عدد القراءات: 1272

المُراجعات أو الزوال: المسلمون مثالاً

 

" ألا ترى كيف يطرح بعض الكتاب والمثقفين الغربيين بقوة نصيب الغرب ونصيب أمريكا نفسها من المسؤولية تجاه ما يجري عندهم من مشكلات كبيرة؟".

كان السؤال جزءاً من حوارٍ مع أحد المثقفين (الإسلاميين)، ممن يحتفون، بنوعٍ من الفرحة الظاهرة الممزوجة بالشماتة، بكتابات غربية متزايدة تدخل في إطار ما يمكن تسميته عملية مراجعات ثقافية وسياسية. وهي مراجعات تمارسها اليوم شرائح واسعة من الخبراء والمثقفين والإعلاميين، في الغرب بشكل عام، وفي الولايات المتحدة تحديداً، على الأحداث العالمية الراهنة.

 

فمن مشكلات ترامب مع أمريكا ومشكلاتها معه، مروراً بإعادة النظر في منظومات أساسية كبرى، مع صعود اليمين العالمي والشعبوية، كالديمقراطية والليبرالية والحداثة، وصولاً إلى الفوضى الضاربة في النظام الدولي ومايُسمى "موت السياسة" فيه مع تقزّم ساسة هذا العصر. ثمة مئات من الكتب والدراسات والمقالات التي تغطي المواضيع المذكورة، وكل ماله بها من علاقة، بالبحث والتحليل، الذي يوصف بـ (النقدي)، قبل وأكثر من أي شيءٍ آخر.

كان كلام المثقف الصديق في جانبٍ منه عتاباً غير مباشر يوجههُ لكاتب هذه الكلمات، ولغيره ممن كانوا ولا يزالون يحاولون – للمفارقة – ممارسة عملية المراجعات نفسها داخل الإطار الحضاري والثقافي والسياسي العربي والإسلامي، اعتقاداً منهم بضرورة تكامل هذه العملية على ضفتي نهر الحضارة الإنسانية العالمية الراهنة الغربي والشرقي. وتلك ازدواجية فاتت هذا المثقف وغيره ممن يُحسبون، عُرفاً، على المثقفين والعلماء. حصل هذا ويحصلُ دائماً في خضمّ الحشد العاطفي الذي يحاصرُ نفسه ويحاصرُ العرب والمسلمين في نفسية وعقلية وروح المظلوم البريء الذي تتكالب عليه الدنيا من كل حدب وصوب دونما ذنب اقترفته يداه أو خطأ وقع فيه.

إن الشروع في عملية المراجعات، والاستمرار بها، في خضم الأزمة إنما يمثل ممارسة حضارية بالغة الرقي والدلالة على قوة من يمارسها وتجرّده. وهي قبل ذلك إفرازٌ للمنهجية القرآنية التي تريد أن تُعلّم الإنسان أن ينظر أوّلَ ما ينظر في أوقات الأزمات والفتن إلى الداخل وإلى الذات يبحث عن أخطائها وقصورها، بدلاً من القفز مباشرة إلى الخارج وإلى الأخر بغرض إلقاء التّبعة والتّهم عليه بشكل كامل، كما هو حالنا في أزماتنا السابقة والراهنة.

 

من المفارقات أيضاً ألا ينتبه البعض، ومنهم من يدّعي امتلاك العلم الشرعي، ويتصدى لمواقع الرأي والفتوى، إلى دلالات الجملة التي ينقلها القرآن باستمرار عن معلّمي البشرية من الأنبياء والرسل في لحظات الفِتَن وعند ابتلائهم تحديداً، وهم يقولون قبل كل شيء: {رب إني ظلمت نفسي}.

لماذا تبدأ عملية الاستعادة والتصحيح بهذه المقولة دوماً: إنها تأتي مصداقاً لمنهج أصيل يملك القدرة على التجّرد والمراجعة والاعتراف بالخطأ في قمّة الأزمة، ويملك في الوقت نفسه يقيناً راسخاً بأن ممارسة التصحيح الذاتي هي وحدها الطريق الأضمن للتعامل مع الهزائم والتراجعات والأزمات، دونما حاجة للشكوى من الطرف الآخر، وإلى صبّ اللعنات والشتائم والاتهامات من كل نوعٍ، عليه.

تُفرز هذه الرؤية ثقةً كبيرة بالنفس، وتدلُّ على امتلاك الإنسان لقوةٍ داخليةٍ هائلة، تجعله يوقن بأن فعله البشري هو الذي يملك صناعة الحدث ويؤثر فيه ويقوده بالاتجاه الذي يريد، مهما كان موقف الطرف الآخر، ومهما كانت قوته وجبروته. على أن يكون من أهمّ عناصر فعله البشري ذاك ممارسة النقد الذاتي باستمرار، والاعتراف بالخطأ والتراجع عنه، خصوصاً في وقت الأزمات.

