عدد القراءات: 11262

سِفْرُ داريّا، وأخلاق "الباصات الخُضر"

 

*ابراهيم قعدوني

ابراهيم قعدوني.jpg

سوف تكون الرحلة طويلة نحو الشّمال، يا لوحشَة هذا المسير، سيعبُرُ أهل داريّا جغرافيا مقطّعة الأوصال، سوفَ يمرّون بِمدُنٍ وبلداتٍ وقُرى ظالمٌ أهلها وبِأخرى هجرها أهلوها واستطونتها ضباعٌ تقاطرت من أصقاع شتّى، سيزجُرون أبصارَهم أنْ تقع على المزيد من الفجائع، فالسّيمياء الديرانية مُنهَكّة تُثقِلُها ترسانة الخَمس الثّقيلات، سيعبرون دمشق التي حفِظَت سيرةَ القرون عن ظهر قلبٍ فسِئمَت أن تتعاطف، إذ أنّ ثقل الديموغرافيا لم يعُد يسمّح لها وهي التي بهذا الترهّل أن تمدّ يداً لطفلٍ يئنّ في غوطتها، "وهي الكورة التي قصبتها دمشق وهي كثيرة المياه نضرة الأشجار متجاوبة الأطيار مونقة الأزهار ملتفة الأغصان خضرة الجنان... استدارتها ثمانية عشر ميلاً كلها بساتين وقصور تحيط بها جبال عالية من جميع جهاتها ومياها خارجة من تلك الجبال وتمتد في الغوطة عدة أنهار وهى أنزه بقاع الأرض وأحسنها" يا لعجائب البلدان يا ابن الوردي، يالقسوةِ مصائرها.  

 

عبث نظام الاستبداد السوري ومنذ نشأته الأولى بكلّ شيء تقريباً، ففي سيرته المشينة ما لا يترك فرصةً للتسامح، منذ كان خليّة عسكرتاريةً تقضُمُ نواة الحياة السياسية في البلد الناشئ مروراً بكهولته الأوليغارشية وصولاً إلى انحطاطه الميليشاوي الرّذيل ورفعِهِ شعار "أنا ومِن بعدي الطّوفان"، لا قسوةَ أبلغ من قراءة مدوّنة أنصارِ النظام اليوم وهي ترصد لحظةً كلحظةِ إخراجِ سوريين من ديارهم بعد سنواتٍ من الحصار والتجويع والإرهاب.

تنطوي سرديّة هؤلاء على على أزمةِ أخلاقٍ عميقة وتوحّش مهول يدفع للتساؤل عن مستوى الانحطاط الذي يمكن أن يذهب إليه الضمير البشريّ مدفوعاً بغرائز تثيرها البروبغندات النمطية للاستبداد، لا نوعَ هنا بقدرِ ما هو كمٌّ رديء. يهلّل أتباع النظام لهذه التراجيديا، يجدون فيها ضالّةً دراميّةً لتصوّرهم الفاسد لحلٍّ "تحت سقف الوطن" يقوم على إفناءِ من لا يقِرُّ بالعبودية للأرجوز الأسدي، يا لبؤس هذا القاع الذي يحشرون أنفسهم فيه، كم هي خبيثةٌ سوريّتهم (المفيدةُ) هذه!  

 

لا غرابةَ في مآلاتِ نظامٍ يستمتع جمهوره بقصفه للبيوت والأسواق والمستشفيات، كانت داريّا عقدتهم الأشدّ مرارةً، إذْ لا غرباء يقاتلون فيها ولا شعاراتٍ ناشزة، لقد اختزلت سيرة المدينة حكاية ثورة السّوريين اليتيمة، ثورة سلمية تحولت لمقاومة أهلية محليّة في مواجهة آلة قتل بربرية، لقد احتضنت داريا تجربة ثورية فريدة من نوعها، فشكّل مجلسها المحلي مظلة جامعة للمؤسسات المدنية والعسكرية والأمنية فيها، لتتحول إلى نموذج ناجح قلّ نظيره في أرجاء سوريا. بذلك لم تكن داريّا وجهة مرغوبة لتصدير الجهاديين ولا لطموحات اللاعبين الإقليميين، وقبل كل شيء كانت الوجه الأكثر جلاءً لعار النظام ودمويته وعجزه الأخلاقي هو ومن ورائه جمهور الباصات الخضراء-الرعاع الحضيضي لمافيا الخراب المسمّاة "نظاماً سوريا".

