Your rating: لا يوجد (3 votes)
عدد القراءات: 763

آلية دعم الديمقراطية في العالم العربي

الكاتب الأصلي: 
Elliot Abrams
تاريخ النشر: 
24 كانون اﻷول (ديسمبر), 2016
اللغة الأصلية: 

 

عندما بدأ الربيع العربي ٢٠١١، انتعشت آمال داعمي الديمقراطية في الشرق الأوسط على نطاق واسع، آملين أن تنتقل المنطقة من الأوتوقراطية إلى الديمقراطية. وبالفعل، تم تحقيق بعض من تلك الآمال في تونس التي أرست قواعد فعلية في الانتخابات الحرة، وفي التداول السلمي للسلطة بين مختلف الأطراف السياسية. لكن حصل  النقيض لذلك، بفي العديد من البلدان العربية الأخرى التي تمارس القمع واﻻضطهاد بحق المعارضة والرأي السياسي.

ومع ذلك، يجب على الولايات المتحدة أن تدعم هؤلاء الذين يسعون للتغيير السلمي ويعملون من أجل انفتاح أكثر وأنظمة سياسية ديمقراطية. لقد أوحت الانتفاضات العربية 2011- 2012 ، بأن هناك رغبة عامة باتجاه التغيير الشامل، وقدمت الأنظمة السياسية الديمقراطية طرقاً ومسارات للتغيير السلمي، التي يمكنها أن تستوعب العديد من الآراء الاجتماعية والاقتصادية المتباينة من خلال عملية المصالحة والتسوية.

 

من ناحية أخرى، فإن الحكومات التي انفردت بالسلطة لوحدها بفضل قمعها الشديد ، ظلت بعيدة كل البعد عن الشرعية وعن الاستقرار الطبيعي، مثل الكثير مما يسمى بالجمهوريات في العالم، في حين لم تسقط أي دولة من الدول الملكية منذ بداية الربيع العربي، وعلى هذه الحكومات أيضاً أن تُشرك سكانها في الحكم، ويبدو أن الدول الملكية في كل من الأردن والمغرب اهتمت بذلك.

ومع مرور الوقت، تباين دعم الولايات المتحدة للديمقراطية وحقوق الإنسان، وغالبا ما فضلت الإدارات الأمريكية التعامل مع الاوتوقراطيات في مواجهة منتقديها ومعارضيها. وبالحال سيواجه الرئيس المنتخب ترامب هذه الخيارات، وتوحي خطبه التي ألقاها أثناء حملته اﻻنتخابية، أنه قد ينظر إلى أن دعم الديمقراطية ليس على سلّم اهتمامات الولايات المتحدة، وأنها غير قادرة على عرض هذا الخيار حين تواجه جماعات إرهابية مثل القاعدة والدولة الإسلامية، إلا أن التطرف الإسلامي عبارة عن فكرة ليس بالمستطاع هزيمتها من دون سلاح، ولا يمكن أن تهزم بالسلاح فقط. وتبقى الديمقراطية الفكرة الأفضل والسلاح الضروري والمناسب.

 

بناء الديمقراطية وسط اللاستقرار

فعلاً حققت بعض البلدان المسلمة مثل: بنجلاديش، أندونيسيا، ماليزيا، باكستان، السنغال وتركيا درجات مختلفة من الديمقراطية على مر الوقت، لكن يبقى المثال الإيجابي الوحيد في العالم العربي هو تونس. أما الدول مثل الأردن، الكويت والمغرب التي أجرت انتخابات برلمانية فقط، لكن لم ينزع ملوكها إلا القليل من سلطة القصور الملكية. ولننظر إلى ليبيا، فما يزال العنف يجتاحها، وحتى الآن لم يتم تأسيس دولة قوية هناك. وتتمادى الحرب الأهلية في سوريا المستمرة من سنوات، وكانت نتائجها الإنسانية مرعبة. وفي الجزائر، استمر الرئيس بوتفليقة المريض على نحو جلي في السلطة، بالرغم من أن الانتخابات التي جرت في 2014  والتي لم تكن نزيهة وحرة، وتبقى المؤسسة العسكرية هي السلطة  الفعلية فيها. وفي مصر تم إسقاط الرئيس المنتخب بانقلاب شعبي، وبقي الجيش مسيطراً، واتخذ الرئيس السيسي إجراءات صارمة وقمعية ضد النشاطات السياسية. وفي البحرين تحكم الملكية السنية البلاد بأساليب قمعية وأكثر من أي فترة سابقة ضد الأكثرية الشيعية.

