عدد القراءات: 8875

كيف تعامل بعض الدعاة الجدد مع الثورة السورية.. عدنان إبراهيم نموذجاً

للاستبداد في ثقافتنا جذور عنيدة على العلاج علاوة على الاقتلاع، فقد ابتلينا بموروث ثقيل مدعّم بروايات ما أنزل الله بها من سلطان وبتجربة تاريخيّة عمرها ما يزيد عن أربعة عشر قرناً من التداول العنفيّ للسلطة، حيث أزهقت أرواح الملايين في لعبة الصراع على الكرسيّ، وحُشدت نصوصٌ بعد أن أُخرجت من سياقها، وتمّ تدجين الأمّة على الصمت والخوف بسلاح النص، وبسلطة رجال الدين، بعد أن أفرز المجتمع طبقةً من رجال الدين أعانت الطغاة على إسكات الناس، وبرّرت كل تجاوزاته طالما أنّهم ينطقون بشهادة التوحيد، وكانوا عوناً لهم في تصفية الأصوات المعارضة، التي خرجت إمّا طلباً للإصلاح في الأمّة، أو طلباً للمشاركة في السلطة والثورة على فكرة الاحتكار..

لعلّ المعركة مع سدنة الاستبداد، وأخصّ منهم مشايخ السلطة، لا تقلّ أهميّة و ضراوة عن المعركة مع رأس السلطة نفسه. لذلك كان لا بدّ لأي حركة تغيير إصلاحيّة في المجتمعات الإسلاميّة أن تمرّ بفترة مجابهة وصدام حتميّين كخطوة أولى، لا مفرّ منها، قبل الانتقال إلى مرحلة الصدام مع السلطة. وأكاد أجزم أنّ غالبيّة الدعوات الإصلاحية، إن كانت ذات توجّه اجتماعي أو سياسي، قد مرّت بمرحلة الصدام مع رجال الدين المنظّرين لاستقرار السلطة.
لم تقم الثورات العربية بأكثر من رفع الغطاء عن الواقع بكل عيوبه، ولذلك لم يكن مستغرباً أن تصطدم الثورة بسدنة الاستبداد منذ اليوم الأوّل لاندلاعها، وكان هذا الصدام مؤشّراً على سير الأمور ضمن سياقها الطبيعي السليم، فمواجهة من هذا النوع تمثّل ثورة ثقافية فكريّة لازمة وضرورية لاستكمال الثورة على الواقع السياسي. لكنّ الأمر لم يقف عند هذا الحد، فالتعريّة لم تقتصر على السدنة التقليديّين للاستبداد، أي مشايخ السلطة المعروفين للجميع، وإنما طالت جوانب كثيرة أخرى لم تكن في الحسبان. فقد كشفت الأحداث عن تخبّط وسوء تقدير عند تيارات كنّا نعتقد أنّها حسمت أمرها مسبقاً من قضيّة الثورة على الاستبداد.. ظهر التخبّط في تيّار اليسار الذي يفترض أن يضعه نسقه الفكري المحمّل بأفكار العدالة الاجتماعية في الصفوف الأولى عند أوّل مواجهة مع أنظمة الفساد. لكنّ أكاذيب الممانعة شوّشت على موقف أتباع هذا التيّار، فانحازوا لأنظمة الشعارات الفارغة على حساب قضايا الشعوب..
موقفٌ مشابه نجده عن بعض الدعاة الجدد الذين يحملون خطاباً دينيّاً إصلاحيّاً وتجديديّاً في فهم التاريخ والنصوص، كما في موقف الداعية عدنان إبراهيم الذي كان يُتوقّع منه الوقوف الحاسم مع قضايا شعوب المنطقة في وجه الطغاة. فهو صاحب المواقف الحاسمة والصارمة من المستبدين التاريخيّين كحكّام بني أميّة وعلى رأسهم معاوية بن أبي سفيان، والذي خصّص له الدكتور عدنان العديد من الخطب "الناريّة" لتفنيد الروايات التاريخية التي تثبت دوره في تأسيس الملك الأمويّ العضوض، وفي سنّ تلك السنّة التي أخذها الخلفاء من بعده في شرعنة ولاية المتغلّب والاستيلاء على السلطة.
