عدد القراءات: 1223

قراءة في تصريح ( ترامب ) حول مناطق آمنة في سورية

 

 

رغم ان البنتاغون ولغاية ليل أمس مازال ينفي أنه تلقى تعليمات بإنشاء منطقة حظر طيران في سورية في شمالها حيث التركي، وفي جنوبها حيث الأردني والإسرائيلي، ورغم أننا على يقين أن الرئيس الأمريكي-أي رئيس- ليس إلا جزءاً من ( كل ) ممن يحكم أمريكا ويوجه كامل سياساتها الخارجية والعسكرية والاقتصادية والسياسية عموماً، وأن قيادات الجيش لا ينفذون كما غيرهم من بعض جيوش العالم (ببغاوياً) تعليمات الرئيس، وممكن أن يصلوا لمرحلة الرفض العلني لتعليمات رئاسية، وان يتمردوا عليها لعدة أسباب يأتي في مقدمتها الأمن القومي الأمريكي والكلف العالية مقارنة بالفائدة المجنية ...

ورغم أننا على يقين أن هذا الرئيس جادّ بتنفيذ ما وعد به ناخبيه، ورغم أنه يصعب التنبؤ بقراراته بذات الوقت، وكذلك هناك ما يمتلكنا من قناعة أنه ربما أنه لا يكمل فترة رئاسية واحدة في البيت الأبيض، ورغم أنني كنت قد شبهته ومنذ حملته الانتخابية بالعقيد (القذافي)، لجهة انماط السلوك ، إلا أنه يبقى الرئيس الأمريكي، رئيس الدولة العظمى التي لا يدانيها أحد حتى الآن، حتى الروسي فلا زالت هناك مسافات بين عملاق متربع على عرش العمالقة وبين من يحاول هذا بعد أن كان …

 

الرئيس الأمريكي ووفق ما نقل عنه يؤكد تأييده إنشاء مناطق آمنة في سوريا كحل يراه عملياً لوقف تدفق اللاجئين السوريين لأوروبا والولايات المتحدة، وهو هنا يقول لنا وبكل صلف ان على السوري أن يبقى في المناطق الخطرة ويموت فيها، وأن المساهمين في تزكية نار الصراع والمساهمون في تأجيجها إنما هم في محل (برداً وسلاماً عليكم) فربما كنا لنقبل هذا رغم أنه بغيض وينتقص من سيادتنا على أرضنا والتي باتت (ملطشة) لمن هبّ ودبّ، الا اننا كنا يمكن أن نقبل شيئاً من هذا لو انه طرح طرحاً مقبولاً لوقف الموت المجاني للسوريين على كامل الجغرافية السورية، وهنا نجد أنفسنا أمام سؤالين  محددين :

  • هل تمتلك الولايات المتحدة القدرة قدرة على تنفيذ هذا التوجه ؟

  • الا يعترض هذا التوجه تحديات وصعوبات كبيرة تحول دون تنفيذه ؟

   

وهنا وقبل ان اغوص بالموضوع سأقف أمام احتمالين وأعرض لهما:

  • هل نحن امام جدران عازلة أو مناطق آمنة يلجأ اليها السوريون الفارون من أتون حرب اتت على كل شيء من مقومات حياتهم ضمن بلادهم؟

- أم اننا امام جدران عزل تمنع الفارين من السوريين عبورها حيث أوروبا وسواها من أماكن اللجوء طلباً لحياة ولو على فتات يضمن معه الحياة ؟

على أية حال فقد كان (ترامب)  وخلال حملته الانتخابية قد وعد بشيء من هذا القبيل في سورية، متعهدا بمطالبة دول الخليج العربي بتقديم الأموال اللازمة لها، مذكراً بالوقت نفسه أن بلاده غير قادرة لوحدها على تمويل المشروع بسبب الحجم الضخم لدينها العام، ومن الجدير ذكره في ذات السياق أن إدارة الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما كانت قد عارضت خطة المنطقة الآمنة التي طرحتها تركيا خشية الانجرار بشكل أكبر في الصراع، وخطر اندلاع اشتباكات بين الطائرات الحربية الأمريكية، والروسية فوق سورية ...   

اجمالاً كمهتم ومتابع أعتقد أن خطة  الرئيس الأمريكي ستصطدم بوجود دولة كبرى مثل روسيا، التي يعمل طيرانها في الجو وقواتها على الأرض ليل نهار في تلك المنطقة، وان احتمالات الصدام ولو بطريق الصدفة أو ادعاء الخطأ ستبقى ممكنة، وستجعل المنطقة وبالقوات العاملة حولها كصفيح ساخن لا يؤدي ربما لاستقرار أو سلام مقصود ...لا أعتقد أن إيران ورغم صمتها  ستكون ممتنة لهكذا إجراء، وهي تنظر إلى نفسها -وهذا هو الواقع بالفعل- على أنها دولة رئيسية في التعاطي مع الحرب السورية، وأعتقد أن إيران والقوات المدعومة من قبلها ستقف عائقاً أمام التنفيذ، الا إذا استمزج رأيها ووجدت ما يقنعها ويرضي الحكومة السورية ...

وطبعاً لن يغيب عن بال أي مهتم أو متابع أن المناطق الآمنة بحاجة إلى دعم لوجستي، وبنية تحتية، وإعادة إعمار، وهذه أيضا صعوبات لا يمكن إخفاؤها، بالإضافة لضرورة وجود قوة تنفيذية فعلية تمنع الطيران في المنطقة  وتتمكن من حماية المنطقة الآمنة ...

على أية حال فلا يزال الموضوع بعض من كلام ، وربما يكون أقرب إلى الأوهام أو الأحلام وهذا واقع الحال، رغم أنه في بعض منه ومع تدخل القوات التركية أصبح أقرب ما يمكن أن يكون امراً واقعاً، لكن لابد من الأخذ في الحسبان أن الكثيرين  من السوريين المهجرين ليسوا على استعداد للعودة إلى المنطقة، بسبب فقدانهم لبيوتهم وأرضهم ومصدر عيشهم، فضلاً عن حاجتهم للعمل والحماية التي إن وجدوها في البلد الذي هم فيه الآن، فلن يفكروا بالعودة أبداً قبل توفيرها، فما وجده السوريون في أوروبا لن يجدوه في أماكن آمنة، تبقى ليست مسقط رؤوسهم وذكرياتهم وأماكن عملهم ورزقهم وتعليم أطفالهم ، فالأطفال السوريون في أوربة لهم ما للطفل الأجنبي مكان اقامتهم بالضبط، وهذا لن يتوفر في الأماكن الآمنة المفترضة، اضافة للخدمات الإنسانية الأخرى من ماء وكهرباء وتدفئة ومواد غذائية وتنقل ومواصلات، فبعد كل فصول الموت بات السوري يتوق للعيش الهاديء، ولن يكون هذا إلا في مدينته وقريته وحارته وزقاقه، أو حيث هو الآن، سيما من كان قد ألف المكان وتعاطى بإيجابية معه، ووجد ما يوفر له عيشاً آمناً وكريماً   

علِّق