ونظراً لهذا السجل وعلى خلفية التحديات الأمنية الجدية من التطرف الإسلامي، الذي يمكن أن يثير جدلاً حول دعم الديمقراطية العربية، التي من الممكن شطبها أو على الأقل التقليل من أهميتها في قائمة أهداف الولايات المتحدة في الشرق الاوسط. ويحاجج النقاد أن تعزيز الديمقراطية سيزعج الحكومات العربية الصديقة باعتبارها تنجز القليل لسكانها العرب أو للولايات المتحدة ما هو أكثر. ربما الانفتاح على مثل هذه السياسات قد ينتج عنها انتصارات انتخابية للإسلاميين أو مجموعات أخرى، التي تكن أشد العداء للولايات المتحدة والقيم الليبرالية التي تسعى الولايات المتحدة لتعزيزها.

في الواقع، فإن المحاولات والجهود الرامية لتعزيز الديمقراطية قد تنعكس آثارها سلباً، لكن يتوجب على الولايات المتحدة ألا تتخلى عن دعمها لتوسيع الحقوق السياسية وسيادة القانون في الشرق الأوسط العربي – بما في ذلك الحكومات الملكية. ويتوجب عليها العمل للحفاظ على سياسة التأقلم والتكيف، التي تأخذ بعين الاعتبار التاريخ المحلي والتقاليد، بالإضافة إلى الشرعية التي ما تزال تسود في العديد من حكومات الشرق الأوسط، بما في ذلك معظم  الدول الملكية.

 

في سلسلة من استطلاعات الرأي قام بها "الباروميتر العربي" الذي تأسس من قبل باحثين وعلماء من العالم العربي والولايات المتحدة، وجد أن ٨٠ % من المستطلعة أراؤهم يدعمون هذا اﻻقتراح : "قد يعاني النظام الديمقراطي من مشكلات، لكنه يبقى حتى اﻵن النظام السياسي اﻷفضل." لذلك فإن دعم الولايات المتحدة للأنظمة القمعية وغير الشرعية تخاطر بابتعاد السكان العرب عنها، الذين قد ينظرون إلى الولايات المتحدة بكونها غير مبالية أو عدوانية تجاه رغباتهم في حكومات أقل فساداً وقمعاً. وعلاوة على ذلك، وعادة ما يكون الديمقراطيون العرب موالين للغرب وحلفاء موثوقين للولايات المتحدة، عندما يدخلون الحقل السياسي. ودائما لدى واشنطن صعوبة في تحمل العلاقات الودية مع اﻷنظمة القمعية: حيث تصاعدت اﻻعتراضات من الكونغرس ومن أصوات مؤثرة في المجتمع اﻷمريكي، وأضحت أعلى كلما غدت اﻻجراءات القمعية أشد. وتحديدا تجاه هذه اﻷنظمة غير المستقرة أصلاً. كذلك فإن انهيار أنظمة عربية في كل من مصر، تونس واليمن، والحكومات التي تعوزها الشرعية ليس لديها رهانات فعلية. لذا فإن الدعم المتواصل لها ﻻ يعتبر سياسة واقعية.

لهذا يجب أن تعكس السياسة اﻷمريكية المبادئ السياسية الخاصة للولايات المتحدة: وللعلم، فإن الهدف ليس مجرد ديمقراطية بالمعنى الضيق للفوز باﻻنتخابات. وبدلاً من هذا فقد أسس دستور الولايات المتحدة نظاماً للقيود المؤسساتية، وعلى السلطة الحكومية أن تضمن حقوق اﻷقلية وسيادة القانون. وأيضا غالباً ما ركزت الولايات المتحدة على الضغط من أجل اﻻنتخابات من دون إعطاء وزن مساو للترتيبات المؤسساتية والقانونية التي تحمي الحقوق السياسية، خصوصاً للأقليات والجماعات السياسية التي توجد خارج السلطة. وهذا اﻷمر ليس كي نجادل ضد مركزية اﻻنتخابات، التي تعتبر الطريقة الديمقراطية الوحيدة لاختيار من هو الذي سيحكم، لكن أن تفترض أن دعم الولايات المتحدة للديمقراطية يجب أن يشدد على العناصر غير اﻻنتخابية للديمقراطية في كثير من اﻷحيان، أكثر مما عليه واقع الحال.

