عدد القراءات: 1726

السوريون في صحافة الآخر: مواسم الموضة.

 

* علي سفر

 

ما الذي يبحث عنه الصحفي الغربي في سوريا، لطالما سأل السوريون أنفسهم هذا السؤال وهم يتحضرون للقاء مئات الصحفيين الغربين الذين أمست سوريا بالنسبة لهم مادة إعلامية دسمة يجب أن يكون اسمها موجوداً في قائمة إنجازاتهم المهنية، فهي تعني المغامرة صوب المخاطر، حتى وإن كان الأمر بلا مخاطر فعلياً؛ من نوع زيارة مخيمات اللجوء، أو زيارة المناطق التي يسيطر عليها النظام، أو متابعة بعض الحالات السورية هنا وهناك..

سوريا بوضعها الراهن مادة مرغوبة من قبل أي صحفي غربياً كان أم عربياً، ففي كارثتها الكبيرة الكثير الكثير من التفاصيل، ولكن هل كل مادة عن سوريا قابلة للنشر في الصحافة الغربية؟

 

قبل سنة وعشرة شهور، وحينما تم نشر أول صور سربها سيزر (قيصر) عن المعتقلين الذين قتلوا تحت التعذيب في سجون الأسد، قابلتُ صحفياً هولندياً كان يجري عدة لقاءات حول الإعلام السوري البديل، كانت أغلب أسئلة الصحفي بعيدة عن الموضوع المعلن، وكلها تصب في الحديث عن داعش، وعن الفروقات بينها وبين الفصائل الإسلامية الأخرى، والفصائل التابعة للجيش الحر، كان الصحفي يذهب إلى جمع الفصائل كلها في سلة واحدة، وكنت أحاول أن أفرق بينها، حتى وصلنا إلى طريق مسدودة، وتحولنا إلى جهتين متناقضتين، الصحفي الغربي يضع الجميع في سلة واحدة، وأنا أضع كل فصيل في دائرته الخاصة، وبدا أن الأمر لم يعد حديثاً صحفياً بل صار جدلاً عقيماً، سيما وأن التفكير السبقي بات واضحاً عند الرجل، وحين سألته من موقعي كصحفي أيضاً لا كضيف:

لماذا لم تسألني عن صور المعتقلين؟

ارتبك الرجل، وحاول العودة إلى جدول عمله الصحفي، فتابعت استفزازه، ولكنك لم تلتزم بجدولك الصحفي وأنت تسألني عن داعش والفصائل الإسلامية، وتهمل أي معلومة أعطيك إياها عن ضرورة التمييز بين القوى المقاتلة على الأرض..!

لم ينته اللقاء بشكل ودّي، رغم أنه حاول أن يظهر تعاطفاً من نوع ما، حينما عرف أن من بين الزملاء من تم تعذيبه في معتقلات النظام، وفي معتقلات داعش.

 

الآن و بعد مرور كل هذا الوقت أجزم بأن الرجل لم ينشر أي شيء مما تم تقديمه له، بل قام بنشر ما يريد أن ينشره..

نموذج هذا الصحفي الغربي، بات يتكرر كثيراً خلال السنوات الثلاث الماضية، هناك أحد ما يلهث وراء الموضوع/ الموضة، طبعاً هذا حق من حقوق الصحفيين في أن يعملوا على المواضيع التي يرون بأنها مطلوبة، وبالمقابل كان هناك صحفيون مهنيون عملوا خارج الموضة، وبذلوا الجهد الكبير في إبراز صور أكثر دقة وموضوعية عن السوريين في الداخل و في الخارج، لا بل إن بعض هؤلاء كانوا مؤثرين في صناعة مشهد إعلامي حقيقي عن الكارثة السورية.

ولكن النموذج السائد الذي ينتج المادة الصحفية عن سوريا، هو من يشبه ذلك الصحفي الهولندي، حيث يأتي إلى بيئة المادة الصحفية، لا لينكأ فيها ويكتشف ما تحتويه، بل ليجد فيها ما يؤيد وجهة نظره المسبقة، وليصنع مادة وفق حاجات السوق، فالسوري الهارب من داعش هو الموضة، بينما السوري الهارب من براميل النظام موضوع غير مهم، تزوير الوثائق الشخصية السورية هو الموضة، وليس منع النظام السوريين المعارضين من الحصول على هذه الوثائق..!!

