عدد القراءات: 3678

تديين الثورة مشكلة أم حل ؟!

 

* د. علاء الدين آل رشي

 

أدى الاصطفاف الديني وراء  (سلطة بشار) كجهة ساقطة  ووراء (كلمة الشعب)  واختيار الحرية إلى خلق تشويش واضح، فبينما يصرّ البزم والفرفور والبوطي على شرعية بشار، يصرّ آخرون وفي مقدمتهم د. عبد الكريم بكار والأستاذ عصام العطار والأستاذ معاذ الخطيب وغيرهم  على بطلان أية شرعية لهذا القاتل.

دفع البوطي ثمن قناعته ومناصرته لحكم بشار  سمعتَه و انتهى الأمر  بتعرّضه للاغتيال يوم 21 مارس 2013  وتبادل الثوار والنظام تهمة تصفيته.
كان موقف الشيخ البوطي  يتماشى مع اقتناعه المذهبي بعدم صحة وجواز  الخروج على السلطة.
على أرض الواقع بدأت تختلف الرايات وبدفع من الشيخ محمد عدنان العرعور وغيره، وأولاً بسبب تطرف وعنف السلطة، و بدأت الثورة تدينُ بشعارات دينية مباشرة نقلتها من حراك وتحرر وطني عام إلى خندقة مذهبية صرفة، الأمر الذي أوقعها في فخ النظام، وتحولت إلى أشبه بالصراع الطائفي، وتحول  معنى الدين من المعنى الجامع الى الرايات المتعددة، والتي نحت منحى العسكرة الطائفية أيضاً، وكذلك جلب النظام الفرق الشيعية بدعاوى عدة كحماية الأضرحة ومنازلة التكفيريين .

عندها بدأ تديين الثورة يصبح مشكلة حقيقية، فقد أفتى حسون وعلماء السلطة بوجوب الجهاد مع بشار،  وفي المقابل كان قد سبق الإفتاء الرسمي للسلطة السورية فتاوى عد ومؤتمرات تدعو الى وجوب الجهاد ضد بشار ...


بدأ ينمو  في الظلام وبشدة  وبعمق التفسيرُ الأحادي للدين، وتظهر التشكيلات العسكرية المتتالية باسم الثورة مبتعدة عن المعنى العسكري الذي أسسه البطل هرموش ( الجيش الحر )،  وصارت الفرق والكتائب تتخذ  مسميات دينية محضة، بل وتم  رفع شعارات و اسماء دينية للجمع الثورية، وتوسع تجيير التدين بفضل تعنت السلطة  حتى دخل  حيز الاقتتال الطائفي .

وهنا لابد من التذكير أن لكل الشعوب أديانها وفي كل الحروب يستثمر الجانب الديني لتقوية روح المواجهة والمجابهة، بل ويشير بعض الباحثين أنه في  المراحل التاريخية تظهر وبجلاء  علاقة الدين بالثورات، سواء في التجربة الغربية، أو التجربة العربية و الإسلامية، ففي العديد من التجارب الأوروبية أو في القارة الأمريكية، استطاعت الكنيسة أن تشكل عنصر تغيير للكثير من الأنظمة الاستبدادية، والدعوة للانفتاح الديمقراطي وتغيير النخب الحاكمة، وإجراء انتخابات حرة ونزيهة، ومن ذلك  تجارب كل من البرازيل، وإسبانيا، والبرتغال، وبولندا  وغيرها .
إن الدين كان دائماً حاضراً بمعنى من المعاني في الكثير من الثورات الأوروبية والأمريكية اللاتينية، و إذا كانت الكنيسة قد شكلت منطلق التغيير في العديد من التجارب السابقة الذكر، فإن استحضار دور المسجد في الثورات العربية لم يكن من باب الرومانسيات أو الحنين إلى الماضي، أو بغرض إقامة دولة دينية أو فرض حكم "ثيوقراطي"، وإنما بالأساس لما مثله من بديل عملي للوسائط السياسية التقليدية، كالأحزاب والمنطمات والحركات الاجتماعية التي جرى قمعها وإنهاكها طوال العقود الماضية، وهكذا كانت تظاهرات التغيير الحاشدة، التي هزت أنظمة الحكم في تونس ومصر وسورية واليمن وليبيا.

لكن ليس من الممكن أن يتم حرف الثورة عن معناها بسبب الدين، وهي  مصيدة ومكيدة من مكائد  النظام،  حيث زج الثورة في قفص الاتهام المتطرف وسوق الثورة أنها ثورة تطرف ضد سلطة شعب ونظام وحكومة شرعية !
لمع نجم جبهة النصرة لأهل الشام  كتشكيل عسكري ينتمي إلى الفكر السلفي الجهادي أواخر سنة 2011، و سرعان ما نمت  قدراتها كما تشير الدراسات و لتصبح في غضون أشهر من أبرز قوى الثورة وأقساها على جيش نظام بشار الأسد لخبرة رجالها وتمرسهم على القتال في العراق،  و تبنت النصرة  عدة هجمات  في حلب ودمشق، و دعت في بيانها الأول الذي أصدرته في 24 يناير/كانون الثاني 2012 السوريين للجهاد وحمل السلاح في وجه النظام السوري.
تألم النظام من ضربات النصرة وغيرها، ولكنه في جانب آخر بدأ يقوى ويسوق المواجهة العنيفة بينه وبين الثورة،  وكأنها استعادة للبلد من جيوش السلفيين والجهاديين وحماية للشعب والعالم من ظلام المتطرفين،  وقد كسب نقاطاً عدة لصالحه إعلامياً،  فقد ربطت تقارير استخباراتية أمريكية تنظيم النصرة بتنظيم القاعدة في العراق والذي سرعان ما اعترف بذلك بنفسه.، وهذا ما منح النظام قوة وضوءاً اخضراً في الإسراف في القتل والتنكيل بالثورة.

لم تستطع الثورة أن تؤصل معنى المواطنة دينياً بل عمقت خطابات بعض المحسوبين عليها المتمثلة بالتهييج والتخويف، وربط كلمة الله اكبر بالدم وبالتفجير والنحر !!!

وتحول الدين من هوية مجتمع الى تجاذبات متناحرة تفرض جدران العزلة والتكفير !!!


يمكن تعريف الفاعلين السياسيين الإسلاميين الثوريين  على أنهم هؤلاء "الذين يستخدمون النصوص والمرجعية والرموز الإسلامية في تحديد هويتهم ورسم الأطر العامة لنشاطاتهم داخل الفضاءات الفكرية والسياسية والاجتماعية والدينية " وكانت المصيبة أن أقوى الفاعلين العسكريين  المتحدثين باسم الدين  والثورة، هم التنظيمات الأكثر تشدداً، والتي جرّت إلى الثورة وأهلها المزيد من الحصار العالمي والاستثمار الطائفي من قبل النظام  أيضاً ...
تم الإجهاز على مقولات الثورة الاولى (الشعب السوري واحد) وتم تعميق روح الطائفية، الامر الذي أكسب النظام دعماً منقطع النظير من أصدقاء طائفته عالمياً...
لم تكن الثورة تهدف في  البداية الحقيقية لفكرة أسلمة المجال العام لسوريا، ولكن وقع تديين الثورة في مطب خطر حيث تبنت فصائل عسكرية فكرة الخلافة ليظهر لاحقاً تنظيم الدولة الاسلامية في العراق والشام ...
 

علِّق