عدد القراءات: 1455

اﻷستاذ عمرو خالد.. وصناعة الحياة!

 

أكثر من خمسة عشر عاماً تفصلنا عن بدايات الظهور الإعلامي للداعية المعروف عمرو خالد؛ سنواتٍ حملت في طياتها تغيّرات كبرى ألقت بظلالها على شتى اﻷصعدة والمناحي اﻻجتماعية وخاصة في دول الربيع العربي، وتأرجح فيها مؤشر القبول الشعبي بما يقدمه عمرو خالد وغيره من "الدعاة" صعوداً تارةً وهبوطاً تارةً أخرى.

لستُ هنا بصدد الحكم على الرجل، أو محاسبته، أو الحديث عن مواقفه الفقهية أو آرائه الدعوية، والتي دار حولها معظم الجدل الذي ترافق مع بزوغ نجمه، فالرجل حرٌّ فيما يؤمن به ويعتقد بصحته. وﻻ أخفي أنني كنت في ما مضى من أشد المعجبين به والمدافعين عنه. ولكن ما أحاول سرده اﻵن، هو عِبرةٌ واضحةٌ وجدت شاهدها في تجربة عمرو خالد التي ﻻ تشي مآلاتها بنهايات تسرّ من أحبوه أو أُعجبوا يوماً بما قدّمه.

بدايةً، وقبل أن أكمل حديثي، دعوني أنتصر للرجل في حملة السخرية التي طالته مؤخراً على وسائل التواصل الاجتماعي، والتي ﻻ تعدو عن كونها "تنمّراً إلكترونيًا" أبعد ما يكون عن النقد اﻹصلاحي أو حتى السخرية الهادفة. وسيعلم الساخرون، على اختلاف مشاربهم وأهوائهم، أن حجارة صبيان اﻹنترنت لن توفر أحداً منهم، وأنهم سينالوا من اﻷذى مثلما نال عمرو خالد، مهما بلغوا من الشأن، أو حققوا من الشهرة، أو جمّعوا من "أعداد المتابعين" في فضاءاتهم السعيدة!

 

مجرّد أخطاءٍ بشريةٍ، أم سقوطٌ مؤلمٌ في الهاوية؟

قد يخفّف البعض من شدة مأزق عمرو خالد فيقول أن لديه "أخطاء".. وأن "سقطاته" اﻷخلاقية بتأييد الثورات المضادة أو مهادنتها والسكوت عن جرائمها، تندرج تحت باب القصور البشري الذي ﻻ منأى لأحدٍ عنه. نعم قد نتفهم صدور مثل تلك السقطات عن تاجر جشعٍ يخاف على مصدر رزقه في ظلٍ نظامٍ ينتمي إليه ويحمي جشعه، أو عن شخصٍ جاهلٍ لم يرقَ به سيل المعرفة إلى رأس الجبل حتى يهوي من أعلاه أصلاً ! ولكن سقطة "المُعلّم" سقوط.. وخطأه بألف!

أﻻ يحق لنا أن نسأل "الداعية" الذي كان يدعو ربه أن يتوفاه شهيداً على أبواب المسجد اﻷقصى، أين كنت من الجهاد في ساحات الحرية، اﻷقرب لك كثيراً من ميادين المسجد اﻷقصى؟ أم أن حجارة المسجد اﻷقصى الصمّاء أغلى عليك من أفئدة الشباب المتعطشين للحرية وصناعة الحياة خارج السجون الكبرى التي رزحوا دهراً تحت أغلالها؟ أين من أعلن ﻻءاته الثلاث الشهيرة (ﻻ للفتوى.. ﻻ للسياسة.. ﻻ للجماعات) من ﻻءاته تلك، عندما نقض عُراها واحدةً تلو اﻷخرى؟ أم أن تلك اللاءات لم تكن إﻻ تجسيداً مرحلياً للرعب والخوف من فراعنة العصر، ودعوة للجماهير للنزول تحت إمرتهم، واﻻنصياع لدُور فتواهم، واﻻبتعاد عن كل ما يُقلقهم أو يقض مضاجعهم ويُثير "الفتنة"؟

أما بيت القصيد فيما أريد قوله.. فهو أن "سقطة" عمرو خالد ليست حالة فردية تستدعي اﻻنكار عليها وحدها، ومن ثم رفعُ اﻷقلام وتجفيفُ الصحف.. بل هي ظاهرة متأصلة في مجتمعنا وتاريخنا، وهي دينٌ يدرّس اليوم في كثيرٍ من “بيوت العلم”، وكانت كذلك منذ أن وصل اﻻستبداد إلى سُدة الحكم في تاريخنا ونال صك غفرانٍ وشرعية من "علماء" اﻷمة، وأصبح النزول تحت إمرة الحاكم الظالم شرعاً يتقرب الناس به إلى ربهم.. وما يتقّربون به حقيقةً إلا إلى الدرك اﻷسفل من ركب الحضارة والحياة الكريمة.

