عدد القراءات: 5349

الحرية تبدأ باحترام حق الخصوم والمناوئين في التعبير عن آرائهم

 

* لؤي صافي

لؤي صافي.jpg

قتل واستباحة المخالف بالرأي والعقيدة هو جوهر الطغيان، والقاسم المشترك بين الأنظمة العلمانية المستبدة والحركات الدينية المتطرفة. اشتراك الطرفين النقيضين في مبدأ قتل الآخر لا لجرم ارتكبه بل لكلمة قالها يعكس عمق المشكلة وتجذرها في الثقافة السياسية السائدة في المجتمعات العربية والإسلامية المعاصرة. جذور المشكلة تاريخي كرستها الممارسات السياسية للسلاطين الذين استعانوا بفتاوي بعض علماء الشريعة لاستباحة خصومهم السياسيين بحجة الكفر الزندقة والفسوق.

 

الشريعة الإسلامية بأصولها الثابتة لا تبيح قتل كافر لقول قاله أو عقيدة اعتنقها، بل لعدوان قام به أو جريمة اقترفتها يداه. هذا المعنى مبثوث في نصوص الكتاب وسلوك الرسول الأمين الذي رفض رأي أصحابه في قتل عبد الله بن أبي الذي أمضى سنواته الأخير يحرض الناس ضده واصر على نعته صاحب الرسالة بأبشع الأوصاف قائلا لهم "لا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه". كما شدد القرآن الكريم على حرية الإنسان في اختيار دينيه وحرمة قتل المغاير في الدين والعقيدة. وأكد القرآن في المواضع الذي أجاز فيه قتال الكفار على ارتباط القتال بالعدوان، ونهى عن الاستمرار في قتال من جنح إلى السلم واختار الصلح والسلام.

 

لكننا نرى اليوم من يتحرك في سياساته وأفعاله باسم الإسلام لكنه يخالف نصوصه وروح تشريعيه فيستبيح قتل من يخالفه في الرأي والعقدية، كما تفعل الجماعات الإسلامية المتشددة تحت عناوين الكفر والردة، وكما يمضي دعاة ولاية الفقيه في إيران والعراق ولبنان في قتل خصومهم السياسيين ونقادهم، ولعل أخرهم الشاعر العراقي أحمد النعيمي الذي استبيحت نفسه لقصيدته "نحن شعب لا يستحي" والتي هاجم فيها نفاق المجتمع الذي ينتمي عليه.

ومهما كان الموقف من الكلمات التي قالها فإن قتل شاعر أو كاتب أو ناقد عقابا له على كلمات تفوه بها هو قتل للحرية التي تبدأ بحرية الكلمة والرأي والضمير. قتل الفرد لمقولة قالها ليس عقابا له بل ترويع لأفراد المجتمع، وسعي إلى كم الأفواه وتجريم النقد وإسكات الكلمة الحرة التي لا قوام لحرية الإنسان دونها.

 

عندما يرضى المجتمع قيام السلطة بقتل مواطن لكلمة قالها فإنه يرضى في اللحظة عينها أن تقتل الحرية في بلده وأن ينقسم المجتمع إلى حفنة من الطغاة المستبدين وجموع من الرعاع المستلبين.

عندما تجد مجتمعا يقتل أحد أفراده لكلمة قالها، فأعلم أنه مجتمع سادة وعبيد لا مجتمع أحرار. الكلمة تواجه بالكلمة لا بالسيف والرصاص. الجبناء والمرجفون فقط يواجهون الكلمة بالرصاصة وحبل المشنقة. قدسية حياة الإنسان لا تزول إلا بفعل قتل بادر هو إليه أو عدوان جسدي استباح من خلاله إنسانا آخر. هذا هو حكم العقل كما أنه حكم الشرع الإسلامي وكل شرع يتحدث بلغة السماء.

اللجوء إلى القتل واستباحة النفوس في مواجهة المخالفين في الرأي والعقيدة هو سلوك الطغاة الذي لا يريدون للرأي الحر والفكر المخالف لرأيهم وسلوكهم بالظهور. مثل هذا السلوك يحيل المجتمع الذي يمارسه إلى مجتمع سادة وعبيد، يتحكم فيه القوى المستبد بالضعيف المستلب، وإلى مجتمع نفاق تتناقض فيه قناعات الناس وأقوالهم، وتخالف مظاهر الناس ضمائرهم.

اللحظة التي يشعر فيها الإنسان بالأمان عند التعبير عن رأيه وإظهار ضميره في مجتمعات العرب والمسلمين ستكون لحظة عودة الحرية والحياة الكريمة إلى هذه المجتمعات التي افتقدتها عندما سمحت للسيف والبندقية أن تتحكم بالفكرة والكلمة.

الحرية كل لا يتجزأ. عندما يفقدها فرد من أفراد المجتمع فإن حرية المجتمع برمته في خطر!

 

التعليقات

احسنت استاذ بكل ماذهبت اليه ، وللأسف فمعظمنا تربى في ظل ظروف غير موضوعية تعود من خلالها ان يسمع اولي الآمر منه مايرغبون سماعه ، لا مايجب ان يسمعوه ، فغريبين عجيبين نحن العرب حيث لا نجيد الإختلاف والاختلاف دوماً يقف على عتبة الشقاق والخلاف ، اختصر واقول اننا امة متعوب عليها وللأسف ولا ادري هل ماهي عليه الآن بسبب ماتعتقده ، او بسبب نفاقها وابتعادها عن مايمثل عقيدة لها .

علِّق