No votes yet
عدد القراءات: 7688

أردوغان يغلق فصلاً كاملاً من تاريخ بلده الحديث بفوزه في استفتائه الدستوري

الكاتب الأصلي: 
Steven A. Cook
تاريخ النشر: 
18 نيسان (أبريل), 2017
اللغة الأصلية: 

 

لم يفز رجب طيب أردوغان فقط في استفتائه الدستوري، بل أغلق فصلاً كاملاً من تاريخ بلده الحديث.

في 20 يناير 1921، مررت الجمعية الوطنية الكبرى التركية قانون المنظمة الأساسي.

بعد هذا التاريخ بثلاث سنوات تقريباً سيعلن مصطفى كمال - المعروف بشكلٍ أكثر شيوعاً بأتاتورك، أو "الأب ترك" - جمهورية تركيا، ولكن التشريع كان علامة حاسمة للنظام الجديد المتشكل في الأناضول.

لقد تم تأسيس البلد الجديد الذي يدعى تركيا، على عكس الإمبراطورية العثمانية، على أسسٍ حديثة، ومن المقرر أن تديره فروع تنفيذية وتشريعية، فضلاً عن مجلس وزراء يتألف من ممثلين منتخبين للبرلمان. فما كان في السابق سلطةً للسلطان، الذي حكم وحده مع الشرعيةِ السياسيّةِ والكنسية، وضعت في أيدي المشرعين الّذين يمثلون سيادةَ الشَّعب.

لقد جسّدَ القانون المتعلق بالمنظمة الأساسية، وهو أكبر إصلاح حدث حتى تاريخه، انتقالاً من الحكم السّلالي إلى العصر الحديث، وهذا هو التغيير الذي كان على المحك في استفتاء تركيا في نهاية الأسبوع. وتركز الكثير من الاهتمام على التصويت يوم الأحد على أنه كان استفتاء على سلطة الرئاسة التركية والسياسي المحوري الذي يشغل هذا المنصب، رجب طيب أردوغان. ومع ذلك فما حدث في الواقع كان أكثر من ذلك بكثير.

وسواء كانوا يفهمون ذلك أم لا، عندما صوت الأتراك "نعم"، فقد كانوا يسجلون معارضتهم لقانون المنظمة الأساسي ونسخة الحداثة التي تصوّرها أتاتورك وجسّدها. على الرغم من أن المعارضة لا تزال تتنازع على التصويت النهائي، يبدو أن الجمهور التركي أعطى أردوغان وحزب العدالة والتنمية رخصةً لإعادة تنظيم الدولة التركية، وهدم القيم التي بنيت عليها. وحتى لو كانت معنوياتهم ضعيفة في هزيمتهم، فإن مشروع أردوغان سيثير مقاومة كبيرة بين مختلف مجموعات "لا". والنتيجة التي يمكن التنبؤ بها ستكون استمرار التطهير الذي استمر منذ الانقلاب الفاشل في تموز/ يوليو الماضي، بما في ذلك المزيد من الاعتقالات وإضفاء مزيد من الشرعية على المعارضة البرلمانية لأردوغان. كل هذا سوف يزعزع استقرار السياسة التركية.

 

لقد بارك الإسلاميون في تركيا الفترة العثمانية طويلاً، وبقيامهم بذلك، أعربوا ضمناً عن ازدراءٍ مُحْبَطٍ للجمهورية التركية. بالنسبة إلى نجم الدين أربكان، الذي قاد الحركة منذ أواخر الستينيات حتى ظهور حزب العدالة والتنمية في أغسطس/ آب 2001، كانت الجمهورية تمثل النكران الثقافي والعلمانية القمعية في خدمة ما كان يعتقد بأنه من أفكار أتاتورك الخاطئة التي مفادها أن البلاد يجب أن تكون غربية بحيث يتقبلها الغرب. وبدلاً من ذلك، رأى أردوغان أن المكان الطبيعي لتركيا ليس في مقر الناتو في بروكسل بل كزعيم للعالم الإسلامي الذي يجب أن يكون شركاؤه باكستان وماليزيا ومصر وإيران وإندونيسيا.

