No votes yet
عدد القراءات: 4202

آثار العنف... لنفس تعاني بشكل رهيب

الكاتب الأصلي: 
Astrid Viciano
تاريخ النشر: 
31 آيار (مايو), 2017
اللغة الأصلية: 

الصورة: نصف اللاجئين حين وصلوهم إلى ألمانيا كانوا يعانون من المرض النفسي. من حسن حظ سميرة عزيز أنها تلقت مساعدة من امرأة مختصة فور وصولها.

 

العنوان الأصلي:

آثار العنف….النفس تعاني بشكل رهيب

 

حتى لو انهزم البحر وتم الوصول إلى ألمانيا، يعاني العديد من اللاجئين من صدمة شديدة، قصة سميرة عزيز التي ليس لديها خيار آخر إلا مواصلة العيش.

 

تنطلق سميرة عزيز* من المطار إلى المستشفى، لا تزال تحمل في يديها فستان زفافها، لقد وصلت للتو من باريس، رأسها مليء بخطط حفل الزفاف المنتظر وبالمستقبل المشترك مع عريسها، يريدان الانتقال قريبا من وطنهما غير المستقر سياسياً إلى دبي .. هو مهندس موهوب وهي سيدة أعمال ناجحة، فجأة في ذلك اليوم .. العروس سميرة  بدون العريس.

يستلقي خطيبها المصاب بجروح خطيرة في المستشفى، بعد أن أطلق شرطي النار عليه، لا يستطيع الأطباء فعل الكثير من أجله، لا وقت لدى سميرة عزيز للحزن؛ عليها مغادرة البلاد، فقد أدرجت الجماعة السياسية التي تنتمي إليها عائلتها على قوائم الإرهاب.  

تهرب مع الأقارب إلى السودان، ولتحصل على حماية اللجوء في هذا البلد الأجنبي، ينبغي عليها أن تتزوج من رجل مسن.. لا تبدي سميرة أي مقاومة.. فقد فقدت الفتاة البالغة الثانية والثلاثين من العمر طعم الحياة بعد فقدها لخطيبها. ولكن يقوم أصدقاؤها بترتيب أوراق مزورة لها، يحملها أحد المهربين إلى ألمانيا.

تُظهر قصة سميرة مدى حاجة اللاجئين للعلاج النفسي للبقاء على قيد الحياة.

تصل سميرة عزيز في مارس/آذار 2014 إلى ميونيخ، تحولت من سيدة أعمال إلى لاجئة مفلسة، بدون جواز سفر، بدون أمل في العودة في أي وقت من الأوقات إلى الوطن الذي يجب أن يبقى هنا قيد الكتمان. في نهاية المطاف تجلس سميرة عزيز كالذاهلة من الخوف في عيادة ستيفاني هينوم للعلاج النفسي.. تجلس الفتاة شديدة النحف منحنية قبالة الطبيبة وتلقي نظرها في الفراغ، تبدو كامرأة طاعنة في السن.

"إنها ليست حقا هنا" تتحدث هينوم عن أول لقاء لها مع المريضة الذي جرى في أغسطس /آب عام 2015. وتضيف الطبيبة بأن صوتها كان ضعيفاً وحاداً للغاية .

 

العديد من اللاجئين يشعر بأنه لم يبقَ إلا القليل من ثقافة الترحيب

لقد عانت روح المرأة الشابة بشكل فظيع كغيرها من الكثير من الناس الذين وصلوا ألمانيا في السنوات الأخيرة. في استطلاع على 639 من اللاجئات وجرى في خمس ولايات، ذكر النصف تقريبا بأنهن واجهن الموت في بلدانهن أو في بلدان اللجوء. لقد فعلت الحرب، الإرهاب، والتعذيب فعلها بالنساء، ويعتبر ما لا يقل عن نصف اللاجئين مرضى نفسيين. معظمهم يعانون من اضطراب ما بعد الصدمة مع ذكريات تفرض مرارا وتكرارا حول معايشاتهم السابقة، واضطرابات النوم ونوبات الغضب. أكثر من واحدة من عشر نساء في الدراسة قد فكرن بالانتحار .

وحاليا يشعر الكثير من اللاجئين بأن ثقافة الترحيب التي انطلقت في خريف عام 2015 قد تقلصت بشكل كبير. لقد تعود الناس على سماع أخبار غرق اللاجئين، إن اللامبالاة المتبلدة هي التي تسود .

