عدد القراءات: 2291

العالم الإسلامي يأكل نفسه

* مصعب الحمادي



إننا قَطعاً لا نعيش في "العصر السعودي" ولا العصر الإسلامي حتى. إننا نعيش في العصر الأمريكي وفي أحسن الأحوال في العصر الغربي الذي تحكمه قوى "أخرى" مسيحية بعمقها وهويتها التعريفية وملامح حضارتها، حيث لا يتواجد العرب والمسلمون في هذا العصر إلا على الهامش على شكل محميات صغرى هنا وهناك، يُعمل على استمرار نومها على الأسرة المسحورة لحكايات ألف ليلة ولية، بينما الغرب يتقدم باضطراد ويثقب العالم الإسلامي من فوقه ومن تحته بحفّارات النفط والغاز لينعم مجاناً بثروات هذا العالم، بينما يرمي للعرب والمسلمين بقايا من الملهيات التي تفقدهم كل إحساس بذاتهم وتضمن استمرار ضياعهم وتخبطهم، فيُخرج الغربي والأمريكي من القبعات السحرية لبهلوانات شركات تصنيع السلاح "داعش" و"القاعدة" و"بوكو حرام" و"الشباب المجاهدين" وغيرها الكثير من التنظيمات الإسلامية التي لا تزدهر إلا في البقاع التي يوجد فيها النفط والغاز، أو تلك التي تتمتع بمواقع مهمة في الجغرافية السياسية للعالم.

ينطوي إعلان المملكة العربية السعودية على تشكيل تحالف إسلامي لمحاربة الإرهاب على مفارقات مضحكة مبكية. فالسعودية تطمح لتصّدُر الجهود الدولية للحرب على الإرهاب الإسلامي عملاً بمبدأ "أهل مكة أدرى بشعابها". كيف لا؟ فالإرهاب يستمِدّ من قراءات "منحرفة" للدين. وإذا أردنا أن نرى كيف تكون القراءة السليمة للإسلام فما علينا إلا دراسة الأحوال في المملكة الثريّة التي ترتكز أساساً على قوانين تقوم على التمييز الديني، ولا تراعي الحريات الإنسانية.

إنها المملكة التي أصدرت قبل أسابيع حكم بالإعدام على شاعرٍ فلسطيني سيء الحظ لأنه كتب قصيدة رأى فيها مشايخ المملكة "تشكيكاً بالذات الإلهية".

ما الفرق بين الإرهاب المنبعث عن هذا الحكم، والإرهاب الذي تنشره داعش عبر ممارسات مشابهة في أرض خلافتها المزعومة؟

لابد أن دولةً كهذه ليست في موقعٍ مناسب كي تتصدى لمهمة معالجة عقول بضعة آلاف من المنحرفين من أتباع الإسلام، الذين يسيؤون لهذا الدين فيعتدون على الغرب البريء الذي لا ذنب له هو الآخر إلا أنه سال لعابه على ما تبقى من ثروات غير منهوبة في العالم الإسلامي.

بكل أسف إن السعودية هي آخر دولة في العالم ممكن أن تضطلع بمهمة مكافحة الإرهاب الإسلامي، أو التدخل في سوريا أو العراق أو غيرهما من البلدان لأجل مكافحة الجماعات التكفيرية والإرهابية، فبالإضافة إلى تناقضاتها الداخلية المضحكة، وبالنسبة لسوريا تحديداً، أليست السعودية هي البلد الذي أهدى للثورة السورية منذ شهورها الأولى الشيخ السلفي المتطرف عدنان العرعور الذي حوّل عبر إطلالاته التلفزيونية المتكررة قسماً كبيراً من الرعيل الأول من المتظاهرين والمحتجين الأبرياء على الأوضاع القائمة في البلاد إلى مخلوقات طائفية ليس لها هم إلا "فرم العلويين بمكنات اللحمة"، كما قال حرفياً في إحدى خطاباته للثوار مطيحاً بكل معنى وطني وتحرري وإنساني لثورة السوريين؟

ألم تدعم السعودية الحركات السلفية المتشددة بدءاً بأحرار الشام وليس انتهاءً بجيش الإسلام الذي سطا على الثورة على أبواب العاصمة، وصار يعتبر مجرد ذراع سعودية في سوريا حيث "طهّر" كل صوت مدني من حوله وحوّل مدينة دوما إلى إمارة أمر واقع سلفية؟

إن التحالف الإسلامي لمحاربة الإرهاب الذي أعلنت عنه السعودية قبل أيام، ليس سوى وصفة مثالية لكي يأكل العالم الإسلامي نفسه ويدمر المسلمون بعضهم البعض.

ففي الإطار العام للصورة سوف يؤدي التحالف لاصطفاف (سني – شيعي) أكثر احتداماً وسيزج بدولٍ كالعراق إلى حلف مقابل مع الإيرانيين الذين يحملون بدورهم مشروعاً مذهبياً شيعياً سيكون متحمساً لمنازلة الحلف السني، وهو ما من شأنه أن يهدد بقيام حرب (إسلامية – إسلامية) تضرب العالم الإسلامي أكثر ببعضه البعض، وتدمر بقية احتمالات التجديد والنهوض في هذا العالم الذي بدلاً من أن يتوجه لحل خلافاته الإيديولوجية وتناقضاته التاريخية، فيخرج من إطار المعارك التي تستهدف الدفاع عن شرف زينب أو عفة عائشة، نراه عوضاً عن ذلك يدخل في أحلاف خطيرة تنذر بالخراب والدمار الذي لا يمكن التنبؤ أبداً بتفاعلاته وحدوده.

كما أن الحلف السعودي الناشئ يهدد بفتح حرب (سنية – سنية) تقتل فيها الدول السنية شرائح من شعوبها بذريعة الضلال والانحراف عن الخط المرسوم من تلك الدول لمواطنيها. فالشباب العرب والمسلمون الذين لم يخطؤوا إلا في أنهم درسوا إسلاماً لا يمت للعصر بصلة في مدارس السعودية والكويت وتونس ومصر وغيرها من بلدان العالم الإسلامي النائم، يجدون أنفسهم وجهاً لوجه أمام طائرات وقنابل جيوش بلادهم التي جاءت لتبيدهم في قفار سوريا والعراق وأفغانستان لأنهم انتسبوا إلى هذا التنظيم القتالي المتشدد أو ذاك وفاءً للمبادئ التي تلقوها من خطباء المساجد وأفواه مدرسي التربية الدينية في بلدانهم.

ألا يجدر بالدول الإسلامية أن تفكر كيف وصل هؤلاء الشباب أصلاً إلى الوقوع في عشق تلك التنظيمات؟

إن عملية التجنيد في التنظيمات المتشددة مفتوحة ومستمرة ولن تنتهي بالحروب والأحلاف العسكرية. بل إن تشكيل التحالف السعودي ليس إلا زخماً إضافياً ودماءً جديدة تُضخّ في عروق تلك التنظيمات، وهو ما سيؤدي لاستمرار تفاقم تناقضات العالم الإسلامي الذي سيغرق أكثر في حروبٍ ونزاعات لن تؤدي إلا إلى مزيدٍ من انحطاطه وتآكله من الداخل.


 

* مصعب الحمادي

صحفي سوري

 

علِّق