عدد القراءات: 4634

من عراق الأمس الى السعودية البارحة.... داعش مشروع أم أداة؟

ان توسع عمليات داعش باتجاه الخليج العربي، ولا سيما باتجاه المملكة العربية السعودية، يشير بشكل واضح الى أن المستهدف هو الإقليم بكامله، لغاية تنفيذ أهداف محددة تطال معظم بلدانه ولها انعكاسات ستتجاوزه على صعيد مستقبل النظام العالمي الجديد وإعادة ترتيبه لعشرات من السنوات القادمة.

ان البدء بتحقيق هذه الأهداف كان يقتضي وجود حاضنة تنتج أدوات تحقيقها، هذه الحاضنة كان موقعها سوريا، والمسؤول عن تهيئة الأجواء والظروف المناسبة لنشأتها ونموها هو نظام بشار الأسد فهو من زرع بذورها من خلال الشحن الطائفي المستمر منذ بداية الثورة الشعبية (فيديو مجزرة البيضا وغيره من الفيديوهات التي أوليت حرصاً شديداً لإظهار لهجة من يرتكب هذه الجرائم) واستخدام العنف المفرط بحق المدنيين ولاسيما ناشطي الحراك السلمي (مثل الشهيد غياث مطر وغيره من الناشطين في أعمال الاغاثة والاعلام) والحرص على توثيق هذه الجرائم ونشرها على أوسع نطاق، حيث حرص النظام على تسريبها من الأفرع الأمنية وعناصر الشبيحة؛ الغاية من ذلك  كانت رفع مستويات الظلم المرتكب بحق الأبرياء وبشكل علني، واظهاره بأنه يرتكب كلياً من قبل طائفة معينه، وهو ما شكل عنصراً جاذباً للتنظيمات المتطرفة (مثل القاعدة) وجدت في سورية تربةً خصبة لإعادة احياء مشروعها، في ظل مظلومية الشعب وصمت المجتمع الدولي عما يرتكب من جرائم بحقه، فأصبح الشعب الكليم أكثر تقبلاً لأي قوة أو طرف يجابه النظام.
أساس هذه النظرية هو إشعال الخلافات والنزاعات بين التطرف الشيعي والتطرف السني ومحاولة زيادة حدّته وتوسيع قاعدته، وهذا ما حدث فعلياً وبتسهيل واضح ومقصود من رأس النظام في سورية، الذي استطاع توسيع النزاع وتحويله من مواجهة بين ثورة شعب مضطهد ضد نظام ديكتاتوري الى خلاف طائفي ومذهبي عام، ليشمل في طرفه الأول شيعة الإقليم ككل، ولم يكن تنفيذ ذلك ممكناً الا من خلال اقناع ايران بأن النظام لم يعد قادراً على حماية نفسه، وأن تركه وحيداً سيعني انهياره المحتوم، مما ألزم إيران بإعطاء الضوء الأخضر للتدخل العسكري المباشر والعلني لحزب الله، وفتح باب التطوع لمواطنيها للانضمام للمليشيات الطائفية التي تقاتل في سورية، كما قامت بإرسال الخبراء والمستشارين العسكريين للعمل مع النظام والإشراف على عملياته العسكرية، هذا (النجاح) توّج حين قرر حزب الله اللبناني الدخول بشكل مباشر وعلني في معركة القصير، وبات الحزب شريكاً موصوفاً للنظام في ارتكاب الجرائم بحق أبناء الشعب السوري.
وعندما ازدادت الأعباء، وباتت خسائر حزب الله البشرية تتزايد، اقتضى توسيع مصادر الامداد البشرية اعتماداً على العنصر الطائفي والمذهبي وجلب المليشيات الطائفية من العراق وافغانستان وغيرها، واستخدمت ذريعة حماية المراقد كما الاغراءات المالية من أجل تحفيز المتطوعين، تم كل ذلك التدخل الإيراني في سورية دون أي استنكار وبصمت كامل من المجتمع الدولي ومنظماته.