عندما أنشأ أربكان، ومعه أردوغان والرئيس السابق عبد الله غول، حزب العدالة والتنمية، تخلوا عن خطاب الحرس القديم المناهض للغرب، والتزموا بالتقدم بطلب ترشيح تركية للانضمام للاتحاد الأوروبي، ووضعوا بوعي صورة عن أنفسهم كمسلمين نظراء  للديمقراطيين المسيحيين في أوروبا. ومع ذلك، فقد احتفظوا بالأفكار الإسلامية التقليدية حول دور تركيا في الشرق الأوسط والعالم الإسلامي الأوسع.
وأبدى المفكرون في حزب العدالة والتنمية -ولا سيما رئيس الوزراء السابق أحمد داوود أوغلو- بعض التحفظات حول مدى توافق المؤسسات السياسية والاجتماعية الغربية مع مجتمعهم الذي يغلب عليه الطابع الإسلامي، لكنَّ قيادة حزب العدالة والتنمية لم تتصرف بناءً على هذه الفكرة، بل اختارت بدلاً من ذلك تقويض جوانب من إرث أتاتورك ضمن إطار الجمهورية. لم يعد هذا هو الحال.

حزب العدالة والتنمية وأنصار التصويت "بنعم" يرون أن النقد كان غير عادل للتعديلات الدستورية. ويشيرون إلى أن التغييراتِ لا تقوّضُ رئيساً وبرلماناً منتخبين من قبل الشّعب، فضلاً عن القضاء المستقل (على الأقل رسمياً). وهذا كله صحيح. لكن هذا أيضاً وصفٌ ضيقٌ جداً للنظام السياسي الذي يتصوره أردوغان. وبدلاً من ذلك، فإن السلطات التي ستتاح للرئاسة التنفيذية هي سلطات واسعة، بما في ذلك القدرة على تعيين قضاة دون استشارة البرلمان، إصدار المراسيم بقوة القانون، وحل البرلمان. سيحتكر الرئيس أيضاً جميع التعيينات العليا في البيروقراطية وسيمارس السيطرة الحصرية للقوات المسلحة. ستتحاشى التعديلات الحاجة لمنصب رئيس الوزراء، الذي سيُلغى. لا تزال الجمعية الوطنية الكبرى والتشريعية تحتفظ ببعض الرقابة، ولكن إذا كان الرئيس والأغلبية هم من نفس الحزب السياسي، فإن سلطة الرئاسة ستكون غير مقيدة.

فمع وجود اختلالات هائلة وعدم إجراء أية رقابة على رئيس الدولة، الذي سيصبح الآن رئيس الحكومة، فإن التعديلات الدستورية ستجعل قانون المنظمة الأساسية وجميع الجهود اللاحقة يحاكي المبادئ التنظيمية لدولة حديثة. وتبين أن أردوغان، الذي كان يمارس السلطة غير المخولة للقادة الأتراك منذ السلاطين، هو في الواقع عثماني جديد.

 

ساعد طموح أردوغان في دفع تركيا إلى هذه النقطة. ولكن على عكس كاريكاتير رجل يسعى إلى السلطة من أجل السلطة، فإن للرئيس التركي في الواقع رؤية لتحويل تركيا للحالة التي تكون فيها البلاد أكثر ازدهاراً وأكثر قوة، وأكثر إسلامية، مما يعني أن القيم المحافظة والدينية ستشكل سلوك الأتراك وتطلعاتهم في طريقهم إلى الحياة. والمشكلة هي أن أردوغان مقتنع بأنه هو الوحيد الذي يتمتع بالمهارات السياسية، والاقتناع الأخلاقي، والمكانة للقيام بها. وبالتالي، فإنه يحتاج إلى قيادة الدولة والساحة السياسية بطرق لم يكن يعرفها الرؤساء الأتراك الذين من المفترض أن يكونوا فوق النزاع، وبتقاليد من المتوقع أن تنفذ سلطاتها المحدودة ولكن مهمة في نمطيّة رجل الدولة.

