عدد القراءات: 298

نكره السياسة وهي داؤنا وفيها دواؤنا !

 

لفترة زمنية طويلة ظلت السياسة في مجتمعاتنا الأهلية البدائية، تشكل رهاباً حقيقياً لعامة الناس، وتكرّست في وعيهم كشأن نخبوي علوي، ليس في مقدورهم التطلّع إليه أو مقاربته، حتى كان الاحتكاك بالغرب عبر المدارس التبشيرية والبعثات التعليمة وانتشار المطبعة والصحافة، فتداولته النخب وأبناء الذوات والمثقفون من أبناء هذه الشرائح الاجتماعية، وكان صوت عبد الرحمن الكواكبي من أقدم الأصوات السورية المبكرة التي قارعت الاستبداد العثماني بالفكر والدعوة إلى التعليم لأنّ الجهل حليف الاستبداد ( العلم والاستبداد ضدان متغالبان)فكان مصيره الملاحقة والوفاة الغامضة1902 م في مصر، التي لجأ إليها بعيداً عن يد السلطان عبد الحميد الثاني آنذاك، الذي اتهم رجاله بدس السمّ له، بسبب من نقده اللاذع لاستبداده.

 

عرفت مرحلة الصراع مع العثمانيين، نخبة سورية ولبنانية وعراقية مثقفة، من رجال العلم وقادة التنوير، الذين دعوا إلى الحرية والنهوض، وطالبوا بالانفصال عن السلطنة العثمانية، فكان مصيرهم المشانق في بيروت ودمشق وبغداد في 6 أيار( مايو ) 1916 قبل إعلان ثورة الشريف حسين، التي أعقبت محادثات حسين مكماهون الإنكليزي أو قادت إليها، الذي كان مع لورنس العرب المخطط الرئيسي للثورة العربية الكبرى ولاستقلال البلدان العربية عن السلطنة العثمانية، وإقامة حكم عربي عماده الشريف حسين وأولاده، فانخرطت نخب سياسية عربية متحمسة للاستقلال عن العثمانيين، قبل أن تقع جميعاً فريسة معاهدة سايكس بيكو وملحقاتها، وما تبعها من تقاسم الفرنسيين والانكليز لبلاد الشام والرافدين، بينما ظلّ المجتمع العربي راكداً نسبياً، ما عدا نخب سياسية وعسكرية، تطوّعت للقتال في سبيل الاستقلال ومواجهة جيوش السلطان العثماني، وقد كان من طريف هذه الفترة أنّ الخلاف قد وقع بين سلطان الأطرش، الذي قاد مجموعة من الثوار ولاقوا قوات فيصل القادمة باتجاه الشام، ثمّ استبقوا وصول الملك فيصل بن الحسين إلى دمشق ورفعوا العلم العربي فوق سرايا الحكومة، وبين قريبه الأميرسليم الأطرش الذي كان قائداً لكتيبىة محاربة تحت راية السلطنة العثمانية، وتبادل الطرفان رسائل تهديد وتخوين حاد اللهجة !

 

كانت تلك مرحلة انتشار الأمية الواسعة والعامة، وكان الشأن السياسي، تحركه الزعامات التقليدية، وبعض النخب الخاصة من أهل العلم والسيادة وأبناء الذوات، وقد عانت تلك النخب من الجهل والأمية السائدتين، حيث تمثلت السلطة في وعي العامة الخاملة بكامل جبروتها، كقوة كلية الحضور كلية الطاعة، وغالباً ما يقترن الخروج والتمرد عليها بتهمة الكفر والزندقة، ويقابله الخضوع التام للسلطة بدءاً بمأمور الضرائب العثماني إلى رجال الجندرما والدرك والباشوات الذين ارتبطت هيبتهم الطاغية، باللباس العسكري والشارب العثماني الكبير والممسد بعناية والقدوم على الخيل والقلبق على الرأس والكرباج في أيديهم، وهم عبر رجالهم ومأموريهم، يعاقبون المتخلف عن الدفع والمتذمر ويسوقون الشباب العربي إلى الجندية الإجبارية في حروب البلقان والسفر برلك وغيرها، مما جعل الشأن السياسي مرذولاً ومرتبطاً بمظاهر وتصرفات السلطة المهيوبة، وما يقابلها من فلاحين وأناس مقهورين مهانين، تترجم السياسة في أوساطهم الاجتماعية بمقولات، تتوخّى السلامة والابتعاد عن أذى السلطة ورجالها والعمل على إرضائهم، بكل ما تطلبه وتأمر به.

صحيح أن المرحلة العثمانية، قد عرفت أنواعاً من التمردات الفلاحية، التي احتاجت السلطات العثمانية المحلية إلى طلب النجدة من الباب العالي لقمعها، ولكنها ظلت محدودة ومحلية ولم تتسع لتشمل الأرض السورية أو حتى  رقعة الولاية وفقاً للتقسيمات الإدارية لتلك المرحلة، فكان يسهل قمعها وإعادتها إلى بيت الطاعة، كما شهدت المرحلة العثماينة أنواعاً من التمرد الفردي الاجتماعي غير السياسي هنا وهناك وفي فترات وأماكن مختلفة، جدد رجالها نوعاً من الصعلكة أو ظاهرة الفتوة، في الوقوف في وجه ظلم واستبداد الباشوات والسلطات المحلية، فراحوا يهاجمون مراكزها ويختفون محققين  بعض المكاسب، وربما نالوا بعض الحظوة والاحترام في محيطهم لشجاعتهم، وبعض الالتفاف من المتضررين والخائفين من هذه السلطات الكلية القمع والنهب والابتزاز، فكان طبيعياً، أن تنهي السلطات كل هذه التمردات المحلية والفردية، وتعيد الأمن والاستقرار إلى مناطق نفوذها، حيث يكون الإعدام شنقاً والنفي والسجن والاختفاء مصيرهم، عند معظم سلاطين بني عثمان !

