عدد القراءات: 22213

نحن والانقلاب في تركيا...هل يستحيل علينا أن نتعلّم..؟!!

 

* محمد رامي

لاعيب ولا ضرر ولا حتى حفنة لوم تقع علينا كعربٍ عامةً، وكسوريين خاصةً في قصورنا عن فهم مجرى الأحداث وقراءة المعطيات السياسية المعقدة، وبالتالي قدرتنا على مواكبة تلك اللعبة الدولية العالمية والصراع السياسي فيها، والتي كنا ولا نزال نحصد نتائجها بأرواحنا ودمائنا ومدننا.

ولكن الطامة الكبرى تكمن في أن عشر سنوات من مآسي العراق و خمسٌ مدمرةٌ في سوريا لم تكن كافية حتى لإيقاظنا، وإرشادنا إلى الطريقة الصحيحة لأكل الكتف، أو حتى فهم أبسط التغيرات الدولية الحاصلة وتوقع نتائجها قبل وقوعها على رؤوسنا.

كنا نرقب كسوريين السجال السعودي القطري والاحتقان التركي الأوروبي، والحشد الإيراني، والغطرسة الروسية، والعنجهية الأمريكية فاغرين أفواهنا ننتظر ما سيحل بنا، وماهذا بعيبٍ في المرات العشرة الأولى! ولكن الغريب أن تبقى أفواهنا مفتوحة وعيوننا محملقة لما يدور ويُحاك حولنا من مناورات واتفاقيات سنحصد نتائجها كما جرت العادة.

 

ربما الأولى أن نبدأ من النهاية الأقرب للأذهان:

لقد احتجنا كسوريين لنرى محاولة الانقلاب العسكري في تركيا كي نفهم التحديات والتعقيدات السياسية والعسكرية التي تواجهها تركيا نتيجةً لسياساتها، وكانت تعترينا قبلها بأيام موجاتٌ من السخطٌ العارم من خيانة الأتراك للثورة السورية، وكأننا نعيش في القرن العاشر الميلادي أو في أفلام ديزني، انتظار البطل المخلّص الخارق الذي يأتي لإنقاذ المظلومين ثم يمضي لحال سبيله، هذا السيناريو الحالم الواهم الذي انقرض منذ مئات السنين ولازلنا رغم كل الذي جرى وحل بنا ننتظره

نعم لقد مات يوسف ابن تاشفين وحتى تشيغافارا مات، ولن يأتي أحد على حصانٍ أبيض ولا على إف 16 سوداء لإنقاذنا، فحروب اليوم تنتهي في ساحة المعركة بعد عقد الاتفاقات والتحالفات، ولايوجد حليف دائم بل مصلحة دائمة!

لا أدري ماذا توقع أو كان يتوقع أو لايزال يتوقع السوريون من تركيا منذ ست سنواتٍ وصولاً لماقبل الانقلاب، ربما إرسال جيشٍ عرمرمٍ وقتال الروس ثم تسليم الدولة لأحد تلك التكتلات السياسية  السورية التي باتت بالعشرات ولايوجد شيء مشترك بينها إلا علم الثورة وعضو من الإخوان المسلمين.

ويناشد بقية السوريين ثوار درعا بالتحرك لتخفيف الضغط عن داريا وحلب، وكأن هذا الخيار البسيط العفوي لم يخطر على بال جنرالات إيران وروسيا وهم يحضّرون لكلتي المعركتين!

وما يوم المليحة وسبينة ويبرود وحتى القصير منا ببعيد

ولكن البعيد عنا هو تكرار ردات الفعل لنفس التجارب مراراُ وتكراراً دون أن نعي كيف تُحاك اللعبة وكيف تجري الأمور!

 

هذا التعاطي العفوي والساذج والسطحي مع الأحداث، والبحث عن تفسير من سطر أو سطرين لكل ما يجري هو سبب بقائنا في مكاننا مرتعاً للتجارب والتحالفات!

بل والأنكى الثقة الكاملة بالنصر، والتعاطي مع أسباب تأخر النصر! وكأنه قادم لامحالة، ذلك النصر الذي لازلنا نرقبه رغم خسارة حمص والرقة والجزيرة وماجرى حتى في بقية الأماكن من صراعات داخلية لامجال للخوض فيها الآن

ولكي نغلق الباب على النصوص الأبوكلبتية التي تعدنا بالنصر، فلقد زالت تركستان وانتهى وجودها والوجود الإسلامي فيها بعد معارك مع روسيا والصين، ولم يسعفهم دينهم ولا قضيتهم العادلة من إنقاذهم! والبحث الديني يطول، فوعيد النصر يأتي في آخر الزمان، الذي قد يكون بعد ألف عام مثلاً! ومن العار انتظاره منذ اليوم!، والنصر سيأتي بحسب النصوص للمسلمين لا العرب! ربما ينتصر مسلمو الهند أو البوسنة أو أندونيسيا في ذاك الزمان، وقد نكون نحن العرب بتنا تحت وصاية إيرانية أو إسرائيلية أو روسية حتى! فلا مانع شرعي من وقوع هكذا شر، فلقد خضعت مصر للحكم الفاطمي سنين طويلة، واقتلع القرامطة الحجر الأسود من مكانه ومنعوا الحج لسنوات!

إذا استمرينا على هذه الحال، فالهيمنة الإيرانية قادمةُ لا محالة وهي مسألة وقت فقط، وخطاب الشتم واللعن لن يزيد في الطين إلا بلة، وقد نجد أحفادنا بعد مائة عام يقاتلون مع الحشد الشعبي الخاص بذاك الزمان ضد راية الحق!

