عدد القراءات: 4309

لستُ أرضى "الجاهلية"..!؟

 

* د. وائل مرزا

 

لسببٍ ما، خَطرَت في البال، مع انتشار صورة الطفل السوري إيلان الكردي منذ أيام، أنشودةٌ قديمةٌ كانت مُنتشرة بين الشباب "الملتزمين" في سوريا. كان مطلع الأنشودة أبياتاً يغنيها المنشد "أبو دجانة" بشكلٍ فردي، يقول فيها: "يادمعةً في عينِ أحمدَ أشرقت  أوَيُشتكى بالدمعة الخرساء"..

تداعت الذكريات، فبحثتُ عن النشيد على موقع (غوغل)، الذي لا يبدو أنه يُخيب أمل أحدٍ، حتى من المسلمين، مع أنه، مثل كثيرٍ من غيره من ملامح ثورة العصر التكنولوجية، إنجازٌ لـ "كفار".. يدعو عليهم بعض أولئك المسلمين بالدمار وأن "يُهلك الله حرثهم ونَسلَهم"، والمشكلةُ أن كثيرين يقولون "آمين"..

ماعلينا. وجدتُ النشيد وانتبهتُ أن عنوانه كان "لستُ أرضى الجاهلية".. لفت العنوان نظري بعدَ كل هذا الزمان. فبغضﱢ النظر عن الدلالات المتعلقة بمصطلح "الجاهلية" كما ورد في القرآن، أصبح المصطلح، في الفهم الإسلامي العام خلال العقود الماضية، مُتخماً بحمولةٍ كبيرةٍ سلبية تتعلق بكثيرٍ من فعاليات الحياة الإنسانية، لكن الأخطر فيها أنها باتت (الحاضنة) التي وُلدت من رَحِمِها معاني التكفير والمفاصلة مع (الآخر) أياً كان، وصولاً إلى تفريخ كل ممارسات الغلو والتطرف والإرهاب.

لاشك أن الحفر في الدلالات الأصلية للمصطلح، وفي كيفية تطور المسألة تاريخياً وثقافياً لتصل إلى واقعها الراهن أمرٌ ضروري، لكنه مقامُ بحثٍ آخر.

 

مايهمني هنا، بالنمط الخاص لهذا المقال، هو انتباهي إلى أنني كنتُ لاأطرَبُ للأنشودة فقط، بل وأتحمس للمعاني (الطهورية) الواردة في كثيرٍ من أبياتها وكلماتها. لكنني انتبهتُ لمفارقةٍ أخرى: ثمة شرائحُ ممن عاشوا خلال تلك الفترة، وبعدها، أجواءَ ثقافة هذا النشيد وأمثاله. وقد أصبح هؤلاء متطرفين بشكلٍ من الأشكال، وربما إرهابيين.

في أقل الأحوال، هناك شرائحُ أخرى لم يحدث معها ذلك التحول الجذري، لكن أفرادها باتوا أكثر "غلظةً وخشونة" في طباعهم وطرق تعاملهم مع الناس بشكلٍ عام، ومع (الآخر) غير المسلم تحديداً. وإجمالاً، صارت قاعدةُ رؤيتهم للعالم وأهله، خارج إطار المنتمين للإسلام، متوجسةً وحذرة، بل تَغلبُ عليها، بدرجات متفاوتة، مشاعر البُغض والكراهية. قد لايُصرحُ بذلك أغلبهم، لكنك تجد مصداق ذلك في تعليقاتهم وأفكارهم حول كثيرٍ من الوقائع والأحداث، خاصةً ذات الطبيعة العالمية منها.

هاجمتني، هنا، فكرةٌ أخرى. كيف (نجوتُ) من هذا المصير بمستوييه المذكورين أعلاه؟ كيف حصل هذا، مع أن في تكوين شخصيتي حباً للأدب والشعر والغناء يجعلني أكثرَ تفاعلاً مع المعاني الواردة فيها؟ لم أكن وحدي بطبيعة الحال من نجا من ذلك (المأزق) الذي باتَ أحد ملامح مشكلتنا الحضارية كمسلمين، بل كان ثمة أفرادٌ هنا وهناك. وأنا أعرف بالتأكيد، شخصياً، شرائح كبيرة من الطرف الأول من مدخل متابعة الأخبار والتواصل وماإلى ذلك، وأعرف أفراداً من الطرف الثاني كذلك. بمعنى أن الأمر لايتعلق باستقراءٍ نظريٍ مُجرد، بل بتجربةٍ شخصيةٍ مُتطاولةٍ وعميقة.

