عدد القراءات: 1049

أربعون قاعدة ديمقراطية في أصول الفقه الإسلامي

 

يعتبر علم أصول الفقه قانون العقل ومنهج التفكير في الإسلام، ويعكس الصورة النمطية لهذا العلم الذي يشتهر بخدمة الفقهاء فإن الصورة الجوهرية لهذا العلم هي رسم ملامح اللقاء والتكامل بين العقل والنص، وبين الديني والاجتماعي في الحياة.

وقد تحدد علم أصول الفقه للإجابة على تساؤلين: كيف نفهم النص وكيف نجتهد في غياب النص.

 

وبخلاف القاعدة السائدة لا اجتهاد في مورد النص فإن هذا العلم يبحث في معظم فصوله باب الاجتهاد في مورد النص وأصول هذا الاجتهاد، ويقدم تجارب متتالية عن اجتهاد السلف في مورد النص، ومن أشهر هذا اللون من التطبيق تقييد المطلق في النص وتخصيص العام فيه، والقول بالمجاز والحقيقة والقول بالمتشابه فيه، فهذه كلها آليات للاجتهاد في مورد النص.

ونتحدث هنا عن القواعد الأصولية المشتهرة لدى الفقهاء، ونقصد بالقواعد تلك العناوين الرائزة في اجتهاد الفقهاء والتي كانوا يحتكمون إليها بوصفها مسلمات فقهية لا نقاش فيها، وأن الاستدلال لها من الكتاب والسنة أمر محسوم، ولا شائبة فيه.

وقد قمنا بتصنيف هذه القواعد في خمسة مجموعات:

  1. قواعد تدل على تغير الأحكام بتغير الأزمان، وبالتالي تكرس حق الأمة في تشريع أحكام جديدة تناسب واقع المجتمع.
    • لا ينكر تغير الأحكام بتغير الأزمان
    • الحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً
    • ما ثبت بعلة يزول بزوالها
    • إذا زال المانع عاد الممنوع
    • الضرورات تبيح المحظورات
    • الحاجة تنزل منزلة الضرورة

 

  1. قواعد تدعو إلى رفع الحرج على الناس والتشريع لرفع معاناتهم، واعتبار التيسير على الناس أصلاً في الشريعة، وبالتالي تؤكد ارتباط التشريع بمصلحة الجمهور.
    • الاستحسان ترك القياس والعمل بما هو أوفق للناس
    • المشقة تجلب التيسير
    • يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر
    • إذا ضاق الأمر اتسع
    • الضرر يزال
    • درء المفاسد أولى من جلب المصالح
    • الأصل في الأشياء الإباحة

 

  1. قواعد تدعو إلى الاستماع لرأي الأغلبية والتشريع وفق حاجات المجتمع، وتشريع الأحكام الجديدة بناء على حاجات المجتمع وخياره الديمقراطي.
    • حيثما كانت المصلحة فثم شرع الله
    • العادة محكمة
    • استعمال الناس حجة يجب العمل بها
    • الزم سواد الناس الأعظم
    • لا تجتمع الأمة على ضلالة
    • المعروف عرفاً كالمشروط شرطاً
    • التعيين بالعرف كالتعيين بالنص
    • العبرة للغالب لا للشائع النادر

 

  1. قواعد تدعو إلى النظر في المآلات والمقاصد ومصالح المجتمع ولو أدى ذلك إلى تجاوز ظاهر النص، وهي تشير إلى مبدأ تقديم العقل وتأويل النقل
    • الدليل إذا تطرق إليه الاحتمال سقط به الاستدلال
    • لا يلزم من صحة الدليل صحة المدلول
    • قد يثبت النص وليس عليه العمل
    • قد يصح السند ولا يصح المتن
    • العبرة في العقود للمقاصد والمعاني لا للألفاظ والمباني
    • الأمور بمقاصدها
    • التصرف على الرعية منوط بالمصلحة
    • شرط الواقف كنص الشارع
    • لا ضرر ولا ضرار
    • ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب

 

  1. قواعد تدعو إلى تقييد النص بظروف الزمان والمكان، ووقف الإطلاق في دلالات النصوص ومقاصدها ومعانيها.
    • إذا تعذرت الحقيقة يصار إلى المجاز
    • إذا تعذر إعمال الكلام يهمل
    • لا حجة مع الاحتمال
    • الصحيح إذا خالف ما هو أصح منه صار شاذاً
    • ما ثبت على خلاف القياس فغيره عليه لا يقاس

