عدد القراءات: 1929

روسية وامريكا متعادلتان، والأزمة السورية هي من سيرجح

 

*صلاح قيراطة

 

في الحرب العالمية الثانية خرجت كل من روسية وامريكا منتصرتان، صحيح ان امريكا لم تخسر ما خسره الاتحاد السوفييتي، لكنهما تعادلتا بالمحصلة، فكل منهما تتزعم كتلة من العالم، وكل منهما فرض توازن الرعب غصباً على الثاني؛ امريكا هُزمت في فيتنام، والاتحاد السوفييتي ووريثه الروسي هزموا في افغانستان. و كلاهما عاش نفس الظرف عندما تدخل في المنطقة العربية، فالأمريكان باتوا على حدود سورية يوماً من خلال احتلال العراق، والروس باتوا على حدود الدولة الكيان (اسرائيل) بما يفرض نوعاً جديداً من قواعد الاشتباك، وكلاهما تدخل في المنطقة خارج الشرعة الدولية جارياً خلف مصالحه، متذرعاً بمحاربة الارهاب كأحد الاسباب. اذاً نحن ومن خلال المقاربة أعلاه نجد ان الترجيح سيكون في سورية، فهل انكفأت امريكا بالفعل تاركة الساحة رحبة لعدوها التقليدي، ام هو فخ نصب بمهارة الدبلوماسية الأمريكية للدولة الروسية؟ هذا ما ستكشف عنه الأيام  القادمة...

 

بتدخل الروس في الحرب السورية دخل الصراع فيها وعليها منعطفا جديدا، مع بدء سلاحها الجوي بإسناده الجوي للجيش السوري وتعزيز وجوده في الساحل، وقد أتى ذلك بعد انعقاد قمة الرئيسين أوباما وبوتين وخطاب الرئيس الروسي أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة...
تحت عنوان الحرب ضد (تنظيم الدولة) ومن البوابة السورية كسر القيصر الجديد عزلته بسبب أوكرانيا، وفرض نفسه لاعباً لا يمكن الالتفاف عليه في المسألة السورية، فهل ينجح بوتين في ما يسمى (الحرب ضد الإرهاب)  حيث فشل أوباما، وهل ستؤدي الاندفاعة الروسية إلى تفاهم أو اختبار قوة مع واشنطن؟...

الأرجح أن ما يشبه مطامح بوتين عبر التاريخ الروسي هو الإمبراطورة كاترين التي نجحت قبل غروب شمس آل رومانوف في تمدد حدود الإمبراطورية الروسية إلى ضفاف البحر الأسود، أي إلى مشارف آسيا الصغرى التي كانت تضم الإمبراطورية العثمانية، مع تحقيق اقتراب نسبي من حلم القياصرة عبر العصور وهو الوصول يوما إلى حيث المياه الدافئة قرب مضايق البوسفور والدردنيل ومنهما إلى البحر الأبيض المتوسط...
الوثائق التاريخية تكشف أن روسيا القيصرية كانت شريكا في اتفاقية (سايكس – بيكو)، لكن الثورة البلشفية عطلت ذلك بالتفاتها الى الشأن الداخلي، التاريخ يقول ان الاسم الأصلي للاتفاقية في نسختها الاصلية وقبل الثورة البلشفية (سايكس – بيكو – سازانوف) وسازانوف هو وزير الخارجية الروسية آنذاك، ومعروف ان الاتفاقية أدت الى تقاسم المشرق وجواره إلى مناطق نفوذ فرنسية وإنكليزية، انبثق عنها، لاحقا كيانات عربية ودولة (إسرائيل)، لكن ما هو غير معروف ربما للكثيرين هو انه  كان من المفترض أن تنال روسيا الولايات التركية الشمالية والشرقية وما تعنيه من سيطرة على مضايق الدردنيل والبوسفور، أي التحكم بحركة الملاحة الدولية...