إذا ما نظرنا إلى دور القانون والعدل في تاريخ الإسلام والمعتقدات، على سبيل المثال، هناك محاولات وجهود كبيرة في المساعدة على كتابة الدساتير والمعايير القانونية، وحماية اﻷطراف التي تخسر اﻻنتخابات، والمحافظة على أنظمة قضائية مستقلة قد تكون أكثر فائدة من مراقبة اﻻنتخابات في حالات كثيرة.

 

توصيات

في معظم البلدان العربية، ستستمر الحرية السياسية كونها هدفا بعيد المنال، حيث لا الولايات المتحدة ولا أي قوة خارجية أخرى تستطيع أن تطلقها، وغالبا ما يكون الممثلون الديمقراطيون في حالة من الضعف الشديد. وهم الذين يسعون من أجل الحرية السياسية وسيادة القانون، ومن أجل حكومة أكثر تأثيرا وانفتاحا، وحتى التأسيس لمشاركة فعلية بين الحاكم والمحكوم، التي يتوجب تشجيعها أكثر فأكثر. وبالفعل يوجد مثل هؤلاء الممثلين الديمقراطيين في مصر وفي الدول الملكية.

لذلك فإن دعم اﻻنفتاح السياسي والحرية والقانون هي معادلة أفضل -ولحد بعيد- من دعم اﻷنظمة القمعية. وسيكون هناك لحظات في الشرق الأوسط كما في كل مكان، عندما تتباعد المصالح والمبادئ اﻷمريكية وخصوصا بسبب التهديدات اﻷمنية، لكن ليس من مصلحة الولايات المتحدة النظر إلى الحياة السياسية في الدول العربية  على أنها معدومة ومتصحره.

تقديم دعم سياسي على مستو عال. وتشديد الضغط السياسي والدعم الشعبي لليبرالية السياسية - وانتقاد الإجراءات القمعية -  من خلال الرئيس ووزير الخارجية وهما اﻷكثر أهمية من الدعاية، ويجب أن تكون سمة محورية لتعزيز الديمقراطية في الولايات المتحدة. وتنفق الحكومة اﻷمريكية مئات ملايين الدولارات في كل عام عبر الصندوق الوطني من أجل الديمقراطية ووكالة الولايات المتحدة للتنمية الدولية، التي تدعم المنظمات غير الحكومية الصغيرة والتي تعمل على تعزيز العديد من القضايا التي تشتمل على: حرية التعبير والمعتقد واﻻجتماع واﻻنتخابات الحرة وحقوق المرأة.

وفي البلدان التي لا تسمح باﻷحزاب السياسية، لا بد من الحفاظ على مثل هذه البرامج ليبقى اﻷمل حياً مستقبلاً، ومن اﻷهمية بمكان تعليم المهارات للنشطاء الديمقراطيين، وهي إشارة هامة على استمرارية الدعم اﻷمريكي، والسماح بحياة سياسية ما تحت ظروف قمعية. وبالتالي المحافظة على الروح المعنوية للرجال والنساء في نضالهم من أجل القيم السياسية التي تقف عليها الولايات المتحدة، وهي إنجازات ليست بالقليلة وفق مختلف المعايير، وهناك عشرات الحالات من الأفراد الذين كانوا معارضين وانتقلوا مرة واحدة إلى مواقع سياسية هامة، بعد سقوط الديكتاتوريات، مثال على ذلك راشد الغنوشي من حزب إسلامي رئيسي،  أمضى سنوات في السجن وفي الخارج، تماماً مثل فاسلاف هافيل وليش فاليسا كانا  "عدوا الدولة " قبل أن يصبح كل منهما رئيسا دولة في جمهورية التشيك وبولونيا على التوالي.