 

كان طبيعياً أيضاً بعد التحرر من العثمانيين وسيطرة الفرنسيين بعدهم، أن تتسع رقعة السياسة نسبياً، حيث راح المثقفون الوطنيون والوجهاء الاجتماعيون، يهيئون حواضن شعبية لنضالهم التحرري السياسي من الاستعمار والاجتماعي من المتحكمين الإقطاعين وكبار الملاك، المتشابكة مصالحهم مع السلطة السياسية الفرنسية والوطنية التابعة لهم، وقد لحظنا في أواخر مرحلة الاحتلال الفرنسي، نمو واتساع النشاط السياسي، ليتجاوز محدوديته، فيستجرّ خلفه جماهير واسعة نسبياً، تأثرت بالدعوة إلى الاستقلال السياسي، بعد ثورات مسلحة عديدة ريفية الطابع  في الساحل وجبل الزاوية وجبل العرب وغوطة دمشق ودير الزور وغيرها، بينما كانت النخب المدنية، تنخرط بالعمل المدني السياسي، ليتمثل هذا الحراك السياسي في واجهة المجتمع المتنامي تعليمياً ، وكانت ثمرة من ثمرات المثاقفة مع الغرب والتأثر بالفرنسيين والأوربيين عامة، عبر البعثات التبشيرية ومراكز الاستشراق والدراسات والبعثات التعليمية، حتى اتسع تأثيرها واشتدّ عودها واختزنت خبرة حديثة، عبر المواجهات المتعددة مع سياسات الاستعمار الغربي وبالتوافق مع قوانينه وأنظمته الحديثة الخاصة ببلاده، في الوقت، الذي كان يتعاطى فيه مع بلادنا، بأساليب السياسة الماكرة وبالبطش والإرهاب العاريين من أي سند قانوني أو أخلاقي، مما أورث مجتمعاتنا ذخيرة سياسية، تستند على وعي سياسي انفعالي مأزوم، كرسته فيما بعد الاستقلال سلطات الانقلابات العسكرية المتتالية بدءاً من حسني الزعيم 1949 إلى انقلاب حافظ الأسد 1970!

 

لقد عبر هذا الوعي السياسي الانفعالي المأزوم عند العامة، بهيجان واندفاعات شعبوية، تحتشد خلف شعارت رددتها الحناجر، مطالبة الحكام العرب بتحرير فلسطين وضد المستعمر ومشاريعه وطلب الوحدة وغيرها، من دون أي رصيد واقعي لها، أو بالتعبير المتكررعن كره السياسة والتبرؤ من تبعاتها وشتم رجالها، وسيظلّ الأمر مقبولاً طبعاً، حين لا يكتفي هذا التوجه بمجرد ردة الفعل النزقة والسلبية على واقع عسير، بل يذهب إلى نظرة انتقادية، من أناس تعاركوا مع السياسة وخبروا أحابيلها، وبنوا مواقفهم وآراءهم على تراكم معرفي وثقافي ونظرة موضوعية، لا تكتفي بترداد ما تلوكه الألسنة، وتتداوله بلا تدقيق بطريقة القذف والشلف، كتلك التي عبرت عن نفسها من خلال ما راكمته في النفوس والعقول أنظمة القمع العسكرية والاستبدادية، منذ دار دولاب الانقلابات العسكرية، التي انتهت بعد إزاحة الشيشكلي إلى فترة من التوازن النسبي، بين دور العسكر المسؤول الرئيسي عن هذه الانقلابات في الشأن العام، والحياة المدنية والسياسية النشطة التي سادت ما بين 1954 – 1958، وأوصلت البلاد إلى الوحدة السورية المصرية 1958، والتي كان من دوافعها إضافة  إلى الرغبة الشعبية العارمة في الوحدة، أن تتخلّص النخبة الحاكمة السورية برئاسة القوتلي من حالة القلق السياسي والأمني، ومن مخاطر مؤامرات خارجية، راح يتعاظم خطرها في ظلّ الحرب الباردة وتخوّف الأمريكان من ذهاب سوريا إلى الحضن السوفييتي، بعد أن اتسع المدّ التقدمي، عبر حزبين رئيسيين، حزب البعث والحزب الشيوعي وشخصيات مستقلة هامة كخالد العظم وغيره، ثمّ تعاظم أكثر، بعد توقيع الحكومة السورية صفقات السلاح مع السوفيت وإقامة علاقات صداقة وتعاون متنوعة أخرى معهم، وحينما انقضّت النخبة البرجوازية المدنية الدمشقية على الوحدة وفصمت عراها، ولم تستطع، أن تعيد دعائم الحياة المدنية الديمقراطية المغدورة، استغل البعث وضباط وحدويون الفراغ وضعف السلطة ونفذوا انقلابهم 1963 م معيدين سيرة الاستبداد وتعطيل الدستور واستبداله بالشرعية الثورية، وقوانين الطوارئ وتعطيل 26صحيفة ومجلة سورية واحتكار وسائل النشر والإعلام ... وللحديث بقية !  

 

علِّق