عدد القراءات: 287

عندما تتحول العداوة إلى ايديولوجيا

لا أدري إن كان يوجد في ثقافتنا السياسية مصطلح يحمل نفس الدلالات التي يحتوي عليها هذا التعبير الذي خطر في بالي كنوع من التوصيف الذي يختزل الكثير من المفارقات والتناقضات التي ظهرت بكثافة وطفت على السطح بقوة في الآونة الأخيرة، على التوازي مع المخاض العنيف الذي تعيشه المنطقة كلها
مفارقات وتناقضات لا يعجز من يملك الحد الأدنى من العقلانية والمنطقية والتفكير النقدي عن الانتباه إليها مباشرةً، لكنها ورغم ذلك سائدة بشكل كبير جداً. فما هو السبب؟ 

تشترك المفارقات المذكورة في كونها تنطوي على حالات يتم فيها تحويل العداوة مع طرف معين أو جهة معينة أو دولة معينة، إلى إيديولوجيا قائمة بحد ذاتها
الإيديولوجيا هي عبارة عن عقيدة فكرية أو مجموعة من العقائد المتلاقحة مع بعضها المتجانسة فيما بينها لتشكل منهجاً فكرياً متماسكاً واضح المعالم. وتكون عادةً مبنية على مجموعة من المفاهيم والقيم والقناعات
وفي حالتنا هذه التي أتحدث عنها في هذا المقال: تكون الإيديولوجيا مبنية بشكل كامل ومتمحورة حول العداء مع أحدهم

ولأوضح فكرتي أكثر سوف أنطلق من بعض الأمثلة، لعل أبرزها حالة الكثير من "النخب الفكرية" سواء السورية أو العربية التي تقدّم نفسها على أنها نخب وطنية أو مقاومة
 

من الطبيعي في هذه الأيام أن تجد كثيرين من هؤلاء يطبلون للفتاة المدعوة عهد التميمي، ويحتفون بها، ويرفعون بها إلى أعلى مراتب النضال، وأن تجدهم في الوقت نفسه يتجاهلون بشكل كامل معاناة عشرات الآلاف من المعتقلين في سجون نظام الأسد في سوريا
ليس بإمكاننا أن نبرر هنا لهم، بحجة أنهم قد يكونون من البسطاء المغيبين عن واقع ما يحدث في سوريا. فهذه المرة نحن أمام حالة فريدة من نوعها هي قيام مخابرات النظام بذات نفسها بتسليم قوائم الشهداء الذين ماتوا تحت التعذيب في المعتقلات. أي ليس بالإمكان أن نبرر لهؤلاء بأنهم منساقون خلف أسطوانة أن جرائم النظام في سوريا هي نوع من البروباغندا أو التضليل الإعلامي

المفارقة أن توقيت خروج عهد التميمي من سجنها، وتصريحاتها هي نفسها التي تحدثت فيها عن معتقلها وكأنه فندق خمس نجوم، تزامن مع تحرير قوائم الشهداء تحت التعذيب في سوريا. لكن هذا لم يمنع "الوطنيين" و "المقاومجيين" من التطبيل لعهد وتجاهل المعتقلين في سوريا دون أي خجل. بل وربما الاستمرار في التعبير عن التأييد الكامل لنظام الأسد ووصفه بالنظام المقاوم والممانع والبطل...إلخ

كيف يمكن للمرء أن يكون مع المعتقلين الفلسطينيين لكنه لا يكترث لضحايا معتقلات تفوقها في الوحشية بمراحل ضوئية في سوريا؟ 
كيف يمكن للمرء أن يكون ضد إسرائيل بصفتها دولة مجرمة، لكنه مؤيد لنظام تجاوز إجرام هذه الدولة بفارق هائل؟ 
كيف يمكن للمرء أن يكون ضد إسرائيل لأنها تهجر الفلسطيين من بيوتهم وأراضيهم لكنه يؤيد نظام الأسد وحزب الله والميليشيات الإيرانية التي تهجر السوريين من بيوتهم أيضاً؟ 
كيف يمكن للمرء أن يكون ضد اسرائيل بسبب كون هذه الدولة قائمة على حامل ديني عنصري لكنه في الوقت ذاته يؤيد نظام ولاية الفقيه في إيران أو يؤيد أية تنظيمات إسلامية "جهادية" سنية كانت أم شيعية؟ 

أنا أطرح هذه التساؤلات وأستبعد بالتأكيد حالة أصحاب المصالح. أي الذين لديهم مصالح مع النظام السوري أو حزب الله أو إيران. فهؤلاء تسيرهم مصالحهم وليست لديهم قناعات فكرية صادقة أساساً. لكن بالمقابل هناك الملايين في العالم العربي ممن لديهم قناعات صادقة ويقعون في مثل هذا الفخ ومثل هذه التناقضات

السبب برأيي يكمن ببساطة في كون المذكورين لا يعادون إسرائيل لأنها تقتل أو تعتقل أو تمارس التهجير أو تقوم على فكرة دينية عنصرية، بل يعادونها فقط لأنها: إسرائيل.
وهذا ما أعنيه عندما أستعمل مصطلح "أدلجة العداوة". 
أي أن المنظومة الفكرية لهؤلاء الأشخاص مبنية على فكرة أن كل المفاهيم الإنسانية والوطنية الصحيحية والخيرة تتمحور حول الموقف من إسرائيل ومعاداتها. وبالتالي ينتهي بهم المطاف إلى أن كل من يواجه إسرائيل –أو يعتقدون أنه يواجه إسرائيل- يمثل الجانب الخير حتى لو كان يضاهي إسرائيل أو يتجاوزها في الإجرام

