أنّ ذلك لن يكون ممتعاً بالنسبة له.

إنَّ المسألة مختلفة تماماً حينما تكون مرشّحاً وتعيش في واقعك الخاص، تلك مرحلةُ الكلام فقط، وبإمكانك خداع ما يكفي من الناس لما تشاء من الوقت وربّما لحين انتخابك. ولكنّك حين تصل إلى الحُكم فإنَّ ثمّةَ واقعٌ جديد وعلى واقعك السابق أن يتراجع إلى الخلف.

 

واحداً تِلوَ الآخر، أصدر ترامب أوامر متهوّرة لم تدَقّق من الناحية القانونية أو من قبل موظفين سياسيّين، كما أنّها افتقرت إلى التخطيط الجاد. وعلى الفور تقريباً سوف يكون عليه التراجع عن تلك القرارات تحت مزيج من الضغوط السياسية والقانونية، وبضغط الواقع أيضاً.

وعلى عكس مختَلَفِ الديكتاتوريات التي يكنُّ ترامب لها الإعجاب، فإنَّ اللّفّةَ المعقّدة من الضوابط الدستورية والقانونية والسياسية على الطغيان في الولايات المتحدة الأمريكية ما زالت متماسكة-وإن في الوقت الراهن على الأقل- إلاَّ أنّها ما تزال متماسكة. وكلّما ازداد تهوّر ترامب كلّما أصبحت الضوابط أكثر قوّةً.   

ويبدو أنَّ الفضل يعود لمحاولته الجنونية تطبيق حظرٍ انتقائي على اللاجئين (ولكن ليس من الدول التي ترسل الإرهابيين كالسعودية ومصر حيث يمتلك ترامب مصالح هناك) في أنّه اكتشف وجود محاكم في النظام الأمريكي، نعم إنَّ لدينا محاكم، تخيّل ذلك!

كلّما تقدّم في العُته؛ كلّما قلّت مسايرةُ القضاة المحافظين إزاء السياسات الجمهورية التي لطالما كانوا متساهلين نحوها. وإذا ما تجرّأ أحد القضاة على المخاطرة بذلك فإنّه سيجعل من المحكمة الدستورية العليا عاهرَةً لترامب.

 

في الأسبوع الماضي أقدَم جمهوريون بدءاً بالسيناتور ميتش ماكونيل بانتقادِ آراء ترامب حول بوتين، وقد استهجنوا ادّعاءاته الهوجاء حول حدوث تزويرٍ واسع النطاق.

هم يبحثون عن مخرجٍ يضمن لهم إلغاء قانون الرعاية الصحية "أوباما كير" من غير القضاء على المرضى أو آمال إعادة انتخاب الجمهوريين. هذا معقّدٌ بالفعل، كما أنَّ الدّقَةَ ثوبٌ لا يناسب ترامب بتاتاً. لقد عبّر ممثّل ولاية كاليفورنيا توم ماكلينتوك عن هاجس كثيرين حين حذّرَ قائلاً:

"من الأفضل لنا التأكّدَ من جاهزيّتنا للتأقلم مع السوق الذي أنشأناه" وقد ذكر كلامه هذا في معرِض تعليقه على قرار الإلغاء.

"سوف نسمّي ذلك ترامب كير وسوف يُحسَبُ الموضوع برمّتهِ على الجمهوريين، ثمَّ سيكون علينا أن نخضع للمحاكمة في الانتخابات بعد أقلّ من سنتين من الآن".

 

السيناتور ليندسي غراهام، وفي معرض سخريتها من عادات ترامب الغريبة في التغريد على تويتر، قامت بكتابة تغريدة دعت فيها إلى حربٍ تجارية مع المكسيك وقد كتبت في تغريدتها: "mucho sad" أي حزينةً جدّاً. (mucho كلمة إسبانية تعني كثيراً وهي تستخدم في المكسيك).

كان على كبار موظّفي إدارة ترامب ثنيَه عن حملته المثيرة للسخرية ضد المكسيك والمكسيكيّين حيث اضطّرّ ترامب قيام الرئيس المكسيكي بإلغاء زيارةٍ رسمية ليومٍ واحد كانت مقرّرة مسبقاً والاكتفاء بمكالمةٍ هاتفيةٍ لمدّة ساعة في اليوم التالي.

