No votes yet
عدد القراءات: 4669

أزمة الإسلام السياسي - ترجمة السوري الجديد

الكاتب الأصلي: 
Yaroslav Trofimov
تاريخ النشر: 
28 تموز (يوليو), 2016
اللغة الأصلية: 

 

تُظهِر أولاً مصر، والآن تركيا مخاطر الأحزاب العقائدية الدينية (وحكم القائد القوي)، لكن تزدهر وتنجح دول إسلامية أخرى بالديمقراطية.

 

في عام 1999، تم سجن الرئيس السابق لبلدية اسطنبول المدعو رجب طيب أردوغان، وتم منعه من ممارسة السياسة بسبب إلقائه قصيدة: "المآذن هي حرابنا، وقباب مساجدنا هي خوذاتنا، ومساجدنا هي ثكناتنا. مرجعيتي هي الإسلام. إذا لم أكن قادراً على التحدث عن هذا، ما هي الفائدة من العيش؟"

يرأس الآن الرئيس التركي (ورئيس الوزراء لمدة 11 عاماً قبل ذلك)، تطهير البلاد من الأعداء المشتبه بهم بعد فشل الانقلاب العسكري ضد حكومته.

على مدى عقود، في الكثير من مناطق الشرق الأوسط، لم يتمكن السياسيون الإسلاميون مثل السيد أردوغان من التحدث، وعندما فعلوا ذلك، كثيرا ما واجهوا زنزانة السجن أو حبل المشنقة.

من الجزائر إلى مصر إلى تركيا، أطلقت أجهزة الدولة العنان مراراً للقمع – بدرجات متفاوتة من القسوة - إلى تهميش الإسلام السياسي، وسحقت الحريات الديمقراطية بينما تقدم ذريعة الحفاظ على القيم العلمانية. ولكن يتفق الغرب بالرأي مع ذلك في أغلب الأحيان، مفضلاً العفاريت الاستبداديين الذين يعرفهم على الإسلاميين الذين لا يعرفهم.

ورداً على ذلك، فقد تبنت العديد من الحركات الإسلامية التي نشأت تحت تأثير حركة الإخوان المسلمين في مصر- جماعات تشمل حزب السيد أردوغان- تدريجياً لغة التعددية وفكرة السياسة الديمقراطية والانتخابات.

غالباً ما ينظر هؤلاء الإسلاميون الحديثون إلى الديمقراطية ليس كقيمة في حد ذاتها، بل مجرد تكتيك لإقامة نظام إسلامي "صحيح". بالنسبة لهم، صناديق الاقتراع ببساطة أكثر الطرق الممكنة لتفكيك ما بعد الاستعمار، الأنظمة العلمانية التي فشلت - في أعين أنصارها - لتحقيق العدالة أو التطور للمسلمين العاديين.

في عام 2005، لخص السيد أردوغان- كرئيس وزراء لتركيا ومشهود له بتحسين سجل حقوق الإنسان في البلاد، ودفع تركيا للحصول على العضوية في الاتحاد الأوروبي - خلال رحلة إلى أستراليا، لخص الديمقراطية بأنها مجرد "مركبة" (وسيلة نقل).

في العقد اللاحق، قد اطفى السيد أردوغان مراكز رئيسية للمعارضة في البيروقراطية ووسائل الإعلام والجيش والقضاء في تركيا.

في أعقاب الانقلاب الفاشل -برهان حي أن شكوكه لم يكن لها أساس من الصحة- فقد شن حملة على عشرات الآلاف من المعارضين المحتملين، بما في ذلك احتجاز ما يقرب من 9000 شخصاً منذ انهيار المؤامرة.

قال سونر جاغابتاي، وهو خبير في تركيا في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى: "لقد تم الآن حذف جميع الشيكات والأرصدة".

في مصر، كانت الآمال للديمقراطية عالية في أعقاب مظاهرات 2011 في ميدان التحرير، و الذي ساعد على إسقاط المستبد حسني مبارك. ولكن أول رئيس منتخب ديمقراطيا للبلاد، محمد مرسي من جماعة الإخوان المسلمين، استغرق بضعة أشهر فقط بعد انتخابه في عام 2012 ليبدأ بشكل مشؤوم توطيد حكمه، مانحاً نفسه حصانة من الرقابة القضائية.

تم إنهاء قبضته على السلطة من خلال انقلاب عسكري ناجح في العام التالي، الانقلاب الذي نصب الرجل القوي الحالي للبلاد، عبد الفتاح السيسي. وقد ثبت بسرعة أن نظامه أكثر قمعاً حتى من نظام السيد مبارك.