لم يساور الدكتور عدنان الشك مطلقاً وهو يقف موقفه الصارم تجاه معاوية معتمداً على روايات منقولة عن أحداث جرت قبل أكثر من 14 قرناً، فكان معاوية بن أبي سفيان في نظر عدنان إبراهيم (كما ذكر في إحدى خطبه) هو رأس وإمام البغاة، وصاحب الطموحات السلطويّة "الحقيرة"، وهو كذلك شارب الخمر  وضعيف الإيمان وهاتك الأعراض مستحلّ الربا. بينما جاء موقفه من نظام بشار الأسد الذي تابع العالم إجرامه على الهواء مباشرة أضعف بكثير من موقفه من استبدادٍ مضى عليه قرون عدّة. فبشّار الأسد في نظره (كما ذكر في خطبة ثانية) : "طاغية حتّى وإن كان يقاوم ويكافح في وجه مخطّط جهنّمي تقسيميّ يستهدف المنطقة".. وهذه الـ "حتّى وإن" تخفي الكثير من المسلّمات التي لم تهتز على ما يبدو عند الشيخ الداعية، وعند كثيرين غيره، حول الهويّة "المقاوماتيّة" لنظام الأسد، على الرغم من كل ما شهدناه من حقائق تفقأ الأعين خلال السنوات الأربع الأخيرة، والتي تدحض كل ادعاءات الممانعة وأكاذيبها..
في ظهوره الأخير على قناة الميادين في نهاية العام 2014 كشف كلام عدنان إبراهيم عن قراءته الخاطئة للحدث السوري، وأظهر مدى تأثّره بخطاب المقاومة الزائف، مما جعله يقف موقفاً معارضاً للثورة السورية، حيث يقول بالحرف الواحد: "أنا لم أؤيّد الثورة السوريّة من أول يوم"، فالنظام السوري حسب رأي عدنان إبراهيم مستهدفٌ من القوى العظمى لاحتضانه المقاومة الفلسطينية، ومما أستغربه شخصيّاً قطعيّة الدكتور عدنان في أحكامه على مستبدّين سابقين لم يعاصرهم، ثمّ موقفه المتردّد من أنظمة مافيوزيّة وظيفيّة لم تترجم شعاراتها القوميّة والوطنيّة الزائفة إلا بتدمير البلاد وارتكاب المجازر على مدى عقود ! ولعلّ الكثير من هذا الاستغراب يزول إذا ما علمنا درجة تأثّر عدنان إبراهيم بالشيخ البوطي، وهو بذلك يقع في تناقض منهجيّ آخر، حين يعظّم مشايخ السلطة المعاصرين بعد كلّ الذي قاله في الفقه القديم الذي ساهم في تكريس الاستبداد ! فقد ترضّى مراراً على الدكتور البوطي وزكّاه متناسياً أنّ الأخير هو أحد أهم سدنة الاستبداد، وواحد من ذوي الحظوة والمكانة في نظام الأسد الأب.. كيف يمكن لشخص وقف موقفاً لا مهادنة فيه مع فقه السلطة في زمن معاوية أن يدبّج خطب المديح في واحدٍ من أعتى مشايخ السلطة المعاصرة، والمدافع الأكبر عن استقرارها وأشرس المناوئين لخصومها ! كيف لنا أن ننسى هنا كيف أنّ البوطي ــــــ الذي رأى فيه عدنان إبراهيم امتداداً للسلف الصالح!ــــــــــ قال عن المتظاهرين السلميين في بداية الثورة: إنّ جباههم لا تعرف السجود.. بينما قال عن أفراد جيش النظام أن ليس بينهم وبين أن يكونوا في مرتبة الصحابة إلا أن يرعوا حقّ الله في أنفسهم !
لا بدّ من التأكيد على أهميّة أي جهد ثقافي تجديدي يعمل على التنقيب في سيرة الاستبداد الأولى، ولا شكّ أيضاً أن الحقبة الأموية هي الأخطر والأهم على هذا الصعيد كونها كانت تأصيليّة على مستوى ولاية المتغلّب وتحويل الخلافة إلى ملك متوارث. لكن، لا بدّ من الإشارة إلى أنّ الموقف الحازم مع الاستبداد القديم يفقد مصداقيّته بالمطلق إن ارتمى صاحبه بأحضان أنظمة دموية معاصرة، وهي أنظمة رأينا جحيمها بأمّ أعيننا، ولم ينقل إلينا قيل عن قال.. وشتّان ما بين أنظمة مستبدّة أقامت حضارة وأنظمة مافيوزية لم تقدّم إي إنجاز يذكر، اللّهم إلا إنجاز الإبادة الجماعيّة للاحتفاظ بالكرسيّ حتى آخر مواطن..  مع أنّ بعض هذه الأنظمة أمضى في الحكم ما يقارب من نصف العمر الزمني للدولة الأمويّة
 

التعليقات

ابو مجاهد هذا الموقع يبين ايضا حقيقة الأخوان المسلمين زعماء الأرهاب والخيانه. ولو غازلهم نظام الاسد الآن لركضوا اليه وانقلبوا على الثوره السوريه...

علِّق