صارَ الأمر عندي ظاهرةً تستحق البحث عن التفسير، وهذه محاولةٌ للحديث فيه.

عدتُ، من ناحية، لاستعراض تلك الأبيات والكلمات فوجدتُ فيها معاني يمكن القول أنها (حمالةُ أوجه) ومعاني أخرى واضحة في دلالاتها المباشرة. لنستعرض مثلاً هذا المقطع:

"كُلما أبصرتُ خوضاتِ البشر / في متاهاتٍ تنوءُ بالفِكَر / كلما طالعتُ مُبتدعَ الصور / قلتُ في عزةِ من أوعى العِبر / لستُ أرضى الجاهلية".

حاولتُ ماأمكن استرجاع مشاعر تلك الأيام، فوجدتُ أنني كنتُ أمارس عملية تأويلٍ للمعاني بحيث تنطبق على الظواهر السلبية حقاً في الحضارة المعاصرة. فقد كان ولايزال إلى اليوم ثمة "خوضاتٌ للبشر"، بمعنى الممارسات السلبية، في كل مكانٍ في الدنيا، وهي تُنتج فعلاً "متاهاتٍ تنوء بالفِكَر"، تيهٌ وسطحيةٌ وخواء تقتل عالم الأفكار بكل الخير الكامن فيه للبشرية. وهناك دائماً، يومَها والآن، "صورٌ مُبتدعة" لطرق التفكير والحياة تُغالي فيها الحضارة المعاصرة، مُبتعدةً عن معاني وقيم الحق والعدل والحرية والجمال. وفي النهاية، كانت تلك بعضُ ملامح "الجاهلية" التي كنت أفكرُ فيها بدرجةٍ من الشعور الحقيقي بـ "العزة" الإنسانية. عزةٍ مُستمدة من محاولة التواصل مع خالقٍ حكيم أوصانا بالتفكر وأخذ العبر، وتحديداً، للحفاظ على القيم والمعاني المذكورة أعلاه.

لكنني وجدتُ، بعد ذلك، في الأبيات والكلمات ماهو أوضحُ في دلالاته وتأثيره على العقول والقلوب، وفي طرق التفكير والحياة، إذا لم يمتلك الإنسان التوازنات المطلوبة. لننظر مثلاً إلى هذا المقطع:

"كلما عاينتُ تيهَ المُلحدين / في فسادِ الخُلقِ والفنﱢ المُهِين / قلتُ في عزةِ أربابِ اليقين / لستُ أرضى الجاهلية".

ثمة مصطلحات هنا تتحدث عن الإلحاد والأخلاق والفن يمكن أن تكون طريقةُ فهمِهما مفرقَ طريق في حياة البشر والمجتمعات. فمن جهة، يمكن وضعُ هذه الكلمات وأصحابها، بتعميمٍ كامل، في خانةٍ مُضادة لكل ماله علاقةٌ بمعاني الخير والحق والعدل والجمال والحرية، التي يمكن أن تُصبح في أذهان البعض (مُلكيةً حصريةً) للمسلمين، لايمكن لغير مسلم أن يكون له علاقةٌ بها من قريبٍ أو بعيد.

أعتقد أن هذا كان فهم كثيرين ممن عاشوا أجواءَ النشيد المذكور، وثمة شواهدُ لاتُحصى في واقعنا على ذلك. لكنني لم أفهم أبداً الموضوع بتلك الطريقة يومها، وإنما مارستُ، هنا أيضاً، التأويل، بحيث تنطبق الدلالات السلبية للكلمات على من يكون الفن والإلحاد وفساد الخلق مدخلاً له ليملأ الأرض جوراً وظلماً وعدوانا. والمؤكد أن هؤلاء كانوا ولايزالون، وسيبقون، موجودين في الأرض. وهؤلاء أيضاً من كنت "لاأرضى جاهليتهم" بكل "عزةٍ ويقين".

عند هذه النقطة، نبَّهتني زوجتي، وكانت بدايةُ التفكير في القضية معها، إلى حقيقةٍ تتعلق بالموضوع بشكلٍ وثيق، وتحمل في طياتها قوةً تفسيريةً إضافية:

"لكنكَ كنتَ في نفس الوقت تسمع الموسيقى، وتعشق أغاني فيروز" قالت. مضيفةً بعد ذلك:

"وكنتَ تشاهد المسلسل الأمريكي (منزلٌ صغير في البراري)، وتقرأ كتباً من مختلف المدارس الفكرية، وعندك أصدقاء قوميين ويساريين وليبراليين، و... تهتمُ لأمر هندامك"!