 

ختاماً أقول للأستاذ عمرو خالد: تذكر صديقي بأن الحياة وقفة عز.. وأن صناعتها ﻻ تكون بالخنوع والذلة والعبودية.. وإنما بموقف أخلاقي جريء تُحيي به أفكارك ومبادئك، وتضمن لها أن تعيش و "تخلد عُمراً" من بعدك، إن كُنت تحرص حقاً على ذلك.

التعليقات

*كيف تحول خطاب الدعاة الإسلاميين من الزهد إلى تكوين الثروات؟* *إبراهيم الشقيري-عمرو خالد-محمد حسان-محمد العريفي* ما إن أدخل إلى منزل أصدقائي حتّى أجد كتب التنمية البشرية موجودةً على الطاولة باختلاف عناوينها وأصحابها، من عمرو خالد وإبراهيم الفقهي وطارق سويدان إلى كريم الشاذلي، كلّ هذه الأسماء تشكّل حالة من توجّهٍ إسلامي منزوع الكافيين لم أشعر بالراحة له أبداً، ففي البداية لم أكن قادراً على وصفها قبل سنوات. وكما هي الطبيعة البشرية فالإنسان يشعرُ بأمورٍ لا يستطيع التحدث عنها لأنه لا يملك القدرة اللغوية والمعرفية لتوصيفها، لذلك سأحاول اليوم بعرض قراءة سريعة لكتاب تُرجم هذه السنة يتحدث حول العولمة والأسلمة للثقافة الاستهلاكية مما أنتج "إسلام السوق" وهو عنوان الكتاب الذي كتبه باحث سويسري في علم الاجتماع. الثقافة الغربية تعمل على تشجيع ثقافة الاستهلاك وتجميع الثروة، وتعمل على محورة الحياة حول الفرد بعد أن كانت حول الجماعة والمجتمع، ليصبح الفرد هو أساس التفكير والاهتمام، فإذا كان الإنسان قديماً يُقدم على الزواج بهدف العطاء وتأسيس أسرة يُقدم فيها الحُب ليكون ضمن جماعة ما، فالثقافة الغربية عملت على أن الفرد هو الأهم ورفع سؤال هل الأسرة هي ما أحتاجه الآن؟ ماذا سيقدم لي الزواج من حسابات الربح والخسارة؟ في فيلم "fight club" يصرخ بطل الفيلم في وجه النظام الرأسمالي الذي حوّل الفرد الغربي إلى إنسان مستهلك ينظر إلى نفسه بقيم يحدّدها له السوق والشركات، في ثورة غضب البطل يقول: أنتَ لستَ وظيفتك، لستَ النقود التي تحملها في حسابك البنكي، لستَ السيارة التي تقودها، لستَ محتويات محفظتك، ولستَ ملابسك. إعادة تعريف الذات في ظل العولمة وزحف الثقافة الغربية على ثقافات تهمّشت وتقوقعت بسبب تفوق الحضارة القادمة مع الثقافة الغربية عمل على إنشاء ذات جديدة معولمة، وفي الحالة الإسلامية نستطيع القول إن الرأسمالية تأسلمت أي لبست ثوباً إسلامياً لتصدّر قيمها بشكل يُصبح أكثر قابيلةً للاستقبال لدى المجتمع الإسلامي. وقد ساعدها على ذلك ظهور شخصيات إسلامية ابتعدت عن تنظيمات الإسلام السياسي التي تطمح إلى الوصول للسلطة وعمل تغييرات في الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية. هذه الشخصيات عملت على أسلمة الثقافة الغربية وتصديرها إلى الداخل. فبدلاً من حالة الزُهد والدعوة إلى التقشف والالتزام التنظيمي نجد حالة من الدعوة إلى النجاح الفردي على المستوى الاقتصادي وتكوين الثروة بصفتها رأسمالاً اجتماعياً؛ حيث نجد أن المكاتب امتلأت بكتب التنمية البشرية الإسلامية، ومثال ذلك أسلمة طارق سويدان للكتاب الأكثر مبيعاً "العادات السبع للناس الأكثر فعالية" لستيفين كوفي. حيث يتم