عدد القراءات: 2530

دفاعاً عن العرب والإسلام ... والأكراد

 

* مصعب الحمادي


غريبةٌ جداً حالة الهرج والمرج التي تعصف بطبقةٍ غير قليلة من مثقفي سورية ونشطائها هذه الأيام، وتتركهم في حالةٍ لا يمكن إلا أن تكون مجرد صدى لأصوات الانفجارات التي تأتي على بقية البلاد بينما أهلها منشغلون في مناظراتٍ بيزنطية سخيفة وفي غير أوانها.
استفاق بعض المواطنين في شمال وشمال شرق سورية في أحد الأيام ليكتشفوا أنهم أكراد، وأن هذه البلاد هي مملكة جدودهم الأقدمين وأن العرب الأجلاف المتخلّفين جاؤوا على الجمال من الصحراء العربية قبل ألف وخمسمئة سنة فقط لا غير! وأن عليهم أن يعودوا إلى حيث أتوا!  

 

وبالمقابل استنفر عددٌ غير قليل من جسيمي الأحجام صغيري الأحلام، ليردّوا على هذا الخطاب متفاخرين بأيام العرب والشعر الجاهلي، ولاعنين كل من يعيش على تراب سورية ولا يحمل شجرة نسبه العربي تحت إبطيه. فواحدٌ قفز ليعّير الأكراد بما لا يليق، وآخر فطن حتى للشركس والأرمن فلم يسلموا من غائلة لسانه وقبيج مقاله.
وهناك من فطاحلِ الكتاب من سلّم للدعاية الغربية أن داعش فصيل مسلم، فراح يجلد الإسلام والموروث الديني، ويغوص في غرائب النصوص الدينية ليفسّر أفعال داعش، ويفك شيفرتها وطلاسمها.
لعمري إن ويلات الحرب التي نذوقها في كفّة، وما يجري من جلدٍ لأتفسنا، واحتقارٍ لأعراقنا وديننا وثقافتنا في كفةٍ أخرى!

بكل تجرّدٍ أقول قرأت كثيراً في كتب التاريخ فلم أرَ شعباً أرفع أخلاقاً، وأعظم مروءةً، وأنبل معدناً من العرب. وحتى عندما جاء النبي محمد برسالة السماء قال "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق،" فاعترف الله للعرب بسموّ أخلاقهم، وأقرّهم عليها، وزادهم بها.

ثم إنني نظرت في تاريخ العرب أنفسهم فلم أجد في مثل أخلاقهم، وفروسيتهم، وعلوّ طباعهم أكثر مما وجدت عند الأكراد.

لقد زعم بعض الباحثين أن الأكراد هم عربٌ من بني مضر. ومع بُعد هذا الزعم عن إجماع المؤرخين، إلا أنه ينسجم مع حقيقة أن الأكراد هم أقرب الشعوب للعرب في معاشهم وفي طبائعهم، وأكبر دليلٍ على ذلك الملاحم التي سطّرها هذان الشعبان يداً بيد وكتفاً بكتف مع شعوب المنطقة الأخرى عبر قرونٍ طويلة من العطاء الحضاري والإنساني، الذي أضاؤوا به ظلام العصور الوسطى وجعلوا بعبقريتهم طريق أوربا ممهّداً إلى عصر النهضة.

ثم إن العرب والأكراد والأتراك حملوا سويةً راية الإسلام الذي امتدّ من فرنسا إلى الصين، وصار ديانةً عالمية من دون سيوف داعش. إن الإسلام ألقى سلاماً على الأرض والمسلم لا يبتدئ حديثاً مع الآخر إلا بعد أن يقول "السلام عليكم." الإسلام أوله سلام وآخره رحمة ليس للمسلمين فقط، كما يُشاع، بل للبشرية جمعاء. ألم يقل الله تعالى للنبي محمد "وما أرسلناك إلا رحمةً للعالمين؟"

إن الذي قال "جئتكم بالسيف" ليس محمداً كما زعم خليفة داعش، وإنما السيد المسيح عليه السلام. وهذه الكلمة ليست مأخذاً على "رسول المحبة والسلام" بل هي تكتيك جاء في سياق تاريخي لمعالجة شرور طغمةٍ معينة من أعداء البشرية في زمان السيد المسيح. والشيء نفسه ينطبق على النصوص العنفيّة الموجودة في الإسلام. فمن العيب والسذاجة أن نشتم المسيحية، أو أن نشتم الإسلام على عبارةٍ هنا أو نصٍّ هناك، ثم نهمل إرثاً هائلاً من المحبة والرحمة والأخلاق الإنسانية التي بشرت بها هاتان الديانتان، بل وديانات العالم أجمع.
 

وإذا كان لابد من مراجعاتٍ دينية وفكرية وإطلاق عملية إصلاح ديني مشابهة لما فعلته أوربا إبّان عصر النهضة – وهي ضرورة ملحّة برأيي – فهذا ليس الوقت المناسب لكي يقوم السوريون تحديداً بذلك.

لندع بلداناً عربية أو مسلمة أخرى تتجشّم هذا العناء الآن فنحن السوريون جراحنا تنزف، وبعد أن نضمدها سيكون من الواجب المساهمة في المهمة أعلاه ضمن عملية التأسيس لدولة العدل والحرية والتقدم التي ننشدها.

المشكلة أيها السوري ليست في أنك عربيٌ أو كرديٌّ أو مسلمٌ أو مسيحيّ. المشكلة في أنك تصرّ على أن تدفن رأسك في التاريخ في لحظةٍ غير مناسبة، فتُخرِج أقبح ما فيك، وتنبش تناقضاتك الحضارية والفكرية، لا لكي تعمل على أن تبرئ منها، بل لكي تقدّمها لأعدائك حتى يردوها إليك سلاحاً تقتل به أقرانك، وتمزّق وطنك.


 

* مصعب الحمادي: كاتب وصحفي سوري
  

 

علِّق