عدد القراءات: 790

السوريون يربّون الأمل

 

" هنا ، عند مُنْحَدَرات التلال ، أمام الغروب وفُوَّهَة الوقت ، 

قُرْبَ بساتينَ مقطوعةِ الظلِ ، نفعلُ ما يفعلُ السجناءُ، 

وما يفعل العاطلون عن العمل: 

نُرَبِّي الأملْ "               

 

(نربي الأمل ) عبارة أستعيرها من شاعرها ( محمود درويش) وذلك لأني وجدت فيها وصفة سحرية، للتشابه بين ما وصلت إليه حالنا السورية، والحالة الفلسطينية أثناء الحصار، واستمرار تداعياته، بعد أن غدونا كلنا محاصرين وسجناء أو أشباه سجناء، وحيث الحصار والسجن، كلاهما وقت مهدور وعطالة متعددة الأشكال متشابهة الظروف، وإن اختلفت الدرجة والشدة، بين من يحاصرهم النظام في مناطقهم أو في سجونه ومعتقلاته، أومن تحاصرهم الفصائل المتطرفة في مناطق حكم الأمر الواقع، ومن تشتتوا في البلدان، أميين تجاه اللغات والعادات غرباء أو مقبولين كرهاً بالتعاطف مع ظروفهم القاهرة، في أحسن حالات قبولهم، وكلنا عاطل عن العمل وعن التفكير، بل ومنقطع عن الحياة الطبيعية، وجلّ تفكيرنا وحرارة وجداننا ينحصران بعبارة ( نربي الأمل) على فوّهة الوقت المفتوحة على اليأس والخوف، على مستقبل بلادنا وأهلنا السوريين في ديارهم وسجونهم وفي كلّ أصقاع الأرض !

لعل تربية الأمل، هو الفعل الوحيد الدال، على أننا لم نزل على قيد الحياة، وتربيته تعني أول ما تعنيه تفعيل طاقتنا المعطلة، وإطلاق حلمنا المحبط باتجاه مستقبل الحرية، ومن دون ذلك هل يربّى الأمل فعلاً، ومن يربيه، ومتى وكيف ؟ وحالنا كحالهم " قرب بساتين مقطوعة الظلّ، نفعل ما يفعل السجناء والعاطلون عن العمل / وهل يربى الأمل إلا بالإرادة والعزيمة على الاستمرار والمتابعة، وإلا عبر التمسك بالأهداف الممكنة والواقعية والتخلص من الزوائد اللفظية والشعارية ؟ وإلا بإعادة تعريف العدو، وتحديد مكامن قوته وخططه ونقاط ضعفه ومطاعنه، وإعادة التعرّف الموضوعي والواقعي على عدّتنا وعديدنا، وإدارة صراعنا السياسي من دون عدة الحرب العنفية المدمرة، التي خسرناها بجدارة بفعل ارتهان الفصائل العسكرية للخارج والتحرك وفق أجنداته، وخسرها النظام المتهالك، وها هو ذا يسلم البلاد لحماته وحلفائه بموجب صكوك الملكية التي أورثته البلاد والعباد وطمأنته على حرّ ملكيته، ليكون الوارث المدلل المتلاف، الذي أهدر سيادة البلاد، وانتهك نسيجها الوطني واغتال حلم أجيال، انقلبت أحلامهم إلى كوابيس، تملأ أكفهم السمحة بعقارب وأفاعي الجحيم !     

 

فتربية الامل اليوم إذا لا تقوم على التواكل والبلادة، بل على حرب الثقافة والسياسة والإعلام والدبلوماسية وأهمّ أدواتها ( الصورة والوثيقة واللسان !) إنها حرب اللغة الحديدة كالسيف، اللغة المطابقة لمعانيها الدقيقة ولمضمراتها الضرورية، كي لا ننزلق بالمراوغة وذرب اللسان، إلى أحضان فصائل حاولت استجرارنا إلى أعتاب عبوديتهم، بعد أن عملنا كسياسيين كغطاء ديموغوجي لحربهم الممولة وأجنداتهم العصبوية، وكان لا بدّ أن نبدأ بالأمل ونسعى إليه، لنعيد إلينا إمكانية التفكير الحرّ والواقعي، وليكون وعداً لقلوب لم تيأس ولم تنفض يدها من إمكانية التغيير، ولا راحت تفتش بحركات التفافية عن مستقبلها عبر صنارة صيادي النظام وحماته الروس، وقادته الإيرانيين !