أخذ أهداف الثقافة الغربية ومبادئها وأسلمتها بدون فصلها عن السياق التاريخي والاجتماعي الذي نشأت فيه. في حلقة من الحلقات التي بثّها عمرو خالد نجده يقول: أريد أن أصبح غنيّاً لينظر إليّ الناس ويقولوا: انظروا إنه متديّن غنيْ. وسيحبّون الله من خلال ثروتي، أريد أن يكون لي مال وملابس كثيرة لأحبب الناس في دين الله. هذه الدعوة التي يقودها عمرو خالد تتمأسس حول إنسان مسلم غربي في حقيقته إلا أنه يصلّي لا أكثر على الطريقة البروتستانتية الأميركية، فالمسلم الذي يَطمح إسلام السوق إلى بنائه مُسلم يبتعد عن الحياة السياسية والمقولات الإسلامية المحاربة للاستبداد السياسي والاقتصادي، فلا نجد أيّ حديث في هذا النمط المتأسلم عن العدالة الاجتماعية وتوزيع الثروات، يستأصل من الإسلام الرؤيا الكونية المُنتجة لثقافة تحتوي الحداثة والقيم العالمية، لينتج حداثةً احتوت الإسلام وأنتجت نمط تديّن مبنياً على قيمها الاستهلاكية الفرديّة حيث الخلاص الاقتصادي في الأرض، من دون أن تتواجه مع المشاكل المحيطة والسياسية منها بالبداهة. هذا النمط من الإسلام يعيد تعريف الإنسان المسلم على الأسس الغربية حيث أن معيار المسلم الحقيقي هو المسلم البعيد عن السياسة الناجح اقتصادياً ويملك سيارة فارهة ويذهب إلى المطاعم غالية الثمن. في الحالة الخليجية وهي حالة متطورة من إسلام السوق نجد مطاعم إسلامية باذخة تستقبل الطبقة الإسلامية البورجوازية، حيثُ تُصبح هذه المطاعم طريقة لإشباع النهم الاستهلاكي لدى الإنسان المسلم المُتشبّع بالثقافة الغربية وبذلك يعمل على استمرار إنتاج الفرق الطبقي. دورات إعداد القادة التي اشتهرت في الآونة الأخيرة، لم نرَ منها أي فعل حقيقي على الأرض سوى دورات أخرى لإعداد القادة، تماماً كالتنمية البشرية، حيث نرى أنها تعيد إنتاج نفسها بشكل مستمر، فالمتخرج من التنمية البشرية لا يعمل سوى في نفس المجال لاجتذاب الآخرين ومنحهم سراب الأمل. قادة المجتمع الفلسطيني بشقّيه العسكري والسياسي والاجتماعي أيضاً خرجوا من رحم المجتمع والتنظيم وليس بثقافة الإدارة الأميركية التي سيطرت على الإسلاميين الجدد. الفتاة الغربية التي تحلم باسمرار الجسد على الشاطئ وتلبس مايوهاً من قطعتين تعمل على شراء المايوه من "ماركة" عالمية حتى تجد نفسها متميّزة ولأن هذه الماركة جزء من تعريف الذات لنفسها. وفي الحالة الإسلامية نجد أن الفتاة المسلمة تحمل نفس المبادئ الغربية لكن الفارق الوحيد هو "الحشمة" فنجد أصحاب ماركات مسلمين أو غير مسلمين يعملون على صناعة "ماركات" عالمية للحجاب وتصديرها للفتيات المسلمات، فأصبح الحجاب هُنا مظهراً من مظاهر الاستهلاك، حيث إذا قمنا بنزع مقياس الحشمة بين الفتاة المحجّبة والفتاة التي على الشاطئ، نجد تطابقاً تامّاً. هل يُصبح الإنسان المسلم إنساناً غربياً استهلاكياً لكنّه يصلّي لا أكثر؟. يقول بيجوفيتش المفكّر الإسلامي في كتابه الإسلام بين الشرق والغرب: "كل مفكر إسلامي هو عالم دين، كما أن كل حركة إسلامية صحيحة هي حركة سياسية".

علِّق