نفس القضية تماماً نجدها عند النخب الوطنية والعروبية وبلا شك اليسارية، التي تردد دائماً عبارات مثل: الموت لأمريكا، وتسقط الامبريالية، والغرب الاستعماري...إلخ
لكن عندما تسأل هؤلاء: وماذا عن الشرق الاستعماري...؟
أي ماذا بشأن السياسة الخارجية الروسية ماضياً وحاضراً؟ 
تجدهم يقولون بكل ثقة وكأنها معلومة مسلم بها ومتفق عليها أن روسيا ليس لها ماض ولا حاضر استعماري!!
بل وتجدهم يبررون التواجد العسكري الروسي في أي بلد – كما في سوريا - بأنه تم تحت بند الشرعية الدولية من خلال الاستدعاء القانوني من قبل الحكومات الشرعية لتلك البلدان: وبغض النظر عن أن أنظمة تلك البلدان هي بحد ذاتها ليست أنظمة شرعية ومنتخبة حتى يستطيع هؤلاء وفق هذا المنطق استمداد شرعية التواجد الروسي منها، أي لنترك هذه النقطة جانباً. تجد محدثك نفسه يعتبر دول الخليج محتلة من قبل الولايات المتحدة بسبب تواجد قواعد أمريكية على أراضيها!

القضية هنا هي أن هؤلاء يقعون مجدداً في فخ "أدلجة العداوة"
حيث هم يقومون بعملية عكسية تماماً: فعوضاً عن أن يقوموا بتوصيف سلوك معين على أنه يسمى احتلالاً أو استعماراً أو تدخلاً سافراً أو اعتداءً على حرية الدول وسيادتها أو غير ذلك، ومن ثم يحكمون على الدول من خلال سلوكياتها، ويتخذون منها موقفاً على هذا الأساس، تجد أن العملية لديهم عكسية
ينطلقون من قناعة مسبقة أن القوى الاستعمارية هي القوى الغربية تحديداً، وأن كل من يقف ضد المعسكر الغربي يمثل الجانب الخير. ومن ثم يحكمون على سلوكيات الغرب وروسيا على ضوء هذه القناعة. فالسلوك نفسه اسمه احتلال لو كان غربياً واسمه تدخل شرعي لو كان روسياً. اسمه إجرام بحجة مكافحة الإرهاب لو كان غربياً كما في الحرب الأمريكية على أفغانستان لكن اسمه مكافحة إرهاب حقيقية لو كان روسياً كما في سوريا. وهكذا دواليك..

ومن الأمثلة المهمة الحالة التي نراها عند كثيرين ممن يسمون أنفسهم ثواراً ومعارضين لنظام الأسد، لكنهم في الواقع يعادونه ليس لأنه يقتل ويقصف ويعقتل ويضطهد، بل لأنه فقط: نظام الأسد
أي أن إيديولوجيا الثورة لديهم تتمحور حول فكرة كون نظام الأسد هو الشر المطلق وكل من يقف ضده يحمل صفة الثورية. حتى لو كنا نتحدث عن القاعدة أو جبهة النصرة أو أي من الميليشيات المتطرفة أو القوى الطغيانية التي تمارس نفس سلوك النظام في القتل والاعتقال والاضطهاد وغير ذلك

الخلاصة: إنه من أخطر المشاكل السائدة في ثقافتنا هي ما اصطلحت على تسميته في هذا المقال بـ "أدلجة العداوة" 
فهذا ينجم عنه تحويل العداء مع طرف معين أو دولة معينة إلى أن يصبح البوصلة الوحيدة لتقييم المواقف الوطنية أو المواقف الثورية أو المواقف السليمة عموماً. ولا يعود هنا للقيم والمبادئ والإنسانية وحقوق الإنسان أية قيمة أو اعتبار، فهي مجرد تفاصيل ثانوية تُستخدم للمناكفة في مكان ويتم تجاهلها أو تبرير انتهاكها في مكان آخر

المطلوب هو نمط جديد من التفكير للشعب السوري وشعوب المنطقة، تكون فيه البوصلة هي حرمة حياة الإنسان وصيانة حريته وكرامته وكافة حقوقه، ويتم تقييم كل المواقف والسلوكيات واستراتيجيات الأنظمة والدول وتصرفاتها على ضوء هذا الفهم
نمط تفكير يستند إلى مبادئ حقيقية وقيم نبيلة وأدوات فكرية متجانسة تستعمل للحكم على الأمور وتقييمها. وليس الانطلاق من قناعات مؤدلجة بعداء طرف معين ومن ثم تصيير كل أدواتنا الفكرية وأدبياتنا والتلاعب بالألفاظ والمفاهيم لمجابهة هذا الطرف والتبرير لكل من يقف منه موقف النقيض سياسياً في وقت قد لا يكون فيه مناقضاً له في البنية أو التركيبة أو السلوك.

علِّق