 

فهذه نحو أربعين قاعدة شرعية، تحظى باحترام الفقهاء جميعاً، ومنها ما يحظى باتفاقهم، ولا يخلو منها كتاب من كتب أصول الفقه، وقد اخترت أن أرويها لك دون تفاصيل، لوضوحها ووضوح مراميها ومعانيها، وكلها تؤكد حقيقة واحدة أن التشريع في الإسلام مرتبط بحاجات المجتمع وأن إمكانية التطوير والتعديل فيه محققة ومشروعة، وأن الوحي الكريم معني بمصالح الناس، وأنه قد يعرض له التخصيص أو التقييد أو النسخ وفي ذلك كله يمكننا التماس مصلحة الناس الراجحة التي تفرض تغير الأحكام بتغير الأزمان والظروف والأحوال.

ومدار معظم هذه القواعد على اختيار الناس ومصالحهم، وهذا مطلب ديمقراطي جوهري، ولا بد لتعين موقف الناس ومعرفة حاجاتهم ومصالحهم من استعمال الادوات الديمقراطية التي تكشف عن رأي الجمهور، وهذا هو جوهر العملية الديمقراطية في التشريع.

لقد كانت هذه القواعد الفقهية أشبه بدستور الاجتهاد، وكان فقهاؤنا في العهد الذهبي للتشريع الإسلامي يطبقون هذه القواعد الديمقراطية من غير نكير، وكان هذا التطبيق ربما يصرف نصوصاً عن ظاهرها، أو يفرض فيها التخصيص أو القيد، أو يصرفها إلى المجاز، أو ينشئ أحكاماً جديدة تناسب مصالح العباد.

ومن المؤسف القول إن رواية هذه القواعد أو إعمالها اليوم يواجه باستنكار التيارات السلفية التي تتوجه عادة للعمل بظاهر النص وترفض هذه القواعد الاصولية الفقهية الديمقراطية التي حققت تاريخياً تطوير الشريعة ومجد الفقه الإسلامي.

وبدلاً من الروح العلمية والفقهية العميقة التي سادت في التاريخ الإسلامي ووفرت نظماً تحكم بها دول متحضرة، فإن الخيار السلفي يعود بنا إلى لحظة  معصومة من التاريخ يمنع الاجتهاد عليها أو التغيير فيها، ويطالب بإطلاق الأحكام وفق ظاهر النص ولو عادت هذه الأحكام على مصالح الناس بالحرج والضرر نظراً لاختلاف الزمان والمكان.

 

وأجد من الواجب أن أشير هنا إلى بعض الإطلاقيات التي استخدمها مشايخنا اليوم لمنع الاجتهاد والتطوير في الشريعة مهما كان مطلباً احتماعياً ضرورياً، والاكتفاء بظاهر النص:

  • لا اجتهاد في مورد النص
  • قف على ما وقف عليه الأولون فإنهم عن علم وقفوا
  • وكل خير في اتباع من سلف وكل شر في ابتداع من خلف.
  • كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار

وتنسب هذه الأخيرة للرسول الكريم، وقد اختار السادة السلفية أن يكون هذا الحديث في صدر كل خطاباتهم ومواعظهم باعتباره نصاً إطلاقياً حاسماً في منع الاجتهاد والتزيد

ويستخدم الواعظون عادة هذه الصيغ الإطلاقية لمنع الناس من الاجتهاد في الرأي، باعتبار أن الأولين قد كفونا مؤونة الاجتهاد والنظر في المسائل، وأن الأمر مسألة اتباع وخضوع وليس مسألة اجتهاد ونظر، وأن علينا التسليم والخضوع ليس إلا.

أرجو أن تكون القواعد الأربعين التي أوردتها كافية لموادهة هذه الإطلاقيات الأربعة، ولندرك اننا نستطيع أن نبني مستقبلنا دون أن ننقلب على ماضينا، ونستطيع أن نصنع المستقبل دن أن نكفر بالماضي، ففي التاريخ كله حداثيون وتقليديون، وأصوليون ومعاصرون، ومجتهدون ومقلدون، وأهل نقل وأهل عقل، وقناعتي وثقتي أن الفترات التي ازدهرت فيها الحضارة الإسلامية هي الفترات التي ازدهرت فيها قدرتهم على التشريع والإلهام والاجتهاد.

علِّق