عدد القراءات: 22063

منحبك يا أردوغان..!!

 

* د.عمار عرب

 

بين منحبكجية أردوغان ومنحبكجية الأسد، ضاع الوعي وضاعت البلد.. هذه هي المشكلة باختصار كما أراها..

فالمشكلة هنا فيما يحدث هي في هذه الظاهرة؛ ظاهرة "المنحبكجية" (نسبة لأغنية منحبك التي غُنيت لبشار الأسد) و التي هي عملياً -أي الظاهرة- مرض يقوم على التقديس الإختياري لأشخاص نافذين، حيث يعاني أصحابها -حسب تحليلي- من مشكلة فيما يخص إحترامهم لذواتهم و لعقولهم، و لديهم شك في صحة قراراتهم، ولذلك لا يرون أنفسهم إلا كأتباع لذلك الشخص النافذ الذي يعرف ويخطط ويبصر ويفكر أفضل منهم، و بالتالي فهو مهما فعل سواء قتل أو دمّر أو سرق أو ارتكب كل الموبقات معصوم و خطؤه مبرر  ..

 

فكروا معي قليلا؛ هؤلاء خرجوا عن طاعة الأسد على سبيل المثال ليس بسبب أخطائه و انتهاكاته فقط، ولكن بسبب لأن الصنم الذي يبحثون عنه لا يتوافق مع طموحاتهم الطائفية، فوجدوه في مشروع صنم آخر وهو الرئيس التركي أردوغان، أو هم صنّموه حسب رغبتهم بما يتوافق مع كل شيء يبحثون عنه حتى في طائفته وربما طائفيته، رغم أن شعبه نفسه لا يعتبره صنماً ولايرفعون صوره تأليهاً كما يفعل منحبكجيته من السوريين  ..

هؤلاء المنحبكجية بقطبيهم الأسدي والأردوغاني لا تتطرق أدمغتهم إلى أن هؤلاء أشخاص مثلهم من لحم ودم، و أن كليهما يرتكب الأخطاء الشنيعة، فبالنسبة للأسد معروف ما ارتكبه من إجرام للجميع، أما بالنسبة لأردوغان فدعونا نناقش قليلا بعض السلبيات التي قام بها على الساحة السورية، مع اعترافنا بقيامه أيضاً بالإيجابيات، فهو كما قلنا "بني آدم" مثلنا :

- اولا كان أردوغان الرجل الذي سمح بتسليح الناس في الشمال السوري بناء على طائفتهم ليحاربوا الأسد، دون تشاور مع أطراف المعارضة السورية الذين رفضوا تسليح الثورة، فأدخل البلد في حالة فوضى سلاح و طائفية غير مسبوقين، ودمرت سمعة الثورة و ساهمت ببيع ولاءات البندقية لمن يدفع أكثر.

- تسليح الثورة أو تسهيل تسليحها دون قدرة على حمايتها، مما ساهم في إدخال المدن السورية بمدنييها ونسائها و أطفالها الخارجة عن سيطرة الأسد في دائرة الانتقام والبراميل المتفجرة، وبالتالي إعطاء الذريعة لتدميرها تماماً، و ما ذلك ربما إلا بسبب جهله المدهش بسبب خلفيته التراثية الطائفية بالقدرة الهائلة والجاذبية الهائلة للثورات السلمية، و خاصة لجهة قدرتها على كبح قدرة النظام التدميرية و قدرتها أكثر على الإبداع الثوري وتسويق نفسها وغير ذلك.

- دعم مجموعات طائفية إرهابية كالنصرة و جيش الفتح و نور الدين زنكي ذابحي الأطفال فخرجت الثورة عن اهتمامات دعم الدول الكبرى و بيضت صفحة الأسد.

- تطييف الثورة بمباركة أردوغانية أخرجها عن اهتمامات باقي مكونات الشعب السوري كالأكراد والمسيحيين والسريان والعلويين، و حتى كثير من السنة من الذين لايتعرضون لمضايقات دينية و تطبيق، حدود وتقييد الحريات عقيدتهم في مناطق سيطرة النظام .

- إن لم يكن تعاون سراً مع داعش، فقد كان إدخالهم البالد مع حليفه السعودي سبباً في جذب كل قتلة العالم الطائفيين لسوريا عبر تهيئ للمستنقع اللازم لتكاثر هذه الحشرات.

- وفي تركيا قبل الانقلاب -والذي وقفنا ضده احتراماً للديمقراطية- بدء بتقييد الحريات وسجن الصحفيين وحبس الخارجين في مظاهرات ضده، و حاول استئصال نفوذ أحد أكبر المعتدلين الإسلاميين المسالمين في خطابهم والمتقاربين مع الآخر عبدالله غولن، بحجة معروفة سلفاً تجسد تماماً العقل الشرقي المرتاب من الآخر ومن الجميع؛ ألا وهي نظرية المؤامرة، وما أدراك ما المؤامرة، والذي كان ثمن الوقوف ضدها لو وجدت أكبر بكثير مما لو سمحنا لها بالمرور .

- قتل واعتقال المعارضين الإكراد والتضييق عليهم ودعم الحرب ضدهم في سوريا .

- بعد الإنقلاب استكمل أردوغان مخططه الإستئصالي عندما عزل آلاف القضاة والموظفين المدنيين ممن لا دخل لهم أساسا بالانقلاب، وذلك لاستكمال مخطط الانقلاب المدني على العلمانية التي كانت سبباً مباشراً في إدخال تركيا في مصافي الدول المتقدمة بعد أن كانت مثالاً للتخلف في العصر العثماني

و السؤال هنا هل نفهم نحن كسوريين أن تقديس الأشخاص هو سلوك مضاد تماماً للنهضة الفكرية المنشودة، فمن أراد أن يكون منحبكجياً فليكن اذا محباً للأفكار النيرة من أي شخص كان، وليسعَ إلى تطبيقها، و ليعادي الفكرة السيئة من أي طرف كان، وليقم بتفكيكها و دحرها، وعندها نكون قد بدأنا فعلا مشوار النهضة السورية

 

* عمار عرب: جراح مخ و أعصاب مقيم في ألمانيا ، نائب رئيس تيار بناء الدولة، عضو المكتب السياسي ، باحث و كاتب

 

----------------------------------------

*هذه المادة تعبّر عن رأي الكاتب، ولا تعبّر بالضرورة عن رأي موقع السوري الجديد

 

علِّق