كانت هذه الدورة من الصراع - بين "الدولة العميقة" المترسخة التي تسيطر عليها المؤسسات العسكرية والأمنية في البلاد، وبين الأحزاب الإسلامية الحريصة على الاستيلاء على أكبر قدر ممكن من السلطة عند انتخابها بسبب مخاوفها المشروعة بأنها لن يتم السماح لها بالحكم - سبباً رئيسياً في فشل الديمقراطية في التجذر في الشرق الأوسط.

بارتباطاتها مع الغرب أو الأنظمة الاستبدادية في السلطة، سعت الأحزاب الليبرالية والعلمانية في الظهور كخيار ثالث في المنطقة. و بعد كل شيء، الديمقراطية هي اقتراح صعب عندما لا تؤمن بها قوتان من القوى الرئيسية التي تتشكل حالياً سياسة الشرق الأوسط: المستبدون في الحرس القديم والحركات الإسلامية.

 

الاستثناء الديمقراطي لهذه القاعدة هي تونس، وهي الدولة الديمقراطية العربية التي انبثقت عن الثورات العربية في عام 2011. إنه البلد الوحيد المصنف الآن على أنه "حر" – وذلك وفقاً منظمة الحرية، وهي منظمة أمريكية تحلل قضايا الحريات المدنية والحقوق السياسية – من أصل 17 دولة ذات أغلبية مسلمة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. وهذا هو أسوأ سجل لأي منطقة.

قال حسن حسن، وهو زميل في معهد التحرير لسياسة الشرق الأوسط في واشنطن العاصمة: "هناك الكثير يتعين القيام به قبل إعطاء الفرصة للديمقراطية. التعليم، والأفكار التعددية والبناء الجماعي في الآراء منخفضة ومتدنية في العديد من هذه الدول".

لا ترتبط المشكلة الديمقراطية هذه كثيراً مع الإسلام: دين قديم، كما هو الحال مع الإسلام السياسي: أيديولوجية حديثة نشأت في القرن العشرين في مصر، في جزء منه، لمعالجة التخلف والتأخر في الشرق الأوسط مقارنةً مع الغرب. لقى الآباء المؤسسين لجماعة الإخوان المسلمين الموت- تم قتل حسن البنا رمياً بالرصاص في عام 1949، وتم شنق سيد قطب من قبل الحكومة المصرية في عام 1966، ولكن انتشرت أفكارهم في جميع أنحاء الشرق الأوسط بعد الفشل المكرر للأنظمة الاستبدادية التي بشرت بأفكار الاشتراكية والقومية العربية. وتمثل فروع جماعة الإخوان الآن الحركات السياسية المهيمنة من المغرب إلى تركيا إلى قطاع غزة.


ولكن العالم الإسلامي أكبر من منطقة الشرق الأوسط. إندونيسيا هي البلد المسلم الأكبر من حيث عدد السكان في العالم، و الذي حقق ديمقراطية ناجحة منذ عام 1999. وقد بقيت أحزاب إسلامية محافظة على هامش السلطة، وتمت تلبية المطالب المحلية لمزيد من الحكم الديني من خلال اللامركزية.

"على الرغم من أننا في الغالب مسلمين، السبيل الذي نمارس الإسلام فيه يحوي خصائص محلية للغاية. ونحن في إندونيسيا نرغب في العيش معا في تنوع؛ فنحن مختلفون، وقد خلق هذا تحدي هنا لحركات إسلامية مثل الإخوان المسلمين"، هذا ما أوضحه سامسول معارف، وهو باحث في مركز الدراسات الدينية والثقافات من جامعة غادجاه مادا في جاكارتا في جزيرة جافا في إندونيسيا.

 

أيضاً خسرت الأحزاب السياسية الإسلامية باستمرار في صناديق الاقتراع في باكستان: البلد الثاني الأكثر اكتظاظاً بالمسلمين في العالم. وذلك هو أحد الأسباب التي جعلت المتطرفين الإسلاميين في باكستان يتبنون بدلاً من ذلك استراتيجية الإرهاب.

على الرغم من أن الجيش الباكستاني لا يزال يحتفظ بنفوذ كبير في الشؤون الأمنية والخارجية، فقد تعززت هناك السياسة الديمقراطية منذ انتهاء الحكم العسكري المباشر في عام 2008. وأدت انتخابات 2013 إلى توزيع البلاد للسلطة بين الأحزاب المتنافسة.

خارج منطقة الشرق الأوسط، نشطت الديمقراطية أيضاً، على الأقل حتى الآن، في الدول ذات الأغلبية المسلمة بشكل متنوع كما في السنغال وألبانيا.


