عدد القراءات: 4525

قمة المناخ.. وانهيار الأخلاق

 

* حافظ قرقوط

 

حافظ قرقوط2.jpg

وهكذا تم الخروج باتفاق دولي حول المناخ، وبارك الجميع للجميع بالتساوي، دول عظمى وكبرى ووسطى وصغرى، ودول لا تصل إلى بعض قراها محطات التلفزة وربما الكهرباء كلها، ووزعت الابتسامات الديبلوماسية على الكاميرات، وانتصرت الأرض بساكنيها.

نحن أيضا كسوريين نبارك للكرة الأرضية وقاطنيها الذين عليهم صونها بأمانة لأحفادهم، كما كنا نرغب أن نترك أرضنا السورية آمنة لأحفادنا، هنا وفي مناخنا المشبع بالسواد والدم، بداية من كيمياوي الأسد على أنفاس الطفولة، وليس انتهاء بطائرات بوتين، أو لطميات ملالي إيران، ولا حتى بعباءة البغدادي كحليف نفطي وفكري وفقهي في علوم الإنسان والمناخ.

 

هكذا نحن في انتمائنا للإنسانية ومنذ ربيع عام 2011، نبحث عن قمة للقيم الإنسانية كمناخ للضمير والأخلاق الدوليين، تستند إليها الأجيال القادمة، كدرع يصون كرامة الإنسان الذي عليه أن يحيا على هذه الأرض، وتصون حياته ومستقبل أحفاده، هنا في بلدي المظلل بالطائرات المتعددة الماركات وفوهات القذف والرصد، والمسوّرة بابتسامات قادة دول عظمى وصغرى ومتوسطة أيضاً، لهم خطوطهم الحمراء، والتي وصلت إلى هدفها خضراء بسبب المناخ الأخلاقي، فتفنن الأسد ورعاته بطيف قوس قزح من الألوان في الإبادة والتدمير، وصلت صور بعضها إلى قاعات الأمم المتحدة راعية المناخ، وتصور المراقبون والمشاهدون مع تلك الصور المصورة من أقبية الأسد، وحملوها للذكرى لبيوتهم وأرشيفهم، وفرح السوريون الذين تحولوا لأرقام بصورتهم في قاعات الشرف الدولية وإن كانوا جثثا لم يتبقّ منها إلا هيكلا عظمياً، لم لا فالمناخ هو الذي حفظ عظاما كثيرة منذ آلاف السنين ليبحث فيها العلماء عن أصل الإنسان.

السوري الآن يفتتح مرحلة جديدة لأصل الإنسان، كما افتتحت قمة الأرض واتفاق المناخ مرحلة جديدة، بالتوازي أظهر لحمنا الموزع على الجدران وحبات التراب، وكذلك البحار وأعماقها وشواطئها، أظهر أنه في ألفية العالم الثالثة، خلت الأرض من قادة كبار، يؤطرون قمة للأخلاق كي تضمن الحفاظ على الإنسان الذي عليه أن يحفظ الأرض ومناخها.

 

كم اعتقدنا أن كارثة الحرب العالمية الثانية، ستكون نهاية الكوارث الإنسانية، وكم كنا جهلاء حين وثقنا أن مجازر راوندا قد ختمت عصر الأخطاء السياسية، ثم اقتنعنا أن محطة البوسنة ربما ستكون العقاب الأخير للطيبين وبعدها سيتحول مناخ الأخلاق السياسية الدولية إلى قانون صارم تحفظ حق الإنسان بالحياة، ليكمل مسيرة بناء حضارته، فإذ بسوريا ترفع الستار عن خلايا دماغ بشري لم يتخلص من فن إذلال الإنسان للإنسان، ولا من عفن العنصرية تحت مسميات جديدة، ومنذ أن أنشد السوريون الطيبون في الساحات "حرية" ليتخلصوا من تصحر المناخ السياسي الذي حكمهم بالنار والبارود، وشاهدهم العالم أجمع، وزار سفراء دوله الكبرى حارات هتافاتنا، وحضروا بعض مراسم عزاء الورود في داريا، شاهد السوريون مكر الابتسامات الديبلوماسية، حين لم تعقد قمتها لصون مناخ الخلايا الحية في الجسد البشري.

مناخ بوتين الأخير، كان التعريج على ما تمتلكه أخلاقه من رؤوس نووية، القادرة على هدم الخيام المتبقية، وبعض علب الحليب وعشر لواصق طبية، وسبورة صف مدرسي فوق ركام حي، كان الأسد قد مهد عبرها لعظمة أسلحة بوتين القادرة المقتدرة.

 

نعم هنا في وطني الذي لم تتح لإنسانه التصفيق لقمة مناخ الأرض، ولا لنصرها المؤزر، ثمة أسئلة تطرح نفسها على قادة المناخ السياسي، أولها: من يضمن أن أجساد الإنسانية لن تأكلها الوحوش البشرية، ومن يضمن أن أحفادنا ستدفئهم حرارة الحقوق البشرية لا براميل القتلة، ومن يضمن أن مناخ السجون السورية لن يصبح مناخا عالميا يتلذذ فيه سائح القتل بأحشاء البشر، من يوصل رسالة الإنسانية لذاك الرضيع المتبقي من عائلة قضت بين الركام كبقايا أجساد طحنتها طائرات الموت، أن من أرسل سلاح الفتك هذا هو سيحفظ جبينك من حرارة الشمس، وإن لم يحفظ أحبتك من حرارة الانفجار.

 

يا سادة الأرض وبالتوازي مع اتفاقات مناخكم، نبلغكم أن المناخ لم يقتل "واحدا من ألف" من جرائم حروبكم وحروب الطغاة في شعوبهم، وهنا أصل الحكاية حيث القمة الأهم التي لم تعقد وربما لن تعقد، ومن بلدي سوريا إليكم في أعقاب اتفاقكم التاريخي لا بد أن نقول، وحده الأسد اختصر كل القمم، وبجوار توثيق تاريخه سيكتب أنكم عاصرتم براميله وغازه وسجونه، وكنتم مناخه الأهم لاستكمال الجريمة، فهل لهذه الأرض أن تثق باتفاق مناخكم؟.

 

 

علِّق