 

تروي صفحات التاريخ كيف جاءت سرايا الاستطلاع التي أرسلها خالد بن الوليد إليه بالأخبار عن ضخامة عدد جيش الروم، وتروي لنا كيف قال عندها أنه لايبالي لو زاد عددهم على ماهو عليه مقابل أمرٍ واحدٍ فقط: لو أن فرسه القوية، والعزيزة عليه كرفيقة محارب، لم تكن مريضة. كان هذا القائد الفذّ يأخذ بالأسباب من حيث معرفة وضع العدو واستعداداته، لكنه كان على يقين أن سلاحه الماضي في المعركة يتمثل في الصحة النفسية والفكرية والروحية والجسدية لقوته الذاتية، بما فيها فرسه المفضل. بالمقابل، لايرى البعض، في زمننا هذا، حجم الانهزامية في الانصراف شبه الكامل إلى شتيمة الطرف الآخر والشكوى من تصرفاته وأفعاله.

الطريف والمحزن في الوقت ذاته ألا ينتبه الكثيرون، من أمثال صاحبنا المثقف، إلى حقيقة أن مثل تلك المقالات النقدية التي يتحدث عنها إنما هي منشورةٌ أصلاً في الصحف والمجلات الغربية، وبلغة أهل البلاد التي تصدر فيها تلك الصحف والمجلات. بمعنى أن الوارد فيها هو نقدٌ ذاتي داخلي، وهو بمثابة التعبير الصادق عن المراجعات الكبرى التي يقوم بها الأقوياء، ثم لا يضيرهم في شيء أن يقرأها الآخرون مترجمةً بعد ذلك، بل ولا يعنيهم، في كثيرٍ أو قليل، أن يفرحوا ويغتبطوا بها.

 

آن لنا الاعتراف بأن العربي والمسلم باتا يحفظات عن ظهر قلب، ومنذ عقود، جميع سيناريوهات الغدر والظلم والتآمر والبغي التي تستهدف وجوده وحاضره ومستقبله، وإلى درجة اختلطت فيها الحقيقة بالخيال والأوهام، بل وإلى مستوىً جَعَلهُ هو نفسه مُبدعاً بامتياز في ابتكار تخريجات جديدة لتلك الممارسة المشؤومة مع كل مناسبة أو أزمة مستجدة.

آن الأوان أيضاً لنعترف أن كثيراً من مثقفينا وعلماءنا يساهمون في تأزيم الوضع الفكري والسياسي والاجتماعي والأمني السوري والعربي والإسلامي عبر تكرار تلك الممارسات. وهم يسحبون من إنساننا القدرة على ممارسة الفعل في الموقع الذي يمكن فيه الفعل، وهو فعل المراجعة والنقد والتصحيح الذاتي والبناء الداخلي في هذه الحالة، ليضعوا هذا الإنسان في موقع حيرة شديدة إما أن تؤدي إلى الانفجار، أو إلى اليأس والإحباط والهزيمة الداخلية. فهذا مايحدث في حالات الانسداد السياسية والثقافية الناتجة عن افتقاد الإجابات على الأسئلة الكبرى التي يطرحها الواقع الصعب المعقّد، كما هو الوضع تماماً في الحال الراهنة للسوريين، ومعهم العرب والمسلمون.

ولمن يفكر بالمقلوب أو عبر مفهوم المخالفة، لايعني هذا الطرحُ دعوةً للسذاجة السياسية فيما يتعلق بالعلاقات الدولية، أو في قيام تلك العلاقات على التخطيط واستخدام جميع الوسائل لتحقيق المصالح القومية. وإنما هو محاولة لتسليط الضوء على الاتجاه الصحيح للفعل البشري الذي يدرك كل تلك الحقائق، ولكنه أولاً وقبل كل شيء ينطلق من دلالات عبارة قالها أديب العربية وفيلسوفها مصطفى صادق الرافعي منذ زمن طويل: "إنه ليس لمصباح الطريق أن يقول: إن الطريق مظلم، إنما قوله إذا أراد كلاماً أن يقول: ها أنذا مضيء".

 

أما إن كان البعض يخاف من الفوضى بسبب المراجعات في زمن الأزمة، فإن غياب المراجعات هو الذي يؤدي إلى المزيد منها على جميع المستويات. من هنا، في حين يفرح البعض بقضية حفظ القرآن الواردة فيه كقاعدة ربانية، فإن "سُنة الزوال والاستبدال" لمن لايستحقون تَمثُّل الدين وتمثيله، هي مايغفلون عنه بشكلٍ مُخيف، وهي تحديداً ماينبغي أن تكون شُغلهم الشاغل.

علِّق