لكن الأفكار السياسية تميل إلى السفر من قلب العالم الإسلامي إلى محيطه، وليس العكس. قبل عقد من الزمان، في كثير من الأحيان، تعد مالي الديمقراطية الإسلامية الأكثر حرية، مصدر إلهام محتمل للديمقراطيين في أفغانستان والعراق التي مزقتهما الحرب. وصولاً إلى عام 2012، انهارت الديمقراطية  في مالي في ظل هجمة المتطرفين الإسلاميين الذين كانوا قد حاكوا (تماشوا ) مع حركة طالبان وتنظيم القاعدة.

بطبيعة الحال، تكون الناقشات بشأن دور الدين – والجانب الأخلاقي الملهم أخلاقياً - في الحياة العامة، فريدة في المجتمعات الإسلامية. وقد تصدت الديمقراطيات الغربية التي أقيمت لهذه القضايا أيضاً. أثناء حياة العديد من الأمريكيين الأكبر سناً، بعد كل شيء، فقد كانت هناك جناية لبيع الكحول أو ممارسة الزنا أو الجنس المثلي.   

 

ولكن الإسلام هو الدين الذي أقام مؤسسه إمبراطورية ناجحة بدلاً من الموت على الصليب. ونتيجة لذلك، يوفر وصفة طبية أكثر تفصيلا من المسيحية في كيفية إدارة الحكومة والمجتمع. ويسري الشعار التاريخي لجماعة الإخوان المسلمين: "القرآن دستورنا".

على هذا النحو، يجد السياسيون والناخبون - الذين يؤمنون بسيادة القانون الإسلامي - أنفسهم في صراع مع مبدأ الديمقراطية، عندما تفضل الأغلبية مساراً مختلفاً. هذا، بعد كل شيء، هو سبب رفض المزيد من الجماعات المتطرفة - مثل تنظيم الدولة الإسلامية - الديمقراطية برمتها باعتبارها بدعة وكفر.

بعد ثورة عام 1979، زعمت إيران التصالح مع هذه المعضلة عن طريق توطيد "الجمهورية الإسلامية". ومع ذلك، فقد همش النظام الإيراني - الذي تحتفظ فيه المؤسسة الدينية الشيعية في البلاد بالسلطة العليا - المؤسسات الديمقراطية في البلاد والمسؤولين المنتخبين كلما  تم اتخاذ قرارات كبرى. في نهاية المطاف تقع السلطة على عاتق المرشد الأعلى، آية الله علي خامنئي، وليس على البرلمان. وبما أن الدستور الإيراني ينص صراحةً على أن جميع القوانين واللوائح "يجب أن تستند إلى معايير إسلامية"، التي تتناسب مع رجال الدين.  

كما أدت الثورة الإيرانية إلى انقسام طائفي شديد في جميع أنحاء المنطقة، الشيء الذي برهن أن تلك الثورة عقبة أخرى في الحياة السياسية الديمقراطية. تشهد المملكة العربية السعودية السنية - شرعيتها بوصفها راعية لشعائر الحج - تنافساً شديداً من قبل الثيوقراطية التي تدير إيران الشيعية، حيث تقاتل عبر إثارة المشاعر المعارضة للشيعة، وتمول معارك بالوكالة مع الحلفاء الإيرانيين من اليمن إلى سوريا. (معظم المسلمين سنة).

وفي الآونة الأخيرة، دعمت دول الخليج مثل المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة انقلاب السيد السيسي في مصر. خوفا على حكمهم، كانت دول الخليج معادية بشكل خاص لتجربة الديمقراطية في تونس؛ البلد الذي بدأ الربيع العربي. تبقى تونس الدولة الوحيدة التي لم تتحط فيه الآمال الأولية من أجل الحرية عبر استيلاء الجيش على السلطة (كما في مصر)، أو عبر حملة دموية (كما في البحرين)، أو الفوضى والحرب الأهلية (كما هو الحال في سوريا واليمن وليبيا).

أصبحت تونس المنارة المتفردة بالديمقراطية العربية في المنطقة إلى حد كبير بفضل الحكمة التي أظهرها الصفوة المحلية لجماعة الإخوان المسلمين؛ حزب النهضة. بعد الانقلاب المصري عام 2013، اتخذ حزب النهضة نهجاً براغماتياً على نحو غير عادي. حيث توصل لحل وسط لدور الإسلام في المجتمع خلال جلسات صياغة دستور جديد للبلاد، ووافق على انتخابات انهزم فيها الحزب.