بالعودة للموضوع الرئيسي، فلقد أجرى مجموعة من السوريين في إحدى المناطق المحاصرة دراسةً بحثية عن سبب التدخل الروسي في سوريا، تلك الدراسة وقعت في حوالي 20 صفحة بحثت فقط في السبب ولو أردنا البحث في حجم التدخل، وإلى أي مدى ممكن أن يصل، واحتمالات الانسحاب قد نحتاج لأكثر من 100 صحفة لتغطية الحدث عسكرياً فقط، وبحاجةٍ لمثلها بمرات لتغطية الأسباب السياسية والاقتصادية!

ولفهم المشهد السوري نحن بحاجة لدراسات مماثلة لكل الدول المشاركة، من أمريكا إلى إيران إلى تركيا إلى السعودية إلى قطر والأردن والاتحاد الأوروبي والعراق ولبنان!

ذلك التعقيد الذي نثير ضحك من حولنا بانتظارنا نصراً دون درايةٍ أو إحاطة ولو بجزء ممايجري، أو بطرح فرضيات نظرية المؤامرة، أو الابتلاء الرباني لذنوبنا في محاولات يائسة لسد الفراغ في نظرتنا القاصرة للوضع وتعقيداته

 

فما الحل إذاً؟

هذا السؤال بحد ذاته معضلة، فلقد تعودنا على التلقين وننتظر دوماً من يلقننا الحلول لمشاكلنا، ثقافة الاستهلاك وصلت حتى لأفكارنا، فنسمع الحل المقترح ونتعامل معه كأنه سلعة فإما يعجبنا أو ننتقل لمعرض حلول آخر فننتقي ما يلائمنا!

بدايةً إن آخر عاملٍ نحتاج إليه أمام هذا التحدي هو العامل الديني -كما أمرنا الله- فالله عزّ وجل أمرنا بالأخذ بالأسباب وكأنها كلّ شيء ثم التوكل على الله وكأنها ليست بشيء

من السذاجة أن نطلب الحل من غير أهله، من السذاجة أن نطلب من رجل دين التصدي لهجوم سياسي عسكري بالدين! إن وظيفة رجل الدين هو تشذيب الحلول الدنيوية بما يتوافق مع شرع الله!

ومن السذاجة أن نطالب رجل دين بتفسير ما يجري! فالواقع الذي رسمته عشرات بل مئات العقول من صناع القرار حول العالم، يستحيل الإحاطة به من قبل عقل واحد مهما بلغ من الوعي والإدراك

لقد تغير العالم الذي نعيش فيه، وبات صانع القرار يستعين بلجنة اقتصادية لتقديم دراسة عن جدوى التدخل في سوريا، ولجنة سياسية، ولجنة عسكرية، ثم يدرس الاحتمالات ويتخذ القرار

نحن أمام حكم مؤسسات لا أفراد، ونحتقر أنفسنا حين نبحث عن أفراد لحل تلك المعضلات!

هذا ما يميز الأتراك عنا، فلم تحتج حكومة أردوغان لوقوع الفاس بالراس قبل تغيير سياساتها، لم تحتاج للصدام الكامل مع روسيا أو خروج ثورات مسلحة داخلية عليها، أو عداء كامل غربي قبل أن تغير من استراتيجياتها، لقد ذهب الأتراك إلى أبعد ما يمكنهم الذهاب ووضعوا حلف الناتو في خانة القرار بضربهم المقاتلة الروسية مما وضعهم لوحدهم في مأزقٍ دولي كبير شهدنا نتائجه بمحاولة الانقلاب، ثم يخرج متحاذق ليصف العمل الجبار السياسي والاقتصادي بكلمات العصور الوسطى: لقد خذل الأتراك ثورتنا!

إن الخوض إلى الأمام في بحث تعاملنا القاصر كأفراد ومؤسسات يحتاج لمواضيع لا لموضوع واحد، وإن نهاية العمليات العسكرية في سوريا لصالح الطرف الروسي سيفتح الباب على مصراعيه للتغول الإيراني في الجزيرة العربية، التي لاتزال حكوماتها تنتظر الإذن الأمريكي لإرسال جيوش حقيقية إلى اليمن! ولايزال الشغل الشاغل لعقولها مسألة عيد الحب، وعدنان ابراهيم، ومايو إحدى المعارضات مع كيل الشتائم لإيران التي لن تزيد الطين إلا بلة

 

أختم بهذا التساؤل، الذي سيكون بدايةً لطروحات قادمة: إن كان الحكم الشرعي للخروج على الحاكم باطل لأنه مهلكة بإجماع معظم المدارس والمؤسسات الإسلامية ولنا في قول الألباني رحمه الله مرجع: إن كان لديك دبابة فاخرج

إن كان الخروج على دبابة مهلكة، فهل الخروج على سلاح نووي وصواريخ بالستية ومخزون نفطي هائل، ومخزون بشري أكبر، وغطاء دولي بعد الاتفاق النووي يعد بطولةً وجهاداً مقدساً!

هذا الشحن الأجوف من لعن وشتم ودعوة للجم إيران لن يزيد الطين إلا بلةً فهو يستخدم كوقود للحشد الشعبي لقتلنا، فلو صدق الداعون لقتال إيران لأرسلوا السلاح قبل الخطب الرنانة واللعنات الموجعة، ولكن ما يفعله القوم هو تخويف شعوبهم من إيران لكيلا يفكروا بالخروج من تحت ظل العرش... الخاص بالحاكم طبعاً!

لذلك كان ولايزال تلقف النفس العام الذي أذنت به الحكومات إحدى مظاهر انعزالنا عن الواقع الذي لاتزال رحاه تطحننا وتاريخه يتزين بدمائنا.

 

علِّق

المنشورات: 4
القراءات: 45934

مقالات الكاتب