 

و بالتأكيد كلما اقترب الأمر من حياة المواطن الغربي وشؤونه، يصبح مثار اهتمام الصحفيين، وعليه فإن متابعة رحلات السوريين في البحر، بات ومنذ شهور هو المادة الأكثر شهية لمنتجي المواد الصحفية، وكذلك تحولت شواطئ الدول التي يخرج منها السوريون مسرحاً لعمل الصحفيين، ومثل ذلك أمست رحلات (البلم) وطرق مسير اللاجئين، مادة مهمة أيضاً، وبالتأكيد فإن إشباع السوق الصحفي بهذه المواد، سيجعل البعض يحاول الخروج من المسار ليذهب إلى زاوية خاصة مختلفة، وتبعاً لهذا فإن السوريين في المدن التركية يقابلون في هذه الأيام صحفيين يحاولون تحري الأسباب التي تجعلهم يقررون الخروج صوب أوروبا..!

 

وبعد أن تنتهي موضة اللجوء، وبانتظار الموضة القادمة، ما الذي يثير شهية الصحافة الغربية؟ إنها داعش.. إنها الاستثمار الصحفي الأكبر، وهذا ما يدركه تنظيم الدولة ذاته، ولهذا فإنه ما أنفك يلقي بالفخاخ لهذا الإعلام، الذي يدرك بأنه يقوم بالترويج للقباحة عندما ينصاع كل مرة لإبراز أفعال التنظيم ضمن المسار الذي يخططه التنظيم نفسه، وليس ضمن مسارات مختلفة قد تكون الصحافة الاستقصائية واحدة منها.

 

في الجهة المقابلة، هناك صحفيون غربيون يزورون سوريا الأسدية هذه الأيام، فصورة المناطق التي مازال يسيطر عليها النظام، على أنها مناطق آمنة وهانئة، لم تعد تصدر عبر الإعلام الإيراني أو الروسي فقط، بل إنها بدأت تظهر في الكثير من الوسائل الإعلامية الغربية، حيث تركز الكاميرات وسط سوق مدينة طرطوس الساحلية، لنرى السوريين وهم يتسوّقون، وحين تقترب منهم الصحفية لابأس من أن يظهر مؤيد يحيي فلاديمير بوتين الذي جاء بطيرانه "ليحمي سوريا". ولابأس من أن يقوم صحفي غربي أخر بزيارة خط الاشتباك بين قوات الأسد ومقاتلي الجيش الحر في جبل الأكراد، وبالتأكيد يصبح من المستحب أن يجلس الصحفي مع قائد قوات النظام، الذي يشرب البيرة (ألماظة) وهو يحدث ضيفه عن العصابات المسلحة التي تسبي نساء الأقليات..، حيث يصبح كل من رفع سلاحاً ضد قوات الأسد داعشياً، وتتحول الوسائل الإعلامية الغربية إلى منبر للنظام الذي ما أنفك يحدث مؤيديه في الداخل عن المؤامرة الخارجية، بينما يحدث الجمهور الغربي عبر شركات العلاقات العامة التي تستجلب هؤلاء الصحفيين عن علمانيته وحضاريته، مقابل همجية مقاتلي المعارضة "الإسلاميين"..!

 

لا فكاك بالنسبة للسوريين وبعد خمس سنوات من المحرقة التي يعيشونها، من أن يتحولوا إلى مادة يبتذلها الإعلام الغربي، وكذلك العربي الذي ترك مأساتهم في أوطانهم وتحول ليبحث في نقائصهم في بلدان اللجوء..! ولكن السؤال الذي ما برح يطرح من قبل السوريين أنفسهم فيما بينهم: وماذا فعلنا نحن من أجلنا؟ سؤال صعب فعلياً لأن الإجابة عنه تعني قراءة خمس سنوات، من الفشل، لا يعدل في واقعها بعض الإلتماعات هنا وهناك..


 

* علي سفر
شاعر ومخرج سوري، يعمل في الصحافة السورية والعربية، صدرت له ستة كتب شعرية، قام بإخراج الأفلام الوثائقية، يقيم حالياً في اسطنبول – تركيا.

علِّق

المنشورات: 1
القراءات: 1726

مقالات الكاتب