إن اللاجئين الأفغان على وجه الخصوص يدركون اليوم بأنه من النادر في هذه الأوقات أن يتم قبول طلبات لجوئهم. يجب أن يتوقعوا أن يتم ترحيلهم .

"لقد تفاقمت المشاكل النفسية"، كما تقول الأخصائية والمعالجة النفسية من ميونخ بيرجيت غاس، والتي تنظم منذ عدة أشهر أمسيات تعريفية لمساعدة اللاجئين .

كالراقص على الحبل الذي يتوجب عليه فجأة حمل أثقل الأوزان.. هكذا يترنح اللاجئون نتيجة التطورات الجديدة في ألمانيا.

ولكن أقل من واحدة من كل عشر نساء تتاح لها فرصة للتحدث مع طبيب أو معالج نفساني وفقا لدراسة قامت بها جامعة شاريتيه الطبية، وفقط جزء صغير من اللاجئين يتلقى العلاج.

"لم يتم توفير الرعاية النفسية للاجئين بشكل كاف في ألمانيا"، تقول ميريام شاولر كفارك، رئيسة قسم ثقافات الطب والعلاج النفسي.

 

"هناك الكثير من الأشياء التي لا أستطيع القيام بها"

من أجل تغيير هذا الوضع، بدأت منظمة أطباء العالم في أكتوبر/تشرين الثاني من عام 2016 في ميونيخ تقديم الاستشارات النفسية في مختلف الملاجئ الجماعية.

 تتحدث ستيفاني هينوم مرتين في الأسبوع لأربعة لاجئين في أكبر تقدير في كل جلسة عمل، ويجب أن تتخصص مدة نصف ساعة لكل مريض، وفي كثير من الأحيان تحتاج المعالجة لمزيد من الوقت. "هناك الكثير من الأشياء التي لا أستطيع القيام بها" كما تقول الطبيبة النفسية، التي تملك عينين زرقاوين متيقظتين وشعراً أشقر قصيراً جدا، وكانت ترتدي سترة رمادية من الصوف، توجد على الطاولة زجاجة من المياه وعلبة مناديل ورقية مزينة بقلوب حمراء.

في غرفة المعاينة يأتي هذا المساء رجل صغير متواضع ريان الوجه، في بادىء الأمر يبتسم بودية، ولكن بعد ذلك يبدأ بسرد معاناته: حيث كان يعمل في حرس الرئيس الأفغاني. قبل وقت قصير من هروبه اعتقل من قبل طالبان التي أرادت منه أن يزرع قنابل في سيارات حكومية.

شُخصت حالته من قبل هينوم على أنها مجرد اكتئاب متوسط، وبعد التعامل معه لبضعة أسابيع حاولت مع زملائها لتذليل عقبات تأمين الرعاية الصحية الألمانية التي تواجه اللاجئين عادة .

يواجه اللاجئون حقيقة أن المريض يجب أن يتابع بنفسه الإجراءات التي تسبق تلقي العلاج، في المقام الأول يتعلق الأمر بالتكاليف، وكذلك التقييمات، والشهادات والتطبيقات. فلا يتمتع اللاجئون بالرعاية الطبية إلا في حالات الطوارئ الحادة في الأشهر الـ 15 الأولى لهم في ألمانيا. وهناك قواعد خاصة تنطبق على الحصول على العلاج النفسي. تقول عالمة النفس بيرجيت غاس "هناك تسع خطوات بيروقراطية يجب اتباعها في هذا الطريق". غالبا ما يجعل هذا الوضع الأخصائيين الاجتماعيين في الملاجئ الجماعية يائسين لأنهم يعرفون أن العديد من المرضى النفسيين لا يتاح لهم تلقي العلاج .

 

حين تتداعى "الأنا" لأحد الأشخاص بشكل مؤقت

حتى المرضى من الألمان يتوجب عليهم في كثير من الأحيان الانتظار لعدة أشهر للحصول على العلاج، وهذا يبدو أسوأ بالنسبة للاجئين لأن بعض المعالجين يتملصون من الجهد الإضافي، حيث غالبا ما يتطلب علاج اللاجئ إلى وجود مترجم، ذلك الذي لا تدخل تكاليفه ضمن التأمين الصحي. "هذه مشكلة كبيرة"، كما تقول بيرجيت غاس التي استطاعت أن تجد بنفسها جمعية تابعة للكنيسة تتكفل بدفع أجرة المترجمين الفوريين للمريض .