نعم سنبدأ في مرحلة تربية الأمل، عندما نفهم أنّ التربية عمل منظم، يتطلب نفساً طويلاً وأعصاباً هادئة، لأنّ الهوجة والعنصرة ومناطحة الرؤوس التي عشناها، لم تجلب لنا سوى مراكمة الكوارث بعضها فوق بعض، وأولها وأخطرها كانت خسارة أنفسنا، ومستقبل أجيالنا من دون مراجعة ولا حساب لماض أو تطلّع منهجي واع إلى المستقبل، لنبدأ منه من نقطة الصفر بمراجعة شاملة مع الذات، ومراجعة شاملة مع الآخر المتعدد، وإعادة ترتيبه وتصنيفه، عدواً أو صديقاً أو عدواً بثوب صديق وحيادي قريب، يتخابث ولسان حاله، يقول : " يا بن عمي ابعد عني، أنت بهمك وأنا بهمي".

هذه الوقفة الضرورية هي وحدها فرصة لعودة الأمل، وهي التي فرضتها وتفرضها وقائع الأرض السورية، بعد أن خرجت من يد أصحابها، ولم يعد أحد قادراً على الادّعاء، بأنه يملك إمكانية التصرف، حتى بممتلكاته الشخصية، فضلاً عن الاستفادة من مؤسسات الخدمات العامة ودوائر (الدولة )، التي أثبتت الوقائع، أنها لم تكن دولة، بل شركة خاصة متعددة الأذرع والرؤوس، تعمل بإدارة مركزية وتدار بعقول آلاتية، أتقنت أدواته وأحسنت توظيف ملكاته وخدمه فيها، فكانت هذه الشبكة الآلية المنتشرة المتجذرة والممتدة طولاً وعرضاً، من أهمّ أسباب هذا الخراب العام الذي حلّ بالبلاد والعباد، وبفضله تطاول زمن بقاء النظام، ليس لأن إجرامه ولامسؤوليته، ساهما بإشراك كل شيء، حتى مؤسسات الخدمات العامة في معركته ضد مواطنيه فقط، بل لأنّ كل دائرة صغيرة أو كبيرة، ظلت تشكل حلقة من حلقات متطاولة ذنبها على الأرض، ورأس خيطها بيد النظام، يشده حيثما أراد، وكيفما أراد لينهار البناء كاملاً عند الحاجة، على مبدأ ( عليّ وعلى أعدائي ).

 

وإذا كانت تربية الأمل هذه، ترتبط بالوعي والإيمان أن حركة الشعوب، لا تغلب ولا تقهر، حتى ولو خسرت جولات وجولات، وأسرفت ببذل الغالي والرخيص، من جهة، وترتبط بما وصل إليه النظام المتهالك والمنخور من داخله بالفساد والجريمة، ومن عدم قدرته على الاستمرار بالحكم، حيث لم تعد تنفعه عملية تقسيط البلاد أوتقسيمها إلى رقعة مفيدة، تمكّنه من متابعة حكمه فيها، أمام رفض السوريين عامة، حتى معظم أنصاره للتقسيم بشكليه الطائفي والجغرافي، ولاسيما أن ذلك يرتبط مباشرة بالوضع المتهالك لرأس النظام.

وفي ضوء هذه الوقفة والمراجعة، التي فرضتها ظروف الفشل المتكرر والمتراكم لسبع سلال فارغة من جنيف، وصولاً إلى نعيه ونفض الأيدي من الآستانة، والعسكر المكابرين على الدين والدنيا، وانفضاض الحاضنة الشعبية عنهم، ومن ثمّ الذهاب بنا إلى ما يتوافق عليه الروسي القابض على عنق النظام والبلاد والأمريكي، الذي مازال يتلاعب في أرضنا وقضيتنا الوطنية  مع الروس، باعتبارهم شركاء مفروضين، ولهم كامل الشراكة في فرض الحلول وتقاسم المصالح من جهة ، وعدواً مكتمل العداوة من الجهة الأخرى، في ازدواجية علاقة برأسين، يتكاملان ويتنازعان، ولا بد لهما من أن ينسجما وإلا فكل شيء، يعود إلى نقطة الصفر أو مادونها وندفع نحن التكلفة الباهضة !

 

 

علِّق