عدد القراءات: 4466

هل يأخذ السوريون زمام المبادرة.؟!

 

*د.وائل مرزا

ثمة لحظاتٌ في تاريخ المجتمعات نادرة.
في تلك اللحظات، تجتمع (الحاجة) إلى اتخاذ مواقف حاسمة تؤثرُ في تاريخها، مع (إمكانية) اتخاذ هذه المواقف.
نحن في سوريا (الثورة) نعيش اليوم واحدةً من تلك اللحظات.
والقضية لاتحتاج إلى كثير تنظير، أو استفاضةٍ في التبرير وشرح الأسباب. فالأمر يدخل في إطار مايُعرف بأنه (سهلٌ ممتنع).
سهل، لأن الهدف المطلوب من السوريين في هذه المرحلة، وتحديداً من ساستهم وعسكرهم ونشطائهم، واضحٌ ومعروف: وحدةُ الكلمة والموقف والرؤية.
وممتنعٌ، لأن ممارسات هذه الشرائح كانت في مُجملها، بغض النظر هنا عن الأسباب، تصبﱡ في كل مايتناقضُ مع ذلك الهدف.
نتركُ للتاريخ البحثَ في تفسير تلك الظاهرة، لأننا أمام واقعٍ جديد.
فمع تطور الأحداث، وضغطها، تبدو الشرائحُ المذكورة أقربَ من أي وقتٍ مضى إلى إدراك (عبثية) الممارسات السابقة. ورغم كل الملاحظات الممكنة على طُرُق عملها وتفكيرها، في السياسة تحديداً، تَظهر، لدى الغالبية العظمى، ملامحُ وعيٍ سياسي متقدم لاينبغي أن يُصرﱠ البعض على إنكاره، لأسباب شخصية أو أيديولوجية.


لايمكن لثورةٍ أن تتقدم لتحقيق أهدافها وهي مشغولةٌ بعمليات (تصفية الحسابات) بين أصحابها، خاصةً في المراحل المصيرية الحساسة. فهذه رصاصةٌ وحيدة يمكن القول أنها تضمن انتحار الثورة بشكلٍ نهائي، في حين أن كل رصاصٍ آخر يصيبُها بجروحٍ قابلةٍ للشفاء.
لايتضاربُ هذا، في الفكر السياسي المناضل، والمحترف، مع الإقرار بكل ماحصل في المراحل السابقة من اختلافات، وخلافات، عميقة وجذرية، بين حاملي لواء الثورة في كل مجال، شخصياً، ومصلحياً، ومبدئياً، وأيديولوجياً، وحزبياً، ومناطقياً.. ولا مع (إمكانية) استمرارها في المستقبل.
نعم. ماحصلَ يتضمنُ ظواهرَ، مذهلة وغرائبية أحياناً، تحتاج إلى الكثير من الدراسة والتحليل لمعرفة جذورها الثقافية. وهذا أمرٌ لامانع أن يقوم به (المختصون) الآن، وأن يستمر في المستقبل.
لكن (كل) ماحصل.. (كل ماحصل).. لايمثل (لعنةً) تاريخيةً نهائيةً أصابت سوريا وشعبها وثورتها، كأنها قدرٌ لافكاك من آثاره التدميرية، بالطريقة التي يفكر بها سوريون كُثُر..
وماحصلَ لايجب أن يكون، أبداً، مدعاةً إلى الاستقالة من (الحاضر) بدعوى (التركيز) على المستقبل.