ومع أنني تعلمتُ في المسجد وحلقات الدرس علوم التفسير والحديث والفقه والسيرة والتراجم، تذكرتُ مع كلماتها أنني كنتُ أيضاً أقرأ الروايات العالمية بنَهَم. أكثرُ من هذا، كنت أشجعُ علناً بين أصدقائي فريق مانشستر يونايتد الإنجليزي، وأزور دورياً المراكز الثقافية الأوربية لأحضر فيها المعارض الفنية والأفلام، بل إنني أخذتُ دورات لتقوية اللغة الإنجليزية في المركز الثقافي الأمريكي الذي لاتزال بطاقة عضويته في أرشيفي للذكرى!

كان هذا الجزء الثاني الذي أكملَ عندي فهمَ الظاهرة.

فقد كانت كل هذه الممارسات، فيما يبدو، وهي تتميزُ بالانفتاح على العالم وعلى الآخر، وعلى الفن والأدب، وعلى الحياة بمعناها الواسع، كانت تلعب دورها الحساس دوماً في (موازنة) المشاعر التي تَنتج عن سماع الأنشودة المذكورة والحياة مع كلماتها وفي أجوائها. لقد كانت جذر عملية (التأويل) التي كنتُ أستخدمها، عفوياً دون أن أشعر، في الموائمة بين انتمائي لدينٍ إنساني حضاري، كما كنتُ أومنُ ولا أزال، وبين انتمائي الطبيعي للإنسانية نفسها، والتي جاء هذا الدين لخدمتها، بكل مافيها من حيوية وطلاقة وآفاق.

للمفارقة، كان ماتحدﱠثت عنه زوجتي، مع الممارسات الأخرى، السببَ الذي حال دون عرض فكرة (التنظيم) علي في إحدى الجماعات الإسلامية التي كنتُ قريباً من أوساطها آنذاك! كما علمتُ بعد عقدٍ من الزمن. فالممارساتُ تلك، تحديداً، لم تكن أبداً في لائحة (المؤهلات) المطلوبة للعضوية. بل إنها، على العكس، كانت بأسرها تُعطي (علامات رسوب) في عملية التقويم لذلك الغرض.

لكن ثمة مقطع مُعبر في آخر النشيد أودﱡ مشاركة القراء به يقول:

"كلُ هذا من أساليب الطغاة / حطَّموا طاقاتِ هاتيك الحياة / أوقفوا الإنسان عن نيلِ مُناه / لستُ أرضى الجاهلية".

ويعلم السوريون أكثر من غيرهم، في تلك الأيام وإلى يومنا هذا، معنى وجود "طغاةٍ يحطمون طاقات الحياة ويمنعون البشر من نيل حقوقهم وأمانيهم". لهذا، لم يكن غريباً، أبداً، التفكيرُ بهؤلاء على أنهم جزءٌ أصيلٌ لايتجزأ من "جاهلية" لم يكن لي، ولا لغيري، أن نرضاها يومذاك، فضلاً عن أن نقبل بها اليوم أو غداً.

ربما نفهمُ من هذا المقال، بواقعيةٍ أكثر، شيئاً من تاريخنا، في سوريا وغيرها، مسلمين كنا أو غير ذلك.

ربما يدفعنا ذلك الفهم للتعرف على جذور مشاكلنا الثقافية، خاصةً في مجال فهم الدين وتنزيله على الواقع.

ربما يكون هذا عوناً، لنا جميعاً، لرؤية مداخل حلول المشكلات، ولتطوير أدوات وطرق التعامل معها، بعيداً عن واقع الاستقطاب والفرز المتحكم برقابنا، ومصيرنا، ومستقبلنا،هذه الأيام.

وربما، أخيراً، يُصبح كل ذلك سبيلاً لوحدةٍ في الهدف، والحركة، ترمي إلى وقف طغيانٍ يحاول أن يخلط الأوراق، ويشوه التاريخ، ويقتل الثقافة، ويقسم المجتمع، ويوظف الدين، ويمنع وجود كل مايمكن أن يحفظ طاقات الحياة التي تُمكننا كبشر، وكسوريين خصوصاً، من نيل حقوقنا وتحقيق أهدافنا وتطلعاتنا.

علِّق