 

يخرُج أهل داريّا من زمنٍ إلى زمن آخر، إذْ للزّمن الذي عاشوه معناه الذي لا يشبه أزمنةً أخرى، كانت المدينة وحيدة إلاّ من تُربتِها وزرْعِها، يكفي أن ننظر إلى الخريطة لنُدرِك ذلك، المدينة التي كأنّما ترنو بوجهها إلى حيّ الميدان الدمشقي وبظهرها إلى صحنايا، يُحدّق بها مطار المزّة العسكري كقاتلٍ مأجور أعياه اسمُها "كثيرة الدّور" وراح يضربُ كوحشٍ أعمى لم يجِد في النهاية سوى الحصار والتجويع لينهش الأكباد ويفتح الطّرقَ الضيّقة أمام الغزاة، سوفَ تُسجّل الويكيبيديا أنّ اغتيال الديموغرافيا إنّما تمّ تحت إشرافٍ دوليّ بعد أن مرّغَ أهل داريّا بالهوان وجه الغزو البربريّ لسُلطة الحضيض وميلشياتها.  

شهدت المدينة أشرس حصار في تاريخ الثورة السورية استمرّ طيلة 1375 يومًا، ابتداءً من تشرين الثاني 2012 وحتى 26 آب 2016، إذ بلغ عدد سكانها نحو 255 ألف نسمة وفق الإحصاء الرسمي عام 2007، لينخفض العدد إلى سبعة آلاف مدني ومقاتل حتى 26 آب 2016، قبل أن يبدأ تفريغها بشكل كامل، وتجاوزت نسبة الدمار في المدينة 95%، طالت معظم معالمها الرئيسية وبناها التحتية، لتصبح المدينة السورية الوحيدة المدمرة كليًا من قبل النظام السوري، كما قُصِفت المدينة خلال الأعوام الثلاثة الماضية بحوالي ستة آلاف برميل متفجر، أكثر من نصفها في العام 2015 وحده، عدا عن آلاف القذائف والأسطوانات والصواريخ المتنوعة، لتكون الأولى في سوريا من حيثُ عدد البراميل التي أُسقِطَت فوقها ، وهذا كلّه بحسب إحصاءات المجلس المحليّ للمدينة.

في طريقهم الطويلة إلى الشمال، سوف يعبر الناجون من داريّا وحشة القلمون وخراب حمص وسجن حماة الكبير، وفي سِفْرِ خروجهم هذا يزيحُ شُجعانُ داريّا غبارَ الحرب عن وعيِنا، ينتصرون للذاكرة قبل أن يأتي عليها النّسيان، نتذكّر وجه غياث مطر كما وجه هذه البلاد التي لم يخطر ببالها أنّ الإجابة على مطالبتها بحياة كريمة ستأتي على هيئة مجازر وقناصين وبراميل ونابالم، وأنّ يد الوحش سوف تطال كلّ شيء في حياتهم. لا خوفَ عليهم في رحيلهم هذا، إذ يضمنُ الشهداء الذين تركوهم وراءهم تذاكر الإياب.

 

ثمّةَ قولٌ مأثورٌ يتداوله أهل الشيشان يقول: "من الصعب أن تكون رجلاً شيشانيًا" لما في ذلك من أعباء يجب على الرجال تحمّلها، يذكر الروس تاريخهم المرير مع الشيشان عبرْ ثورات تلك الجمهورية الصغيرة على القيصرية النهمة وصولاً إلى البلشفية الستالينية، تاريخ حافل بالثورات ضد الحكم الروسي على فترات امتدت لعقود وتمّ قمعها بقصف جوي ومدفعي لمناطق الشيشان حتى وصل الأمر إلى نفي وتهجير مئات الآلاف من الشيشان عن أراضيهم وبلادهم إلى سيبريا، لكأنّ الأنظمة الشمولية تتوارث طُغيانها ا لعبثيّ كما مصائرها السيئة.

 

يا لصعوبة أن نكون من داريّا، هاهم يعبُرونَ خِفافاً وقلوبُنا لهم الطريق، بكثير من الحب والتقدير ينتظر أهل سوريا احتضان القادمين داريّا ليلتئمُ أحدُ جراح الجغرافيا العديدة في سوريا.


 

علِّق