الثابت تاريخياً ان الروس خرجوا خاسرين من اتفاقية (سايكس-  بيكو)  وهذا لم يكن بسبب الآخرين، بل بسبب الثورة الشيوعية التي ركزت في بداياتها على الداخل وليس على النفوذ الخارجي،  والآن بعد قرابة المئة عام على اتفاق ( سايكس- بيكو- سازانوف)، يضع بوتين هذا التاريخ نصب عينيه، كي يؤكد على دور بلاده في التوازنات العالمية وعلى ضرورة الوجود في المياه الدافئة وفي شرق البحر الأبيض المتوسط بالذات في منطقة بالغة الأهمية من الناحية الجيو استراتيجية، وليس بعيدا عن منابع الطاقة وطرق مرورها ووسط العالم الإسلامي وصراعاته...
وحالياً تدل مجريات الاشتباك الإقليمي والدولي الدائر على الأرض السورية الى تحول الصراع فيها وحولها إلى ما يشبه (اللعبة الكبرى)  في القرن التاسع عشر، في مطلع ذاك القرن كانت السيطرة على آسيا الوسطى محور الصراع بين الإمبراطوريتين البريطانية والقيصرية الروسية، وتحديدا حول الهند (جوهرة التاج) بالنسبة للإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس بوجه التهديدات الروسية آنذاك، لكن الصراع المتمركز في أفغانستان والذي انخرطت فيه العديد من الدول الأوروبية، لم يتحول إلى حرب مباشرة، لكنه أسفر عن تراجع الإنكليز...
في بدايات القرن الحادي والعشرين نشهد (لعبة جديدة كبرى) في سوريا المعقل الوحيد للنفوذ الروسي المتجدد بعد سبات لمدة عقدين، والتي تشكل أيضا مستقرا وممرا لنفوذ إيران الحالمة وفق ما هو ظاهر بعودة عصر الإمبراطوريات، فلا تغّرنا العمامات ومزيد من الطقوس والشعارات الدينية والتغطي بالعباءة الاسلامية، فايران هي امتداد للدولة الفارسية، وتعرف تماما ما تريد وكيف تعمل للوصول اليه، وما تصدير ثورتها التي امر به الخميني يوما، وعهد به للحرس الثوري، الا شكل من اشكال التمدد الامبراطوري، لكن تحت شعارات دينية كي تضحك من خلاله على المؤمنين بأفكار غيبية.


اجمالاً يمكننا القول هنا انه وفي مواجهة المحور الدولي – الإقليمي المدافع عن القيادة السورية خاضت الولايات المتحدة الأميركية اللعبة بشكل حذر، لكن ليس مراعاة لمصالح (إسرائيل)، أوبانتظار انتهاء التفاوض مع إيران فحسب، بل تطبيقا لنهج جديد أرساه باراك أوباما وقوامه استبعاد التدخل المباشر في استخلاص لدروس حربيْ افغانستان والعراق، وفي هذا الإطار، وجدت فرنسا وبريطانيا اللتان تقاسمتا المشرق، حسب (اتفاقية سايكس – بيكو)  منذ قرن مضى، في موقع الشاهد على أفول نفوذ يشبه مرحلة ما بعد حرب السويس في 1956 وانعكاسها على الحضور الأوروبي، والأدهى من ذلك أن القوى الإقليمية المنخرطة إلى جانب المجموعات المناهضة للقيادة السورية، وتحديدا تركيا والمملكة العربية السعودية وقطر كانت ملزمة  للتقيد برزنامة العمل الأميركية، في الإجمال فانه لا قرار منفرد تتخذه بمفردها أي من الدول التي ذكرت باستثناء لكن ليس مطلقاً لتركيا فلابد من استشارة اولي الأمر هناك في واشنطن ...
الواضح لغايته انه وكما في صراع القرن التاسع عشر، منذ أواخر 2011 إلى نهاية صيف 2015، لم يكن هناك احتمال لأي صدام مباشر بين اللاعبين الكبيريْن الأميركي والروسي، بل كان هناك صراع بالتغذية وحروب بالوكالة من اجل هذا بقي المشهد السوري ملتبساً بسبب تقاطعات غير علنية في المصالح ما بين موسكو وواشنطن وإسرائيل وإيران تفضي بضرورة عدم إسقاط القيادة في سورية، لكن  ليس بالضرورة ان يكون ذلك لنفس الأسباب التي تبقى مسألة خاصة بكل فريق من الفرقاء فلكل فريق سببه الخاص به ربما...