اقترح ترامب إعادة العمل بالتعذيب، إلاَّ أنّ زعماءَ جمهوريين بارزين وَأدُوا الفكرة في مهدِها. وقال السيناتور جون ثيون وهو ثالث أبرز الأعضاء الجمهوريين في مجلس الشيوخ يوم الأربعاء الفائت بأنَّ حظرَ التعذيب كان قانوناً راسخاً وأنَّ الجمهوريين في الكونغرس سوف يعارضون أيّ مسعى لإعادةِ السماح بالتعذيب، كما أنَّ لوزير الدفاع في إدارة ترامب الرأي نفسه. أمّا ترامب وبعد الصّخب الذي أثاره حول سياسته الجديدة للتعذيب؛ فقد وافق خانعاً على أن يذعِنَ لمستشاريه لشؤون الدفاع.

جرى ذلك كلّه في أسبوعٍ واحد فقط! وتُوِّجَ بالقضاة الفيدراليّين يحاولون كبح جماح السيد ترامب.

 

قبل أسبوعين، واستناداً لما شاهدناه خلال المرحلة الانتقالية فقط، كتبت في هذا المنبر مقالةً قصيرةً دعوتُ فيها إلى تشكيل هيئة عزلٍ من المواطنين، لتكون بمثابة لجنة قضائية في مجلس نوّاب الظلّ، وذلك لتحضير ملفٍّ لعزل ترامب وإطلاق حملةٍ قوامها المواطنون تهدف إلى إنشاء حركةٍ عزلٍ شعبية.   

وفي غضون أسبوعين من دعوتي تلك أطلقت منظمة Free Speech for People حملةً وطنية لعزل ترامب، وقد بلغ عدد الموقّعين على العريضة زهاءَ 400.000 مواطن.

وكانت المجموعة المكوّنة من أعضاء في الحزبَين الجمهوري والديمقراطي والمعروفة باسم (مواطنون من أجل المسؤولية والأخلاق في واشنطن (CREW)، قد أجرَت تحقيقاً مفصّلاً في قانونية الموضوع. وقد أعدَّ باحثون قانونيّون رفيعو المستوى على صلةٍ بالمجموعة ملفّاً قانونياً مفصّلاً ضمَّنوه في دعوتهم القضائية ووثّقوا فيه لعديد الطرق التي انتهك بها ترامب بندَ المكافآت والذي يمنع على الرئيس الاستفادة من تصرفات الحكومات الأجنبية.

 

ثمَّةَ بالفعل مسوّغات أخرى لعزل ترامب، بما فيها تغليبه لمصالحه التجارية على مصالح البلاد وتحالفه الغريب والانتهازي مع فلاديمير بوتين والذي يقارب الخيانة. هنالك قانونٌ لا يعرفه كثيرون ويذهب أبعد مما يذهب بندُ المكافآت، وهو قانون الأسواق المالية لعام  2012 وهو ينصّ صراحةً على منع الرئيس والمسؤولين الآخرين من الاستفادة من المعلومات غير المتاحة للعموم.

وبالطّبع فإنَّ الإقالة عمليةٌ سياسية وقانونية أيضاً، وقد صمّمها المؤسّسون بهذا الشكل عن قصد. ولكن بعد أسبوعٍ من تولّيه المنصب، لم يتوقّف الأمر عند تخلّي ترامب عن الدستور، بل إنَّ حلفاءه الحزبيّين بدؤوا يهجرونه أيضاً.

وعلى الرغم من غرابته المروّعة؛ إلاَّ أنَّ الجمهوريّين اعتقدوا أنَّ بإمكانهم استخدام ترامب لخدمة غاياتهم الحزبية، لكنّه ترامب وبدءاً بانفتاحه على بوتين وحتى رعايته للحرب التجارية الشاملة، لم يكن جمهورياً أبداً. وبمقدور المرء أن يتخيل فقط حجم الذعر والتأهب الذي يعبَّرُ عنه في الأروقة الجمهورية الخاصة.

عام 1984، شخّصَ المحلل النفسي أوتّو كيرنبيرغ مرضاً عُرِف باسم متلازمة "النرجسية الخبيثة"، وخلافاً للنرجسية المعتادة، كانت النرجسية الخبيثة داءً فتّاكاً.    

وقد تميّزت النرجسية الخبيثة بانعدام الضمير والشعور بالعظَمَة المرضية وبالتّوقِ إلى السلطة والتلذّذ السادي في الفظاظة.

وبالنظر إلى الخطر الواضح على الجمهورية وعلى الجمهوريين، فإنَّ إقالة ترامب سوف تحدُث، والسؤال الوحيد هو حول مدى خطورة الكارثة التي ستواجهها أمريكا للمرة الأولى.

 

----------------

لمحة عن الكاتب:

روبيرت كوتنير(Robert Kuttner): محرر مشارك في مجلة الأميركان بروسبيكت وهو أستاذ في كليّة هيلر في جامعة برانديز، وقد أصدر مؤخراً كتاب بعنوان: Debtors’ Prison: The Politics of Austerity Versus Possibility.

علِّق

مقالات المترجم