عدد القراءات: 2284

سوريا على أبواب هدنة، لكن من يكتب التاريخ

 

* أحمد مظهر سعدو

أحمد مظهر سعدو.jpg

هم من يكتب التاريخ الآني للوطن، هم وليس سواهم، ولا حتى  بيانات الهدنة، أو وقف العمليات القتالية، أو وعود الأمريكان بإنهاء بشار الأسد ومن في حكمه، الشهداء في سوريا، هم من يرسمون بالدم- يومياً -  ملامح خريطة جديدة ومتجددة للوطن السوري الغارق في كل شيء، وخاصة بعد كل هذا الاستهداف الحاقد ضد أهلنا في ريف حلب الشمالي، وريف اللاذقية، وكذلك ريف درعا، واليوم بينما العالم وكذلك شعبنا السوري يتطلع الى إيقاف القصف والاعتداءات ضد الشعب السوري، نقول  : أن أناساً أطهار رووا تراب هذا الوطن بدمائهم لنحيا نحن، وليحيا الوطن حراً طليقاً من كل أنواع القهر والهدر الإنساني الذي بات معاشاً يومياً للإنسان السوري هم وحدهم وأيضا من ما زالوا على العهد يواجهون المحتل الروسي والإيراني من يحق لهم أن نفخر بهم ونؤكد أن طريقهم فقط من يجعلنا بالسياسة نتمكن من تحقيق وقف لإطلاق النار مع نصر للكرامة والحرية .

 

إن إعادة كتابة التاريخ لهذا الوطن ولهذه المنطقة ولهذه الشعوب المظلومة، لا يجب أن يكون كما يريد الغرب أو الشرق، الأمريكي أو الروسي أو الإيراني، إنما يجب أن تنطلق وتأسيساً على هذه التضحيات العظيمة لشهداء الوطن بكل فئاته وكل تلاوينه من اثبات وجودنا كأمة وكشعب، ووحدة هذا الشعب ولجم هذه التناقضات، التي يحاولون إيجادها وانتاشها فيما بيننا.

إن أعداء الداخل والخارج يحاولون الحاقنا برباط التابعية للغير، وإلى إخراج شعبنا من التاريخ وصنع التاريخ. وثوارنا اليوم، وهم يعيدون كتابة التاريخ فإن مسارهم ومسيرتهم في ذلك وأولاً قبل كل شيء هي الحرية والكرامة لهذا الوطن ولهذا الشعب العظيم الذي ضحى ويضحي بالغالي والنفيس من أجل رفعة هذا الوطن ووحدة أرضه وشعبه، والحرية والكرامة لا تقوم لها قائمة إلا بتضحيات أبناء الوطن، والشهادة والشهداء هم في طليعة هذه التضحيات وأرفعها وأكثرها سؤدداً.

 

إن الموت والقتل الذي يسود وأدواته القمعية الاستبدادية يجعل من الشهادة حالة يومية مستمرة ولا يكتفي المستبد اليوم بالموت البيولوجي بل يمارس ما هو اشد وطأة وأكثر تأثيراً عبر ممارسة الموت الكياني / الوجودي الذي يحل بالإنسان حين يقمع. الكلام المقموع أو المحظور من قبل أنظمة التحريم والتجريم يضع صاحبه في وضعية اللاكيان، وبالتالي اللاحضور، واللاوزن، واللاقيمة، واللااعتبار. وإذا حفظ الصمت الحياة البيولوجية النباتية فإنه يقتل الحياة الكيانية حيث يلغي الحضور.

تأسيساً على ذلك لا يمكن التخصيص بالقول: التفكير أو الموت. حيث لا حياة للأفراد، كما الجماعات والمجتمعات إلا بالتفكير وإطلاق العنان له. التفكير هو الحياة المليئة المتجددة والمستوعبة والظافرة، والتي تصنع مكانتها ومصيرها. وموت التفكير هو النكوص والتقهقر إلى مستوى الحياة النباتي والدخول في فئة الشعوب المستغنى عنها.

 

إن الانسان السوري هذه الأيام يصنع مشروعه الوجودي من خلال صناعة مجاله الحيوي، وليس مجرد التأقلم معه، ويتجلى الهدر الوجودي صريحاً حين يحال بين الإنسان وصناعة مجاله الحيوي، من خلال الممارسة والفعل والانتاج والانجاز وممارسة الإرادة والمشاركة في قضايا هذا المجال الذي يشكل الوطن واحتلال الدور والمكانة الفاعلة فيه. كل إنسان باعتباره مشروع وجود، يحمل طموحاً لصناعة المجال الحيوي طبقاً لحلم الوصول إلى الأفضل والأحسن.

إن أنظمة الهدر والتي تفاقم من أعداد المستغنى عنهم، أو ما يعتبرون فائضين عن الحاجة، تعتدي على الحياة ذاتها، إذ تحصرها في القلة المحظية التي تشغل المكانة وتستحوذ على المكان.

في سورية، لكل شيء طعم آخر، إن للشهادة والاستشهاد في سورية نكهة أخرى بلون الخلود ولون المحبة ولون الجنة... الشهادة في سورية تصبغ كل حيواتنا وكل مفاصل وجودنا، حتى باتت كل المنازل تزينها صور الشهداء وصور المستقبل المشرق لهذا الوطن الجريح.

 

إن الشعوب المقهورة وبعد ما أوقعتها به أنظمة الحكم المستبدة، عصابات الحكم الفاجرة، ما زالت تتحرك وستبقى من أجل التغيير والتجمع أيضاً، وأي اتفاق لوقف القتال لا يحقق للشعب حريته سيكون هشا بكل تأكيد، خاصة وأن سمة الإرهاب ستبقى سوطا يلوح به ضد الشعب السوري المقهور.

وعلى هذا الهدي قامت الثور الشعبية السلمية في سوريا، وتقدمت الجماهير لبناء أوطانها على أساس من الحرية والكرامة وتطلعت وتتطلع لنيل حريتها وبمثل هذا التطلع لا إلى الماضي وإنما إلى المستقبل يمكن أن نفتش عن منطلق بداية، ومرتكز مقاومة ونهوض، لتعود سورية وتتجمع من جديد، ولتعود وتصنع تاريخها وتاريخ المنطقة من جديد، والثوار هم من يصنعون هذا التاريخ، وليس سواهم ممن يقتاتون ويتمظهرون على حساب دماء الشهداء، وهم كثر في أوطاننا.

 

علِّق