الا انه ومع تورط المحور الإيراني بقوة منذ خريف 2012، ومع دخول متزايد لقوى (الجهاد العالمي) من منظمة القاعدة وأخواتها وبروز (تنظيم الدولة) سادت المراوحة في المكان وترجيح مسار طويل ولعدة سنوات للجلجلة السورية، ويمكننا هنا مقاربة الحاصل في سورية بما حصل بالنسبة للبوسنة بعد حوالي خمس سنوات من المجازر، أو بما يشبه (الطائف) بعد خمس عشرة سنة من الحروب في لبنان...
فقد تلاحقت الأحداث في الأشهر الأخيرة بعد سقوط مدينة جسر الشغور وتوقيع الاتفاق النووي الإيراني وصدرت إشارات واضحة عبرت عن متاعب تتعرض لها الدولة السورية حيث اوضح ذلك الرئيس بشار الاسد بكلمته المتلفزة من قصر الشعب في 28 / 7 عندما اشار الى نقص في الكادر البشري للقوات المسلحة وتراجعات للجيش العربي السوري، إزاء ذلك قرر فيما يبدو جلياً (بوتين) انتهاز الفرصة وتصرف بشكل تكتيكي بارع انطلاقا من قراءته لتطور الحدث مع التفكير في بعده الجيوسياسي، مستفيدا من مركزية القرار في موسكو وأحاديته بعيدا عن القيود المفروضة على صناع القرار في الدول الديمقراطية،  في مواجهة تردد أوباما وعدم وجود استراتيجية غربية متناسقة وجد بوتين المسرح السوري جاهزا أمام اندفاعته، والفرصة مواتية فقرر ونفذ وبدى كمن يستجيب لنداء القيادة السورية بتوجيه ضربات جوية، وهذا يعد منتهى البراعة وربما الفروسية لكن وفق المصالح الروسية...
لقد اعتمد الرئيس الروسي فيما يبدو على تفهم الصين وإسنادها ليس فقط في مجلس الأمن، بل عبر زيارة حاملة طائراتها منطقة النفوذ الروسي على الساحل السوري، وهناك اشارات عن امكانية اشتراك اسراب صينية في الضربات الجوية ضمن الاراضي السورية، لكن بالطبع يجب ان لا تغيب عن افكارنا ولا عن انظارنا العلاقة الروسية – الإيرانية المميزة في العمل والتنسيق، لأن طهران لن تنتظر اللاعب الأميركي في لعبة إعادة صياغة المنطقة وربما تكتفي بالعلاقة مع موسكو لترتيب دورها وتمرير ما تهدف اليه مصالحها...