وبالنسبة لجميع النجاحات السياسية التي حققها أردوغان، فإن تشكيل "الرئاسة التنفيذية" التي يسعى إليها عبارة عن ممارسة في الإحباط حتى الآن. ففي أكتوبر 2011، أعلن أن تركيا سيكون لها دستور جديد في غضون عام. وبحلول عام 2013، كانت اللجنة البرلمانية المشتركة بين الأحزاب المكلفة بكتابة الوثيقة الجديدة تسير في طريق مسدود، لذلك وضع أردوغان رؤيته على الدستور الذي كتبه حزب العدالة والتنمية. بيد أنه من أجل الحصول عليها، كان بحاجة إلى تعزيز أغلبية البرلمان. وعندما لم يحصل في الانتخابات العامة في عام 2015 على الـ 367 مقعداً (من أصل 550) المطلوبة ليتمكّن من كتابة الدستور والتصديق عليه دون تدخل الجمهور، اضطر الرئيس التركي إلى تسوية التعديلات الدستورية والقيام باستفتاء يوم الأحد.

وبغية تعزيز الدّعم للرئاسة التنفيذية، أثار أردوغان شبح عدم الاستقرار السياسي والاقتصادي في التسعينيات وأوائل الألفية الثانية، عندما أثبتت سلسلة من الحكومات الائتلافية أنها غير كفؤ وأنها فاسدة لإدارة تحديات تركيا. فالعديد من الأتراك يعتبرون بِحَقٍّ تلك الحقبة فرصة من الفرص الضائعة ويفضلون عدم تكرارها. كما أضافت موجة الهجمات الإرهابية من قبل المتمردين الأكراد الذين قتلوا العشرات بين صيف عام 2015 وأواخر عام 2016 إلحاحاً لرسالة أردوغان حول حكمة نظام رئاسي محض.

 

لقد سعى رئيس تركيا المهيمن أيضاً إلى مسح مجال المعارضين الحقيقي والمتصور، وتوجيه وتعميق السلطوية التركية. لقد تم تطهير البيروقراطية، وهي عملية بدأت حتى قبل الانقلاب الفاشل في تموز/ يوليو الماضي؛ تم تفكيك حركة غولن؛ تم إسكات الصحفيين من خلال السجن ومن خلال تهديدات أخرى تتعلق بكسب عيشهم؛ وتم تعقّب القائمين بحملة من أجل إجراء تصويت "لا". ومن أجل بناء دعم للتصويت "نعم"، لعب أردوغان على وتر المشاعر القومية والأزمات المصطنعة مع الحكومتين الهولندية والألمانية حول التجمعات المؤيدة لحزب العدالة والتنمية المخطط لها في بلدانهم.

وينبغي ألا يكون مفاجئاً أن أردوغان سحب جميع الالتزامات سعياً وراء التعديلات الدستورية. فهي تغيّرُ بعد كل شيء، تنظيم الدولة التركية بطرق أساسية، وهذه العملية تلغي الضوابط والتوازنات في النظام. هذه القيود على السلطة التنفيذية لم تكن قوية أبداً لتبدأ، وأردوغان بالفعل قد قوّضها في الممارسة العملية. ويسعى الآن إلى إضفاء الشرعية على هذا التغيير في المبادئ الدستورية. لماذا!؟

وإلى جانب حقيقة أن أمناء المكتب يرغبون في وضع ممارساتهم غير الديمقراطية في النظم القانونية حتى يتمكنوا من المطالبة "بالقانون"، يحتاج أردوغان إلى الغطاء القانوني لمتابعة جدول أعماله التحولي الأوسع نطاقاً. والطريقة الوحيدة التي يبدو أنه يمكنه أن يحقق ذلك هو جعل نفسه نوعاً ما أقرب إلى السلطان.