لم تحتجْ سميرة عزيز إلى مترجم، حيث أنها تتحدث الإنجليزية، وكانت قد تعلمت في ذلك الوقت الألمانية بشكل جيد. وقد تمكنت من الحصول على مكان للعلاج في الملجأ، الذي تقدمه إحدى المنظمات في ميونيخ، حتى ستيفاني هينوم تعمل هناك. يمكن قبول المرضى الجدد فقط مرتين في السنة من قبل الملجأ، حيث أن المنظمة مكتظة تماما.

تحاول ستيفاني هينوم أولا تقييم مدى وقوة الصدمة التي تعرض لها المريض. من الممكن أن يكون هذا المريض قد نجا من الموت بأعجوبة، أو تعرض للصدمة بعد وقوع كارثة طبيعية أو اعتداء. أم أنه تعرض لسوء المعاملة، السجن أو التعذيب لفترة طويلة. أصعب التجارب وأكثرها تأثيراً تلك التي تنتج عن صدمات نتيجة أفعال وقعت من الآخرين بشكل متعمد.. مثلما حدث مع سميرة عزيز.

حين جلست سميرة أمام الطبيبة هينوم للمرة الأولى، كانت الدوائر السوداء تحت عينيها، وخدّاها غائران، كان الأمر متروكا للطبيبة لتولي مهمة التواصل مع هذه المخلوقة الخائفة. أكثر من مرة كانت المريضة غائبة تماما، منفصمة عن الواقع.. وتطلق هذه التسمية في الطب النفسي عندما ينكسر "الأنا" لشخص ما على الأقل بشكل مؤقت. "في السابق لم أكن أستطيع تحمل الألم"، تتذكر سميرة عزيز، ويتغير صوتها ويبدأ بالتهدج حين تتحدث عن مشاعرها.

 

"كان من الممكن أن تموت جوعا"

في ذلك الوقت، كانت روح الفتاة معذبة بشكل كامل، وغارت بطنها بشكل كبير، دون أن تلاحظ ذلك. في مخيم اللاجئين العادي، لم تتوفر النجاة لروح الفتاة كما تقول هينوم: "كان من الممكن أن تموت جوعا" الكثير من معايشاتها في وطنها دمرت كينونتها بالكامل.. إن هذا يشبه إلقاء قارورة بقوة على أرضية صخرية.

إن مدى نجاح معالجة شخص ما أصيب بصدمة من تجارب سابقة يعتمد بشكل كبير على حياته بعد هذه التجارب المروعة.

يجب أن تراعى الظروف التي ينبغي أن تتوفر للاجئين بعد وصولهم، ويوفر لهم الدعم والنظر إلى الآفاق المستقبلية، هذا كله يساهم في العلاج مع مراعاة صعوبة المرض النفسي لكل حالة.

في المحادثة العلاجية كانت لا تزال سميرة عزيز ترتدي سترتها، وتضع حقيبتها في حضنها، مثبتة نظرها على الباب. من الممكن أنها تفكر بالهرب فورا إذا شعرت بالخطر

في بادئ الأمر تتحدث ستيفاني هينوم عن العموميات، الطقس، الحياة اليومية، ما الذي تناولته اليوم من طعام .. إلى أن تشعر المريضة بالأمان. تقول هينوم "إن هذا أمر مهم للغاية بالنسبة لللاجئين". لا ينبغي أن يشعروا بالخوف في وطنهم الجديد ضد أي اعتداء.

لكن استطلاع جامعة شاريتيه قد أظهر عكس ذلك. في أبريل قال ديتريش مونز، رئيس غرفة الأطباء النفسانيين  بمناسبة نتائج الدراسة: "للأسف إن الواقع المخيف يكشف بأن النساء والأطفال لا يشعرون في كثير من الأحيان بالأمان بشكل جيد في مراكز إيواء اللاجئين"  

على سبيل المثال، حين وصلت يارا حبيب * إلى ألمانيا في سبتمبر/أيلول من عام 2015 كانت في غاية السعادة، فتاة ذات عينين واسعتين، ترتدي الحجاب.. كانت تضحك كثيرا، في وقت لاحق حيث كانت في جلسة العلاج النفسي كانت توشك على البكاء.

لقد عبرت ليلاً مع طفليها الممرات الجبلية الخطرة في إيران في طريق لجوئها الذي استمر شهراً و 25 يوماً. تقول: "لقد كنت أشعر بخوف لا حدود له".

ولكن حتى في المركز الأول لإيواء اللاجئين في ألمانيا كانت تشعر بالقلق على طفليها اللذين كانا يعانيان من نقص التغذية.. نعم! في ألمانيا وفي عام 2017 يقدم غالبا في هذه المراكز طعاماً غير صالح للأكل.