الآن ارى انه من المبكر الكلام عن (حلف بغداد جديد)  على ضوء وجود مركز معلوماتي استخباري لمجموعة 4 زائد 1 (روسيا وإيران ودولتي العراق وسوريا، بالإضافة إلى حزب الله) في الحرب ضد(تنظيم الدولة) لكن مع عدم تجاهل ان روسيا،  وهي أي روسيا بخطوتها العسكرية الحالية في سورية انما تثبت أقدامها، كما أن علاقتها عادت قوية مع مصر، وربما تراهن على ترتيب علاقة أفضل مع المملكة العربية السعودية إذا نجحت في إخراج حل سياسي من دون وجود في سورية على المدى المتوسط، في هذا السياق تبدو تركيا معزولة على ضوء التنسيق الروسي – الإسرائيلي رغم انه محدود...
الا ان التحدي الأكبر الذي يكمن أمام واشنطن وباريس ولندن وبرلين في التعاطي مع الهجمة الروسية وآفاقها، فيمكن أن تبدأ المقايضة حول الأزمة الأوكرانية عبر تخفيف أو إلغاء العقوبات ضد روسية، مقابل إخراج حل سياسي واقعي في سوريا يضمن مصالح روسيا، ويمكن أن نشهد شكلاً من اشكال اختيار القوة فيما اذا قرر أوباما تغيير نهجه...
الا اننا متفقون انه الضربات الجوية بمفردها لا يمكن ان تحقق حسماً او انتصار فالضربات الجوية تأتي تمهيداً لما يفترض ان يوازيها او يلحقها من تدفق للقوات البرية في ميدان القتال الذي شكلت له الضربات الجوية تمهيداً ان كان ذلك لاحقاً او غطاء ان كان مرافقاً لذا لا يتوقع الأخصائيون أن يسجل بوتين انتصارات فارقة، إلا إذا تمكنت القوات البرية السورية من مشاة ودروع  بمشاركة المحور الإيراني او بدونه من استثمار الضربات الجوية من خلال خوض معارك برية على الأراضي السورية وهذا يجب ان يبقى الخيار الأهم للجيش العربي السوري اذا كانت الغاية سورية الواحدة ارضاً وشعباً كما هي رؤيتنا وما نؤمن به  وليست سورية المفيدة كما تم طرحه من خلال بعض الاصدقاء وتمت الإشارة اليه بشكل واضح عبر اعادة تموضع القوات العربية السورية خلال المعارك التي اعقبت سقوط كامل ادلب مدينة وريف الا قريتي كفريا والفوعة في الجزء الشمالي الغربي من سورية...
لذا فإني ارى انه  وفي حالة انسداد الحوار السياسي المثمر بين واشنطن وموسكو، فلن تؤدي الضربات الجوية الروسية إلا الى مزيد من التعقيدات  للوضع السوري اذ من الصعب التمركز في هذه البلاد واحتلالها طويلا كما علّمنا التاريخ...


الثابت لغايته ان الضربات الجوية مستمرة وتأخذ شكلاً تدميرياً مرعباً ورهيباً وكثيرون هم سكان المناطق المستهدفة الذين يقولون ان المدينة كاملة اهتزت نتيجة استهداف موقع ما يظن انه فيه مسلحين لهذه الجهة او تلك او نقاط دعم لوجستي، والثابت ايضاً انه ومع بدء العمليات توالت التصريحات الغربية وبشكل خاص الامريكية وكأننا اما رقعة الشطرنج حيث بدأت اللعبة والكل يتوثب ليقول لخصمه (كش ملك) وزير الدفاع الأمريكي ونائبه تحدثوا عن خطورة الخطوة الروسية وان ما قام به الروس يشكل اعلان حرب  ولمحوا ان هذا اجراء احادياً، وما ادلى به الوزير او نائبه يناقض جملة وتفصيلاً ما كان يقال قبل بدء الضربات، وكذلك وزير الخارجية الأمريكي ونائبه تحدثا انه كان من المفترض التنسيق مع امريكا قبل البدء، وكأننا هنا امام حالة توريط لروسيا فالكلام ما قبل مباشرة الضربات كان شيئاً وبعدها اختلفت اللهجة والمفردات وبالتالي المواقف، وجاء كلام اوباما اليوم في مؤتمره الصحفي في البيت الأبيض ليجمل الموقف بقوله ان روسية وايران في مواجهة العالم مجتمعاً بسبب الحرب السورية، اما وزير خارجية بريطانيا فقال صراحة بوجوب عدم تمرير المقترح الروسي في مجلس الامن  بشأن اسنادها الجوي للقوات السورية، وربما كان الموقف الفرنسي اكثر المواقف تصلباً سواء لجهة فابيوس وزير الخارجية او هولاند رئيس الجمهورية الفرنسية ...
اختم بمقولة معروفة وهي السعيد من اتعظ بغيره والشقي من اتعظ بنفسه، فالقادم وفق ما بدأ من تجييش ربما يكون صعباً على روسية في سورية وان مزيداً من الدم سينزف من الجرح السوري المفتوح كما المواقف والاحتمالات على كثير من الآلام والصعوبات.

 

*صلاح قيراطة

- ضابط سابق في الجيش السوري سرّح منذ العام 1981
- يحمل اجازة في الحقوق

  
 

علِّق