اما التطرف من الجهة المقابلة فقد تمثل بمنح امتياز  "فرانشايز"  تنظيم "القاعدة" من افغانستان لوكيل محلي في سوريا، تحت أسم "جبهة النصرة "  والذي ساهم في دعمه وإمداده بشكل كبير في بداياته ما يسمى بتنظيم "الدولة الاسلامية في العراق"، واعتبره امتداداً له ودراسةً تمهيدية لفحص البيئة السورية ان كانت تتقبل وجود مثل هذه التنظيمات، وكان هناك تسليط أضواء مقصود على بدايات أعمال جبهة النصرة، لاسيما في العاصمة دمشق من خلال عمليتي هجوم نوعيتين على مقري رئاسة الأركان في ساحة الأمويين والمخابرات الجوية في حرستا، ومن ثم تطورت الأحداث ودخل التنظيم العراقي الى الساحة السورية وغير اسمه وفق توسعه الجغرافي الأول فأصبح "الدولة الاسلامية في العراق والشام"، ودخل بمراحل تراوحت من المهادنة الى التصادم المباشر مع جبهة النصرة، الى ان تم اعلان انفصالهما التام عن بعضهما البعض، وبدأ النزاع بينهما على مناطق النفوذ.
تغيير اسم التنظيم كان دائماً معبراً عن نواياه العملياتيه والرقعة الجغرافية التي سيمارس نشاطه فيها، إلا أن نشطاء الثورة والمجتمع الغربي ولاسيما الأمريكي الذي يحبذ الاختصار بات يعرف هذا التنظيم باسم "داعش" بالعربية وأيسيس “ISIS" بالإنكليزية. وتوالت الأحداث بعد ذلك لتبدأ مرحلة تحويل التنظيم الى "فرانشايز" امتياز منافس لتنظيم القاعدة، عبر تغيير اسمه مجدداً واختصاره بكلمتين "الدولة الاسلامية"، وبدأت تظهر فروع له في عدة دول، ليبيا، تونس، مصر وأفريقيا وبشكلٍ قوي بات يستعرض فيها قواته ذات التجهيز الكبير بالعتاد والسلاح والتجهيزات المتقدمة، هذا التنظيم الذي ظهر في تلك الدول من العدم. 
عملية تغيير الاسم لها مغزى أساسي تعبر عن انتقال التنظيم من المحلية الى الاقليمية الى العالمية ومن مشروع إعلان دولة خلافة على رقعة محددة جغرافياً تدمج أراضٍ سورية وعراقية، إلى دولة خلافة غير معروفة الحدود، والتي تتمدد بشكل مستمر وباسم مختزل أسهل على الانتشار ويلصق تهمة الارهاب بالإسلام بشكل أوضح، وتغير التكتيك من عملياتٍ إرهابية ومشروع دولة خلافة تتمدد على رقعة جغرافية متواصلة، الى عمليات ارهابية مسرحها مناطق متباعدة في الدول التي ذكرت أعلاه، حتى أإن إحدى العمليات التي تبناها التنظيم كان مسرحها الولايات المتحدة الأمريكية، هذا التكتيك يعد بمثابة ستارة دخان لتشتيت الانتباه عن الهدف الرئيس والمهمة الأساس التي يقوم هذا التنظيم بتنفيذها، وأيضاً لغرض تكريسه كتنظيم ارهابي  عالمي عابر للقارات.
ان توجه هذا التنظيم الإرهابي بعملياته نحو الخليج العربي، وعمليته يوم أمس في المملكة العربية السعودية، ونوعية الهدف الذي اختاره، يصب في نفس خانة أسلوب تنفيذ الخطة التي اتبعت في سوريا، وتوسيع رقعة تطبيق نظريتها التي تعتمد على اإذكاء العامل الطائفي لتفجير المجتمع من داخله وتوسيع التصادم الشيعي-السني في المنطقة.
إن عمليات الحوثيين في اليمن وتواجد تنظيم القاعدة فيها يضعهما في إطار أدوات تنفيذ المهام في الخليج العربي.،السؤال المنطقي هنا هو:
لماذا لم يكن الداخل الايراني ضمن مسرح العمليات، بل كان دور إيران هو تصدير الاستعار الطائفي وتأمين موارد انتشاره، ولماذا لم يقم ما يسمى بتنظيم "الدولة الاسلامية" أو تنظيم "القاعدة" باستهداف أو تنفيذ أية أعمال ارهابية في إيران.؟

علِّق