عدد القراءات: 18841

ملاحظات وأفكار من كتاب "العرب من وجهة نظر يابانية"

 

*معتز شكري فيصل

 

في كتابه (العرب من وجهة نظر يابانية) لاحظ الكاتب الياباني المستعرب نوتوهارا، والذي عاش أربعين سنة في متنقلاً بين الدول العربية، مشرقها ومغربها، باديتها وحضرها، صحرائها ومدنها، أشياء كثيرة دونها في كتابه المذكور أعلاه، أنقل لكم منها، بتصرف، فكرة واحدة حول القمع والتسلط في بلادنا:

"القمع بكل أشكاله مترسخ في المجتمعات العربية وهو أصل كل المآسي والمشاكل هناك لأنه أصبح صفة إنسانية تلازم الإنسان العربي وصار جزءاً من شخصية إنسان المنطقة وهو يمارس على الجميع من أعلى درجات السلطة إلى أدنى طبقات المجتمع يمارسه الجميع على الجميع كل حسب تراتيبيته الاجتماعية والسلطوية. هذا القمع وهذا التسلط منع وجود المواطن الفرد وجعل استقلاليته تذوب وخصوصيته تختفي. لقد غاب مفهوم المواطن الفرد لتحل محله فكرة القطيع المطيع للنظام السائد بمجموعه، والقطعان المتفرقة المطيعة لمن هو أعلى منها في جميع تراتيبات المجتمع: البيت، المدرسة، العمل، النقابة، الحي، المسجد، الوزارة الجيش، السلطة الحاكمة......."

"نتيجة هذا القمع  والتسلط تغيب فكرة العدالة الاجتماعية وبالتالي فكرة المسؤولية والوعي بالمسؤولية تجاه الوطن لذلك لا يشعر المواطن في هذه الدول بمسؤوليته عن الممتلكات العامة بل يسعى إلى تخريبها والانتقام منها، ويغيب الشعور بالمسؤولية تجاه أفراد المجتمع الآخرين، فكل إنسان يسعى للخلاص الفردي ولا يهمه ما يتعرض له الآخرون حتى لو كان سبب تعرضهم للأذى محاولتهم إنقاذه وإنقاذ المجتمع وحتى لو كانوا يضحون بأنفسهم في سبيل أن يحيى هو حياة أفضل."

 

وأقول:

هذه الفكرة محورية وأساسية باعتقادي ويؤيدها ما وصلت إليه بلادنا بعد الربيع العربي فقد كان الجميع يحلم ويتصور أن أساس المشكلة هو الحاكم الظالم المستبد، ولكن الأيام أظهرت لنا أن المشكلة مشكلة في بناء الفرد المواطن الذي يعيش في هذه البلاد، وهنا أتعمد ألا أقول المواطن العربي لأن بقية الإثنيات والقوميات تعاني من نفس المشكلة فهي وليدة هذه البيئة وهذا التاريخ وهذه الجغرافيا لا يختلف أبناء دين عن أبناء دين آخر ولا أبناء طائفة عن أبناء طائفة أخرى ولا أبناء عرق عن أبناء عرق آخر فالكل في الهم شرق,

ما كنا نحسبه أو نحمّله للحاكم الظالم صار يجب أن ننظر إليه على أنه مشكلة اجتماعية تربوية بنيوية عامة هي مشكلة وصلت إلى الجينات في كل واحد منا. ما نراه اليوم من صراعات بين من يسمون أنفسهم إسلاميين ومن اضطهادهم لبعضهم البعض قضى على كل نظريات الحرية والسعادة والمجتمع المدني والحرية التي كانت تنادي بها هذه الجماعات وهذه الفصائل وارتكب جريمة أخرى بحق الإسلام عندما نسبوا كل ما يفعلونه اليوم إلى الإسلام وجاؤونا بالأدلة الشرعية عليه بل صاروا يتنافسون في اختراع الأدلة وليّ أعناق الآيات والأحاديث ليثبتوا أنهم يتصرفون بوحي الإسلام وبتعاليم الإسلام والإسلام بريء من كل ما يقومون به من ظلم وقتل وطغيان وفساد.

 

لا تذهب أفكاركم إلى داعش فهي قمة جبل الثلج فقط وإنما أعني الجميع ممن يرفعون الرايات الإسلامية ويبسملون ويحوقلون قبل كل خطاب وتتغير أشكالهم لتوائم الراية التي يقفون تحتها، ثم هم في مجال التطبيق لا يختلفون قيد أنملة عن النظام السابق أو النظام الذي يقاتلون ضده أو يحاولون إسقاطه.

ما يجري اليوم في سوريا واليمن وهما مثالان ممتازان لأن المعركة فيهما طالت ضد الأنظمة الفاسدة وتداخلت فيها المصالح  وتقاطعت وتشابكت بحيث تبين فساد الجميع وإجرام الجميع وتواطؤ الجميع. التشرذم، الفرقة، القتال المتبادل، صراع المصالح، المصلحة الفردية والآنية، القمع الذي يمارس ممن بيده أدنى قدر من السلطة والقوة على من لا يملك منها ما يكفي، واعتداد كل ذي رأي برأيه سمات واضحة صريحة تزداد وضوحاً كل يوم منذ خمس سنوات إلى اليوم ولا بارقة أمل في تغير أي شيء. كل ما تغير أن السلطة كانت تقمع باسم البعث والطائفة أما اليوم فيتم القمع والتسلط تحت شعار: قال الله وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو تحت شعار العلمانية والحرية وحتى الديمقراطية.

 

لا يحاول أحد أن يصطاد في الماء العكر ليقول أنني أشجع على بقاء الأنظمة التي ثارت ضدها الشعوب ولكنني أبحث مشكلة أساسية تربوية اجتماعية أرى أن تعميمها على الفرد العربي أو إنسان المنطقة بصورة أصح هو بداية معرفة المرض لإيجاد الحل. لا يمكن لعاقل أن يدافع عن هذه الأنظمة البائدة كما في ليبيا وتونس أو التي استبدلت بها كما في مصر أو التي لم تسقط بعد كما في سوريا واليمن ليقول إن القادم أسوأ. فتلك الأنظمة هي القمة في كل منقصة وسوء وفساد ومهما جاء بعدها من سوء فهو من آثار صنيعتها الإجرامية خلال خمسين عقداً من الاحتلال العربي للعرب وقبل التخلص منها لا يمكن أن تكون هناك أصلاً بداية لأي إصلاح جديد. المشكلة هي الآن في كيفية التغيير وهل سننتصر دون وحدة ودون أن نتخلص من هذه الأمراض التي نعاني منها كالتسلط والقمع والإنفرادية وعقلية ما أريكم إلا ما أرى؟ كل هذا سيطيل أمد الثورة وسيبعد النصر وسيزيد الضحايا والدماء إلى أن نعي أننا السبب الرئيسي في تأخر النصر ثم نغير مواقفنا ليغير الله ما بنا.

المصيبة في بلادنا عميقة الجذور ويحتاج حلها إلى أجيال ولكن البداية حتماَ في إسقاط ما تبقى من هذه الأنظمة العفنة، وهذا لن يكون دون وحدة الجهود واتفاق الفرقاء وبعد هذا يكون لكل حادث حديث.

 

 

 

 

التعليقات

التنظير من بعيد يحسنه كل واحد أما النزول للواقع والعيش في سوريا يوم واحد أظنك لا تتحمل هذا فكفاك تنظير وتقطير

علِّق

المنشورات: 3
القراءات: 38396