عدد القراءات: 2612

مؤتمر الرياض، انتقام السياسة...!!

 

* حسان محمد محمود

 

حسان محمود.jpg

ضمور السياسة في الثورة ما كان إلا امتداداً ونتيجةً لغيابها قبلها، ثم صار ـ الضمور ـ  سبباً لمآسٍ يعزوها جهل أهمية السياسة لجهاتٍ أو مشيئةٍ إلهية.

جهل السياسة، وتجاهلها، لا يرحمان، لأنها الواقع غير الرؤوف بمن ينكره، فينتقم لنفسه بنفسه، من كل فكرةٍ أو كيانٍ يجهله أو يتجاهله.

 

ها هو الواقع يرغم غير المدركين محورية، بؤرية، مركزية السياسة، يخاطبهم:

ـ أيها الناشط الإعلامي، يا من حسبت نفسك قائداً سياسياً، وظيفتك تقنية، جزئية، إن لم تُـثمّر سياسياً يكون نشاطك صرخةً في الصحراء.

ـ وأنت يا حامل البندقية، لست سياسياً إلا بالقدر، والمستوى الذي يربط "الباطنجي" بهندسة العمارة.
ـ ولا تحسب نفسك في السياسة أيها القس، أو الشيخ أكثر من ممرضٍ، لا يعني ارتداءه مئزراً أبيض كمئزر الطبيب أنه صار طبيباً.

ـ انتبه أيها الشاعر ! فلا تأخذك خيلاؤك اللغوية نحو مهاوي الاستسهال والاستعجال، فوثيقة سياسية مكونةٌ ـ كما القصيدة ـ من كلمات تحكمها قواعد النحو لا تعني مطلقاً أنها قابلةً للصرف كقصيدتك، الاختلاف كبيرٌ بين صرف الأوهام والمشاعر وصرف الحقائق والوقائع. فضاؤك الجمال، أما فضاء السياسة فهو المصالح.

ضمور السياسة لا يعني فقط احتقار العامة لها، بعد أن تجذر فهمٌ لها وانطباعٌ عنها بأنها الكذب والمراوغة، جالبة وجع الرأس والمؤامرة، و سائر ما ينعت به الشعب هذا النشاط البشري.

ضمور السياسة لا يقتصر فقط على غياب مؤسساتها "أحزاب، نقابات، برلمانات، جمعيات" أو اضمحلال ثقافة ممارستها "مفاوضات، تنازلات، انتخابات، تحالفات"، ضمور السياسة ـ قبل كل شيءٍ ـ هو أن يكتفي الإعلامي بالرؤية من عدسة الكاميرا، والعسكري من المسدد الخاص بالدبابة أو البندقية، ورجل الدين من نظارات فصلها إلهٌ أو مجمعٌ فقهي، والشاعر من شغاف قلبه وبصيرة روحه، والحقوقي من خلف زجاج القوانين والقرارات...

كل ظلمٍ للواقع، وقسرٍ له، لا يدوم. وأي استخدام لمعايير حقلٍ معينٍ في حقل آخر، سيدفع المستخدم ثمنه. لا المعايير خاسرةٌ صرامتها، ولا الواقع سوف يتكيف مع "أخطائنا".

هل كان كل هذا الثمن مستحقاً كي تنتقم السياسة لغيابها؟

نعم، وعلى الضفتين: من غيّبها، ومن غُيّبت عنه. نعم، وللجميع: المستفيد والمتضرر من هذا الغياب.

السياسة ليست "كلاماً فارغاً" لمجرد أنها لا تُعنى مباشرةً بالأزياء، والموضة، والطبخ، والهندسة، والطب، والشعر. السياسة إفصاح الحاجات عن نفسها بوسيلةٍ مختلفة، ولو تجنبت المعارضة السورية هذا الكلام، ولم تذهب إلى "الرياض" وتصدر وريقات تتضمن كلاماً مطبوعاً كهذه المقالة؛ لالتهمتها مصالح "كلمات ووريقات" العالم، برمته. هل يصح تشبيه أثر وثقل وريقات مطبوعة لمؤتمرٍ بوريقات مطبوعة تتضمن شعراً أو مواد قانونية أو رموز لمعادلات رياضية؟ أليس لكل ورقة ومحتواها حقل خاص بها، وأثر على الوجود مختلف عن أثر مثيلاتها من الوريقات؟

السياسة تستدعي، تتطلب، التنظيم. تنتج العقل المركزي، كما هو ينتجها، وتعطيك العنوان. تخيل نفسك تريد تحقيق مصلحتك مع جيرانك، ألا تحتاج عنواناً توجه إليه خطابك؟ إن لم يكن لدى هؤلاء عقل مركزي، يتحكم، يضبط، يسيطر، ينفذ اتفاقك معهم، هل للاتفاق وجهدك لبلوغه معنىً أو ثمرة؟

لا يعيب السياسة اقترانها بالمصلحة، لِمَ نعتبر المصالح عاراً؟ أين العار في أن يكون لمجموعة بشرية " المهندسون مثلاً" مصلحةٌ في تغيير قانون يطال مهنتهم، أو في زيادة أجورهم، فتنبري نقابتهم، والمهندسون المنتشرون في شتى الأحزاب السياسية، والمهندسون النواب في البرلمان، والمهندسون العاملون في وسائل إعلام، للمطالبة والشرح والدفاع عن "مصلحتهم"؟

أتعرف أنك سياسيٌّ حتى لو لم تنتسب إلى حزب؟

ثمة فوارق كبيرة وكثيرة بين السياسة العامة والسياسة "الحزبية". أنت تقصر فهمك للسياسة بالانتساب لحزب فقط، هذا ما تتصوره أنت عن السياسة.

الصحفي في مهنته يمارس السياسة العامة، النقابي في نقابته كذلك، العضو في نادٍ رياضي حين ينتخب إدارته ويحاسبها يعمل في السياسة العامة، المتظاهر في الشارع والمعتصم سياسيان حتى لو لم يكونا عضوين في حزب.

السياسة الحزبية: شكل محدد، نمط معين، مستوى مكثف للسياسة، لا السياسة كلها.

و لماذا خرج الناس في مظاهرات؟ أليس من أجل إعادة السياسة إلى حياتهم؟ بل السياستان: العامة والحزبية.

لم تخرج المظاهرات كي يأتي شيخ فيسرق حاجة الناس لعودة السياسة، فيعود بهم القهقرى، عكس اتجاه التاريخ "الدين لله والوطن للجميع". أتريد يا شيخ إعادتنا إلى ماضي أوربا المظلم، فيسيطر أكليروس الكنيسة على الدولة؟ أم تراك تريد تقليد مشايخ " قم والنجف" ؟

ومن أنت أيها العسكري حتى تعكس مقولة " الحرب امتداد للسياسة إنما بوسائل أخرى" وتقلبها لتصير "السياسة امتداد للحرب" ؟ أليس ضد اشتقاق السياسة من سطوة العسكر انتفض البشر؟ أتريد تكرار خطيئة الذين انتفضنا عليهم؟ سوف ننتفض عليك، ونقضي على مشروعك هذا، ونعيد السياسة إلى ما تستحق من مكانة: قاطرةً لا مقطورة.

ما جرى في الرياض لم يك مؤتمراً، هو انتقام السياسة لنفسها، تجلى مؤتمراً. وهو انتقامٌ جميل.

علِّق

المنشورات: 5
القراءات: 42698

مقالات الكاتب