هذه طريقةٌ في التفكير ليست فقط مدخلاً لليأس والإحباط والسلبية في أعلى درجاتها، وإنما هي أيضاً، مع الاعتذار، نوعٌ من التفكير الطفولي الذي لايليق بشعبٍ بدأ ثورةً من أعظم ثورات التاريخ. هكذا كانت وهكذا ستبقى.. والتاريخُ نفسه سيكون الحَكَم.
نحن، في سوريا، نعيش (نصيبنا) من قصة البشرية على هذه الأرض. بكل مافيها من صراعٍ وتضحيات وآلام عاشت المجتمعات مثلها، وستعيش، في يومٍ من الأيام. هذا كل مافي الأمر.
ومفرق الطريق يكمن في قدرة السوريين اليوم على توظيف الظروف الراهنة لاستعادة شيءٍ من زمام المبادرة. تماماً كما فعلت شعوبٌ كثيرة.
بكلامٍ أوضح. شرائح المعارضة تتقاربُ اليوم، تحت ضغط الواقع وإكراهاته، أكثر من أي وقتٍ آخر.
اجتمع الائتلافُ مع فصائل المقاومة عدة مرات خلال الأسابيع السابقة كما لم يحصل من قبل، واتفقوا على اجتماعات دوريةٍ ومزيد من التنسيق. وهناك إرهاصات لإعادة هيكلة الائتلاف نفسه بشكلٍ يجمعُ المزيد من أطياف المعارضة. والرسالة التي أرسلها مُعارضون إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة جاءت بتوقيع أسماء بعضُها لم يكن يقبل مجرد الاجتماع مع موقعين آخرين. وثمة حديثٌ متصاعد عن تشكيل رؤية سياسية موحدة يُشارك فيها خبراء ومثقفون وساسة لم يتفقوا من قبل على وثيقة.


هل يبدو فعلاً أن البعض / الكثيرين تعلموا من دروس التجربة السابقة؟ لاندري على وجه الدقة. فهذا ليس غاية المنى. وهذه ليست دعوةً للأحلام والتوهم بأن مايجري هو عينُ الكمال.
لكن مايجري في هذا الإطار جيد، وجيدٌ جداً، إذا كنا واقعيين، وحاولنا أن نفهم منطق التاريخ وآليات التطور الثقافي لدى الشعوب. وعلى جميع السوريين أن يلتقطوا خيط الأمل هذا، وينسجوا منه، تدريجياً، ثوب الوحدة.
هذه خطواتٌ على الطريق الصحيح. أخيراً.وعلى جميع السوريين ألا يزهدوا في دلالالتها وكُمُونها، مهما كانت ملاحظاتهم مشروعةً على المعارضة، ومهما كان عتبهم كبيراً عليها.


آن للسوريين ألا يُحاصروا أنفسهم، وشعبهم، وثورتهم، ووَطنَهم، في مقولات تقليدية مختلفة مؤداها في النهاية أن "كل هذا عبث، وكلام فاضي، ولن ينتج عنه شيء".
لايعني هذا، بكل وضوحٍ وصراحة، تركَ المشاريع الراهنة للأطراف المختلفة وإلغائها.
استمروا في وضع مخططاتكم.. تابعوا رسم مشاريعكم للمستقبل.. حافظوا على طموحاتكم المشروعة..
ولكن، لاتجعلوا هذا سبباً للاستقالة من (الحاضر)، ولتفويت الاستفادة من (نافذة فرصة) فتَحها ضغطُ الواقع وتضاربُ المصالح.
نقولها، في النهاية، بصراحة: ثمة حاجةٌ كبيرةٌ الآن لتشكيل رأيٍ عامٍ سوريٍ ضاغط على المعارضة لتستمر في هذا الطريق.
والمساهمة في الأمر ضروريةٌ، ومتاحة لكل سوري، بالكلمة والمقال والرسالة والاتصال والتنظيم والتنسيق، وغير ذلك من وسائل لايعدمُ أحدٌ استعمالها في هذا العصر، إذا.. إذا وُجدت النيةُ والإرادة. وإذا خرجنا من فخ السلبية واستصغار الذات، وعقلية لوم الآخرين مع انتظار الحل منهم!
هذه الحقيقة الأخيرة، فيما يبدو، هي قلبُ السؤال الكبير، الذي ستكون الإجابةُ عليه مفرقَ طريق سوريا الحاضر والمستقبل.

علِّق