أخبر زعيم النهضة راشد الغنوشي مؤخراً هيئة حزبه: "ربما نفقد السلطة، ولكن ستفوز تونس". وأضاف:  "تمكنت تونس من تجنب المجذرة التي أعقبت ثورات الربيع العربي الأخرى عن طريق "اعتماد مبدأ الحوار وقبول الآخر وتجنب الإقصاء والانتقام".

وقد أثبتت تلك الوصفة الطبية أنها صعبة التطبيق خصوصاً في بلدان مثل سوريا والعراق. بحدود تم رسمها على الخريطة عن طريق الاستعمار الأوروبي، فقد تم حكمها لفترة طويلة من تاريخهم الحديث من قبل الأنظمة الديكتاتورية التي تنكرت بحكم الأقلية بواجهة علمانية. منذ فترة طويلة تُحكَمُ سوريا ذات الأغلبية السنية من قبل الطاغية الأسد ذو الأصول العلوية،  وحًكِمَ العراق ذو الغالبية الشيعية بحذاء ديكتاتورية صدام حسين السني.

بعد الغزو الأمريكي للعراق عام 2003، سقطت البلاد بسرعة في هيمنة الطائفية الشيعية بقيادة رئيس الوزراء السابق نوري المالكي، الذي دفع رفضه في الاستجابة لمخاوف السنة، بالعديد منهم إلى أحضان الدولة الإسلامية. في سوريا، سيواصل العلويون والأقليات الأخرى دعم الرئيس بشار الأسد على الرغم من وحشيته، خوفاً من أن ظهور حكم الأغلبية السنية لن يضعفهم فقط ولكن ربما يؤدي إلى إبادتهم.

في بلدان محورية مثل تركيا ومصر؛ شركاء الولايات المتحدة المهمين، أصبح أيضاً النضال السياسي لعبة محصلتها صفر. في هذه البيئة، لدى الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيون أدوات ثمينة قليلة مطروحة لتعزيز أجندة الديمقراطية، وخاصة بعد أن عملت إدارة أوباما في الحد من مشاركتها في الشرق الأوسط، وبعد أن حاولت القوى المعادية للديمقراطية من روسيا والصين إلى توسيع نفوذهم.

 

تحت الضغط، في مصر وتركيا ودول أخرى في الشرق الأوسط، قال ستيفن كوك، وهو زميل بارز في مجلس العلاقات الخارجية: "لقد كان القادة قادرين على تحديد الصرعات الاجتماعية في تعابير الوجودية. ما الذي يمكن لرئيس الولايات المتحدة أو وزيرة الخارجية فعله في هذه الظروف؟ ليس كثيراً".

الذكريات في المنطقة طويلة، وقد نسي عدد قليل من الناس كيف وقف الغرب في الماضي في كثير من الأحيان مع الطغاة مثل السيد مبارك في مصر، وقبل حجة المستبدين: "أن البديل الوحيد لحكمهم العلماني الفاسد هو الاستبداد الثيوقراطي من قبل المتعصبين الملتحين"  و في عام 2013، رحب العلمانيون والليبراليون في مصر بحماس بانقلاب السيد السيسي - إلا أنه تم استهدافهم أنفسهم من خلال موجة القمع التي تلت استيلاءه على السلطة.

وكثيراً ما سعى الغرب لتحقيق التوازن بين مثله العليا ومصالحه. ولكن قدمت الولايات المتحدة فقط الانتقادات الألطف لانتهاكات السيد السيسي، وفي عام 1991، رحبت الدول الغربية الرئيسية، وخاصة فرنسا، بقرار الحكام في الجزائر في إيقاف الجولة الثانية من الانتخابات التي تأكد فيها الفوز لحزب إسلامي. حيث أشعل الانقلاب الجزائري الحرب الأهلية التي حصدت ما لا يقل عن 200000 شخصاً، مقنعةً الكثير من الإسلاميين المسالمين في وقت سابق أن السلطة لا يمكن نيلها إلا بالرصاص والقنابل، وتسهم بشكل مباشر في ظهور تنظيم القاعدة.

 

وقفت تركيا منذ أسبوع على حافة اتباع مسار مماثل. قال شادي حامد، وهو زميل بارز في معهد بروكينغز ومؤلف لكتاب جديد "الاستثنائية الإسلامية": "من الصعب أن تكون متفائلاً بشأن تركيا. ولكن لو كان الانقلاب قد نجح، لكان قد قدم دليلاً جديداً يثبت أنه لا يمكن للإسلاميين البقاء في السلطة عبر انتخابات ديمقراطية. هذا من شأنه أن يبعث برسالة خطيرة بأن داعش والجماعات المتطرفة الأخرى تستفيد من: أن السبيل الوحيد لتحقيق أي شيء يكون من خلال القوة الغاشمة".

 

علِّق