لذلك قامت يارا حبيب مع نساء أخريات بتخبئة صفيحة غاز للطهي في المرحاض لطهي الطعام سرا في وقت  متأخر من الليل.

 

"عدم القيام بشيء في اللحظات الحرجة يفاقم المشاكل النفسية"

في الآونة الأخيرة، تعيش يارا في سكن مع مطبخ، ولكن هناك سبع أسر أخرى تعيش في العمارة إلى جانب 250 رجلا عازبا. أولئك الذين كانوا في كثير من الأحيان في حالة سكر، ويصدرون الضجيج.

تقول يارا حبيب: إنها منذ مدة قصيرة تعرضت للضرب من أحدهم، لقد ركلها في الصدر والظهر على مرأى من أصدقائه، الفتاة البالغة 26 من العمر حامل في الشهر الخامس.

تقول "أشعر بالوحدة بشكل كامل"، تعالج يارا الآن من الاكتئاب.

أما سميرة عزيز فقد كانت محظوظة، حيث أنها سكنت منذ البداية مع فاعلة خير في إحدى ضواحي مدينة ميونيخ وقد آوتها في غرفة ابنتها مجانا.

ما الذي ساعدها في ذلك الوقت؟ هو تعامل المضيفة معها بشكل اعتيادي، والحديث معها حول الجيران وحول عملها. "لقد أدركت بأنه لا يوجد خيار سوى مواصلة العيش"، تقول سميرة عزيز ضاحكة بأسف، يرتفع صوتها قليلاً.. إنها تبدو الآن شديدة النحف .

نمت ببطء دائرة الناس الذين قاموا باحتضانها وحمايتها من العالم الخارجي، لقد كانوا كغطاء من القطن بالنسبة لها.

في ربيع 2015 بدأت سميرة تخطو أولى خطواتها في هذا البلد الأجنبي، حيث بدأت بدراسة اللغة في المدرسة.. في الاستراحة تذهب إلى الغرفة المجاورة لوحدها وتفتح النافذة..

لقد منحت دروس اللغة إلى يومها قوة وأعطتها مهمة جديدة. تنتقد الطبيبة النفسية في برلين مريام شاولر -كفارك "عدم القيام بشيء في اللحظات الحرجة يفاقم المشاكل النفسية".

 

والأهم من ذلك بالنسبة للكثيرين هو العثور على وظيفة - لكن أصبح هذا في مقاطعة بافاريا أكثر صعوبة بالنسبة لطالبي اللجوء منذ ديسمبر/ كانون الأول، حيث يجب الحصول على تصريح عمل والذي لا يمنح إلا لمن يتأكد بالسماح لهم بالبقاء في ألمانيا، وهذا ينطبق بصورة أساسية على طالبي اللجوء من إريتريا وإيران والصومال وسوريا والعراق. في السابق كان من الصعب على اللاجئين في ولاية بافاريا البدء في التعليم المهني.

ومع ذلك استطاعت سميرة عزيز أن تبدأ التدريب المهني في نوفمبر/تشرين الثاني في عام 2016 في إحدى الشركات في ميونيخ. "إن هذا يرفع احترام الذات بشكل كبير"، كما تقول الطبيبة النفسية هينوم. إن هذا يعني الشيء الكثيرة لسميرة عزيز التي تريد استعادة الشخص الذي كانت عليه، منذ وصولها إلى ألمانيا كانت مشغولة في حالتها الطارئة، لقد كانت أشبه بمبنى انقطعت عنه الإنارة واضطر إلى استخدام مولد الطوارئ. "معظمنا نحن اللاجئين قد فقدنا أنفسنا قبل وصولنا إلى ألمانيا" تقول سميرة عزيز .

 

في الآونة الأخيرة، تحدثت المريضة لطبيبتها عن مهنتها السابقة كامرأة أعمال. حيث اعتدلت سميرة عزيز في جلستها وتخلل صوتها لهجة حازمة وعميقة. تقول ستيفاني هينوم "لقد كان ذلك وكأنني أمام شخص آخر".

يبدو أن سميرة تستعيد ذاتها الآن.

 

 

ملاحظة من المصدر: لقد تم تغيير الأسماء الأصلية  في المقال

 

-----------------

الكاتب:

Astrid Viciano: طبيبة ومحاضرة، وصحفية تعمل في صحيفة "زود دويتشه"، عملت قبل ذلك كصحفية مستقلة في باريس، وكانت محررة في صحف " فوكوس ، تسايت ، وشتيرن "  

علِّق