No votes yet
عدد القراءات: 5873

آلية جديدة لتعلم اللغة العربية

الكاتب الأصلي: 
Hossam Abouzahr
تاريخ النشر: 
29 كانون الثاني (يناير), 2017
اللغة الأصلية: 

 

لم أكن أتصور يوماً أن تأخذ حياتي منحى تطوير أدوات وأساليب لتعلّم اللغة العربية ووضع أول قاموس متعدد اللهجات فيها. وكوني أمريكياً من أصل لبناني ــــ والدي لبناني الجنسية ووالدتي أمريكية بيضاء، نشأت في ميشيغن وكرهت العربية كلما كنت أكبُر. أرسلني والداي مع أشقائي إلى مدرسة إسلامية خاصة حيث كان علينا حضور دروس في اللغة العربية والقرآن والدراسات الإسلامية، وبعد ثماني سنوات قضيتها في المدرسة، سَرَني جداً أن لا تقع عيني على كتاب بالعربية مرة أخرى أبداً.

وفي الوقت الذي أنهيت فيه دراستي الثانوية والجامعية والخدمة في منظمة بيس كوربس - وهي منظمة تدعمها الحكومة الأمريكية لإرسال المتطوعين الشباب للعمل في البلدان النامية- كنت قد نسيت كل كلمة عربية تعلمتها في حياتي. مع ذلك، هنا جاءت المفاجأة وبشكل غير معقول، إذ أنني وفي العام الذي سبق دخولي الجامعة كنت قد عقدت العزم على أن أتعلم العربية. قبل دخول المرحلة الابتدائية، كانت العربية لغة مَرِحة ومسلية، وحقيقةَ، أثناء عملي في المنظمة المذكورة، كان لي تجربة ممتعة ومماثلة في تعلم الشانجان وهي لغة البانتو. وقادتني تلك الرغبة في إعادة اكتشاف المتعة في تعلم اللغات لتعلّم العربية، أضف إليها اهتماماً متزايداً بالعلاقات الدولية.

أثناء طفولتي، كانت النافذة التي أُطلُ منها على العربية بسيطة، وهي عبارة عن أغانٍ مع جَدّي واللعب مع أقاربي والتسالي كلعبة "البرجيس". في المدرسة، بدا الأمرُ مُربكاً حيث كانت دروس العربية بـالفصحى ـــ وهي العربية الحديثة ـــ كان المعلمون يتحدثون لهجات مختلفة، أما الكتب المدرسية فكانت مُوجهة للطلاب الناطقين بالعربية والذين يعيشون في الدول العربية. أبليت بلاءً حسناً في دروسي عَبر حفظ جميع المواد، ولكنني لم أستطع الحفاظ على هذه المكاسب أبداً وبذلك أصبحت العربية أكثر مادة أكرهها.

وأثبتت الطريقة الذاتية والتي انتهجتها في التعلم نجاحاً مذهلاً. بفضل هذا تمكنت من إجراء اختبارات في دروس السنة الرابعة في قسم اللغة العربية في جامعة ميشيغن، وجعلت معظم دراستي الجامعية تنصب على تعلم العربية. وبعد إتمامي درجة الماجستير وإكمالي عاماً في مصر من خلال مركز الدراسات العربية في الخارج، تابعت دراسة العربية بمفردي وأردتُ أن أشارك استراتيجياتي لتعلّم هذه اللغة مع الجميع، رغم أني لم أعرف كيف السبيل إلى ذلك.

 

العربية لغة معقدة لأنها تتسم بما يسميه فقهاء اللغة بـ ازدواج اللسان، ويعني أنها تشمل الفصحى واللهجات الأخرى. ويلعب هذان الأسلوبان أدواراً مختلفة إذ يُستَخدَمُ أحدهما في المواضع الرسمية مثل الكتابة والإعلام ، بينما يُستخدمُ الآخر في الحياة اليومية والثقافة الشعبية.

ويتطلب تعلم العربية ميزتين لطالما كانتا طي النسيان إلى حد كبير عندما يتعلق الأمر بتدريسها: تحتاج العملية التربوية لأن تربط العربية الفصحى باللهجات المتعددة، وأما عملية التعلم فتحتاج لأن تكون مَرِحة من دون التخبط في القواعد وفقه اللغة. إن الطلاب الذين يحبون العربية إنما يفعلون ذلك بسبب الثقافة التي تمثلها، غير أن التركيز على الفصحى إلى حد استبعاد اللهجات يجعل من الثقافة أمراً صعبَ المنال ويُميتُ اللغة بحد ذاتها.

إن تفكك اللغة هو الأمر الذي يتعلمه الناطقون بها بينما يكبرون، من خلال الجمع بين التعليم والتنشئة الاجتماعية. ولأني ترعرعت في الولايات المتحدة، لم أتعلم أبداً تحقيق التوازن بين الاثنين، ولم تتطور لهجتي اللبنانية المحكية لترقى لمستوى أحد الناطقين بها، أو لتُجاري الأطفال الآخرين من أبوين عربيين في ميشيغن. لم يشرح أحد لي التشعب والانقسام بين لهجات اللغة العربية وتلك الفصحى. وإذا ما سألت كيف يمكن أن أقول كلمة بالعربية، لسوف ألقى أجوبة إما باللهجة العامية أو الفصحى، من دون معرفة الفرق بينهما. وسألت ذات مرة عن معنى كلمة " will " بالعربية فأجابني أحدهم قائلاً: sawfa أو سوف وهي كلمة عربية فُصحى. وبناء على ذلك، قلت ذات مرة لأولاد عمي "sawfa aruh" أو سوف أروح، في مزج لطيف بين الفصحى والعامية، مما جعل أولاد عمي يضحكون بشكل هستيري.

