عدد القراءات: 1798

سائق التكسي الهندي المسلم الذي يكره الباكستان

 

أخبرني سائق تكسي هندي مسلم عندما كنت في زيارة لدبي قبل سنوات عدة، أن باكستان كانت السبب في تخريب مشروع أمة الهند الكبرى التي كان من المقدر لها الخروج للنور، وذلك بسبب إنفصالها عن الهند، عندما استقل حوالي خمسون بالمئة من المسلمين الهنود عن الهند، في هذه الدولة الباكستانية إسلامية الهوية، قبل أن تنقسم بدورها لبنجلاديش وباكستان، ثم أمعن السائق بعد ذلك في سباب باكستان، وقد استغربت يومها ذلك، لأني كنت أعتقد أن المسلمين الهنود يتعاطفون مع باكستان بسبب رابط الدين.

قبل سنوات قليلة فهمت ما يقصده السائق، فلو نظرنا إلى الفارق بين الدولتين، تعتبر الهند دولة مستقرة ديمقراطياً، بينما باكستان لا يمكن أن تعتبر كذلك إلى الآن بسبب الانقلابات العديدة التي شهدتها .

في الهند لا يوجد فارق في التعامل بين مسلم وهندوسي وغيره في أجهزة الدولة، على عكس باكستان التي يتم التفريق فيها بشكل واضح ليس فقط بين المسلم وغيره، وأيضا بين المسلم السني والمسلم غير السني، حتى في أجهزة القضاء التي تضيق على مايسمى بالأقليات و تقمعهم في كثير من الأحيان، بينما تتمتع الهند بجهاز قضائي مهني محترف ومتطور نسبياً.

 

الهند تعتبر من أرقى دول العالم في مجال الصناعات التكنولوجية ، بالإضافة إلى علوم الفضاء، حيث نجحت قبل سنوات قليلة في إرسال صاروخ إلى المريخ، بينما لازالت باكستان تحبو بالمقارنة مع الهند في هذه المجالات، ومعروف كمثال وادي سيليكون في الهند، إذ تستقطب الهند صناعة تقنية المعلومات بشكل متزايد، وقد تحولت مدينة بنغالور الهندية إلى معقل عالمي لهذه الصناعة، استوطنت فيه كبرى الشركات العاملة في هذا الحقل على مستوى الأرض، وبرعت فيه شركات محلية أيضاً

ويبدو أنّ تنامي هذه الصناعة في الهند بأشكالها المختلفة، وانتشار الخبراء الهنود حول العالم، أصبح يشكل تهديداً لسوق العمل أخصائيي تكنولوجيا المعلومات في بلد كالولايات المتحدة الأمريكية، الأمر الذي دفع ممثل ولاية نيوجرسي في مجلس الشيوخ، لاقتراح تشريع يمنع على غير مواطني الولايات المتحدة، أو الذين لا يملكون رخصاً للعمل، أن يعملوا في بعض مشروعات تقنية المعلومات.

وقد أعلنت شركة «أوراكل» العاملة في قطاع تقنية المعلومات قبل عدة سنوات عن عزمها على مضاعفة عدد موظفيها في الهند من ثلاثة آلاف إلى ستة آلاف خلال سنة واحدة، ويأتي ذلك منسجماً مع كون الهند هي المقر الرئيس لعمليات الدعم الفني لهذه الشركة العملاقة، كما يجري فيها قسم كبير من عمليات التطوير، بل تعتزم الشركة نقل خدمات أخرى تابعة لها إلى الهند، بما في ذلك المحاسبة الداخلية.

ويساهم قطاع الخدمات بنحو 51 % من الدخل القومي للهند، في حين يشهد قطاع تصدير البرمجيات نمواً سنوياً يتراوح بين 40-50 %، إلى الدرجة التي جعلت الهند تتبوأ المكانة الثانية في العالم في تصدير البرمجيات، وسط ظهور متزايد لشركات عملاقة فيها مثل (ويبرو)، و(إنفوسيس).

 

هذا النجاح الهندي لا يمكن فصله طبعاً عن وجود نظام سياسي مستقر وحكومات ديمقراطية، تشجع وترعى تطور صناعة البرمجيات والاتصالات، وتتبع سياسات اقتصادية وضريبية خاصة تجاهها.

ويدعم النظام الضريبي الهندي صناعة البرمجيات والتطوير الخارجي للخدمات، فهناك إعفاء ضريبي لمدة خمس سنوات للشركات المزودة للإنترنت، وإعفاء لمدة عشر سنوات للمجمعات التقنية مثل المجمع، الذي شيدته شركة «صن مايكروسيستيمز» في بنغالور، والذي يضم خمسة آلاف مبرمج وفني، بينما تمنح الحكومة إعفاء ضريبياً لمدة عشر سنوات للشركات العاملة في البحث العلمي، وهو مالم تنجح باكستان الدولة أحادية المواطنة في مواكبته.

 

أخيرا لا بد أن نذكر أن أكثر من مئة مليون مسلم في الهند لا يساهمون في تصدير التطرف والإرهاب، على عكس باكستان التي نشط فيها المال الوهابي في تمويل وصناعة المراكز الطائفية للدين الموازي، والتي تفرخ وتصدر للعالم مئات الإرهابيين أو المتعاطفين معهم سنوياً، هذا ناهيك عن الحروب ذات الطابع الديني بالنسبة لباكستان التي اشتعلت مع الهند، والتي ساهم قيام دولة باكستان ذات الطابع العنصري في وقوعها، أدخل البلدين في سباق تسلح محموم ومكلف، مما أخر العملاق الهندي عن أخذ دوره مبكراً كدولة راقية سياسياً وعلمياً وإقتصادياً وحضارياً بين باقي دول العالم المتطور، و لكن الأيام القادمة كفيلة بإظهار الأمة الهندية على حقيقتها الجبارة التي بدأت تظهر، ولازال بعض المغفلين في بعض الدول الاستهلاكية الناطقة بالعربية ينظرون للهنود نظرة فوقية، مستغلين الفقر الظاهر لكثير منهم بسبب الكثافة السكانية الهائلة في هذا البلد  ..

كم كنت عاقلا أيها السائق الهندي وكم كنا مغيّبين.

 

علِّق