أردوغان استبدادي، كغيره من الاستبداديين الذين وجدوا في جميع أنحاء العالم. لكن استبداده مستوحى أيضاً من التاريخ العثماني، وهناك جوانب من حكمه من صدى تلك الحقبة. كما أن الرئيس التركي يقوم بالاعتماد على مجموعة أصغر وأصغر من المستشارين، بما في ذلك أفراد عائلته، "القصر الأبيض" -القصر الرئاسي في أنقرة مبني على الأرض التي كان يوماً يملكها أتاتورك – وهو يشبه، وليس مجرد في العظمة، قصور السلاطين العثمانيين. ومع ذلك، فإن جهوده لتأمين الرئاسة التنفيذية تذهب أعمق من ذلك بكثير.

 

أردوغان يريد هدم الجمهورية لأنه هو والشعب الذي يمثله عانوا على أيدي أولئك الذين قادوها ودافعوا عنها. سيكون من غير العملي والمستحيل إعادة إنشاء الهياكل الحاكمة للدولة العثمانية، ولكن في الخيال التركي الإسلامي، كان عصر العثمانيين ليس فقط تمجيد القوة والثقافة التركية، ولكن كان عصر التسامح والتقدم. بالنسبة للدوائر الأساسية لأردوغان، على وجه الخصوص، كانت حقبة حزب العدالة والتنمية حقبة ذهبية.

ويتمتع هؤلاء الأتراك المتدينون من الطبقة الوسطى بالحريات الشخصية والسياسية التي حرموا منها، كما تمتعوا أيضاً بحركة اقتصادية واجتماعية متنامية. ومن خلال منح الرئيس أردوغان الرئاسة التنفيذية، فإنه يتطلع إلى تحقيق إنجازات أكبر، وبطبيعة الحال، هناك الملايين من الأتراك الذين صوتوا "لا"، وهم يخشون من توطيد الاستبداد ويخشون الذين يعتبرون الدولة والأفكار الكمالية التي تمثلها على أنها مقدسة.

للجمهورية التركية تاريخٌ معقّدٌ لا يمكن إنكاره. بل هو إنجاز هائل. ففي غضون قرنٍ تقريباً، تحول مجتمع زراعي كبير دمرته الحرب إلى قوة مزدهرة تمارس نفوذاً في منطقتها وخارجها. وفي الوقت نفسه، كان تاريخ تركيا الحديث أيضاً غير ديمقراطي، وقمعياً، وأحياناً عنيفاً. ومن ثم فهو يقدّمُ الجوَّ السياسي المثالي لأردوغان للسعي إلى تغيير تركيا عن طريق تمكين الرئاسة، وبالتالي إغلاق إمكانية أن يكون الناس مثله ضحايا للجمهورية مرة واحدة وإلى الأبد.

في نهاية المطاف، أردوغان هو ببساطة يبدّل أحد أشكال الاستبداد بشكلٍ آخر. لقد كان القانون المتعلق بالمنظمة الأساسية والجمهورية التي أعقبت ذلك تعبيراً عن الحداثة. لقد كانت الجمهورية التركية دائماً متصدّعة، ولكنها تضمّنت دائماً التّطلعَ إلى أنه يمكنها أن تصبح ديمقراطية على خلفية المبادئ التي تدعي الدّساتير المتعاقبة الإخلاص لها. في الواقع، إن تركيا أردوغان الجديدة تغلق هذا الاحتمال.

------------------

الكاتب:

ستيفين أ كوك:

  • زميل أول في مركز دراسات الشرق الأوسط وأفريقيا في مجلس العلاقات الخارجية.

  • وهو أيضا مؤلف كتاب "النضال من أجل مصر

  • يساهم بانتظام في المجلات السياسة الخارجية مثل الشؤون الخارجية، السياسة الخارجية، الأطلسي، وجمهورية نيو. كما يدير مدونة حول السياسة والتاريخ في الشرق الأوسط. (من ويكيبيديا)

التعليقات

كاتب مأجور منحاز للامبريالية غير موضوعي

علِّق

المنشورات: 48
القراءات: 605256

مقالات المترجم