وحرصاً مني على مساعدة الآخرين لمواجهة المشكلة نفسها، قررت أن أجعل من قائمة كلماتي -والتي كانت قد بلغت ما يزيد عن 15 ألف كلمة مع أمثلة عنها، جمعتها خلال مسيرتي الدراسية- موقعاً إلكترونياً يمكن للجميع تصفحه والاستفادة منه. ولمساعدة الطلاب على التفريق بين الفصحى والعامية، فإننا بحاجة إلى قواميس متعددة في قاعدة البيانات، واحد للفصحى وآخر لكل لهجة، ومن ثم يتم ربط هذه القواميس مع بعضها. وإن الأصل في تحقيق ذلك هو ما قاله لي ذات مرة  الدكتور وليد سامي، بروفيسور اللغة العربية في جامعة ميشيغن:" انظر إلى الفصحى وكأنها الشمس وتدور حولها اللهجات".

أردتُ أيضاً إظهار أن العربية مَرِحة، وكلما كنت أكبُر، كان التركيز على الفصحى فَصلَ العربية عن الألعاب المُسلية والأغاني وسياق العائلة في طفولتي المبكرة، وعندما قررت تعلم العربية بنفسي قبل الدراسة العُليا عام 2008، استحضر الدرس الأول الكثير من الذكريات الأليمة من الدروس السابقة، أغلقت الكتاب واعتبرت أن المال الذي أنفقته على الكتب كان خسارة، إلا أنه وبعد أسبوعين، حاولت مرة ثانية وكلما كنت أدرس أكثر تذكرت اللغة أكثر. على أية حال لم يكن الشيء الذي عاد إلى ذاكرتي هو ما تعلمته في المدرسة الإسلامية، بل كان الأغاني والألعاب والعربية المرحة التي تعلمتها وأنا أكبر.

 

عام 2013، أطلقت مشروع اللغة العربية الحية، وهو عبارة عن قاموس إلكتروني على شبكة الإنترنت يعتمد على قوائم الكلمات التي أعدَدتها، ومنذ ذلك الحين والقاموس يتوسع ليشمل قاموساً خاصاً بالفصحى ويحتوي على 9000 كلمة رئيسية، بالإضافة إلى قاموس للهجة المصرية ويحتوي على حوالي 24 ألف كلمة، ناهيك عن قاموس  للّهجة الشامية ويحتوي على 10 آلاف كلمة. وبهدف المُضي في تطوير قاعدة البيانات، قمت بترجمة النصوص وكتابة الأفلام والأغاني فضلاً عن جمع قصص وأناشيد الأطفال، وأدرجتُ ما استطعت من الثقافة.

الموقع الذي أطلقته كما أسلفت هو مجاني ويمكن للجميع استخدامه، ولكن بغية متابعة تطوير قاعدة البيانات يحتاج المشروع دعماً من أولئك المتحمسين للغة العربية وتطورها. إن ما تم إنجازه حتى الآن هو عملية شاقة بدأت في 2008 وتنامت على مر السنين، وهي عاطفة أبدية لكنها قَيمة نظراً لأنه يمكن أن تغير الطريقة التي ننظر بها إلى اللغة، وتربط الطلاب بالثقافة العربية. ولمساعدة مشروعنا يرجى زيارة صفحة kickStarter .

لقد أدى نمو السكان من الأمريكيين العرب والاهتمام العام المتزايد في الدول العربية بالإضافة إلى التغيرات في التكنولوجيا، إلى خلق وسائل تعليمية جديدة لتعلم اللغة العربية مثل سلسلة  كتاب للكتب المدرسية والتي تحاول بناء الجسور بين الفصحى واللهجات العامية، على أية حال لا يزال لدينا الوسائل التي تُمكننا من فهم أفضل السبل لتعليم العربية. إن هذه الوسائل الجديدة من أمثال مشروع اللغة العربية الحية لم تكتشف سوى جزء سطحي بسيط من دور التكنولوجيا في اللغة العربية. وإذا ما كان طلاب العربية يستطيعون تغيير النهج المُتَبَع في اللغة، فإنه يمكنهم أن يجعلوا هذه اللغة بكل تعقيداتها طريقة مَرِحة لاستكشاف ثقافات العالم العربي.

 

------------------------

لمحة عن الكاتب:

حسام أبو زهر: أمريكي من أصل لبناني، نشأ في ولاية ميشيغن، وهو مؤسس ومبتكر مشروع اللغة العربية http://www.arabamerica.com/tool-change-learn-arabic/الحية. تخرج من جامعة ميشيغن عام 2010 وحصل على شهادة الماجستير في السياسة العامة ودراسات الشرق الأوسط، ويعمل اليوم محرر اللغتين العربية والإنكليزية في المجلس الأطلنطي. أو Atlantic Council

 

علِّق

المنشورات: 111
القراءات: 722527

مقالات المترجم