 

إلا أن الكثير يمكن إنجازه من خلال هذه البرامج، والتي بالغالب تعتمد على إذا ما كانت المستويات العليا في هذه الأنظمة قد قررت أن تجري انفتاحاً سياسياً، ويمكن أن يتم تفعيل هذه القرارات بالضغط الموجه من أعلى المستويات في الولايات المتحدة. على سبيل المثال الرئيس المصري السابق حسني مبارك: كان هناك انخفاض في القمع تجاه المعارضين وانفتاح سياسي جزئي من 2003 إلى 2005، عندما سلط مسؤولون بارزون في إدارة الرئيس بوش ضغطاً عاماً وخاصاً. وعندما تراجع ذلك الضغط من 2006 الى  2008 عاد القمع، وكذلك أيضاً حصل الشيء نفسه في حقل الانفتاح السياسي. ولم تتوسع أو تتقلص مسألة نشر الديمقراطية الأمريكية بشكل كبير، والذي تغير كان فهم الأنظمة لردود فعلها على مطالب الولايات المتحدة الأمريكية..

- التشديد على بناء حزب سياسي: يجب على الولايات المتحدة أن تعترف أن الأحزاب السياسية، وليس المنظمات غير الحكومية، هي  وحدات البناء الأساسية للسياسات الديمقراطية. وقد يكون المجتمع المدني الفضاء الوحيد للحياة السياسية الأولية في المجتمعات الأكثر قمعاً، لكن حتى إذا  قادت المنظمات غير الحكومية المحاولات في مقارعة الطغيان،  فإنها لا تستطيع أن تحكم. مع استثناءات قليلة، حيث يعوزها التنظيم والثقافة الوطنية، وتحتاج ﻻستراتيجيات لقيادة الدولة.

 

- منظمات الترويج للديمقراطية الغربية: بما في ذلك تلك التي تمولها الحكومة الأمريكية، وغالبا ما تكون مستعدة لمساعدة الأحزاب السياسية أو الحركات؛ ويخافون من إثارة الحكومات أو البروز الحزبي. وفي بعض الحالات، رفضت الجماعات السياسية المحلية المساعدة من الولايات المتحدة، التي تبدو أكثر فعالية اليوم وتقدمها من خلال المعهد الوطني الديمقراطي شبه الحكومي والمعهد الجمهوري الدولي. ويظل القادة المحليون أفضل من يقرر فيما يتعلق بالمساعدة التي تأتي من الولايات المتحدة، حيث ستجعل ثمنها باهظا جدا. لكن حتى في هذه الحالات، يمكن للتدريب أن يكون ممرا للجماعات الأوروبية أو مجموعات أخرى.

 

- أهداف مرنة: تتطلب الواقعية أن تتأقلم الولايات المتحدة مع جهودها نحو كل حالة وطنية، بدلاً من الوصول إلى أهداف طوباوية. ولعل الضغط من أجل الديمقراطية الحقيقية سيكون معقولاً في بعض الحالات، وفي حالات أخرى، ستتحدد السياسة الواقعية للدفع باتجاه التأكيد على الحكم العادل واحترام حقوق الإنسان الأساسية. لا وجود لأمة عربية حيث الدعوات الأمريكية تقتصر على تطبيق القوانين الوطنية الموجودة فقط، والتي ستكون مستحيلة، ولا يمكن اعتبار هذا تدخلا خارجياً تحت أي حجة.

 

وتتطلب الواقعية فهما لدور الشرعية في توطيد الأنظمة. حتى الأنظمة الملكية العربية تعتمد على الشرعية، التي تستقيها من بعض الشراكة بين الحاكم والمحكوم. ويوجد هناك العديد من الوسائل والطرق التي يمكن للولايات المتحدة التعاطي مع المسائل الشرعية من خلالها، اعتباراً من تقوية  دور الأعضاء المنتخبين، إذا كانوا لا يمتلكون القوة الكافية، ودور البرلمانات في العديد من الدول للحد من الفساد، وتخفيض نسبة الفقر، والاعتماد على القانون بدلاً من الوساطات (العلاقات – النفوذ) لتكون المنظم لعلاقات المواطنين مع حكوماتهم، وحتى في البلدان التي لا يوجد فيها أحزاب سياسية، بل يوجد فيها حياة سياسية ضعيفة، تستطيع الولايات المتحدة أن توطد علاقاتها بين الحاكم والمحكوم التي تعتبر أكثر عدالة – وقد تفتح الطريق باتجاه ديمقراطية مستقرة.

علِّق

المنشورات: 105
القراءات: 860190

مقالات المترجم