عدد القراءات: 1184

الزاوية .. سيناريو الحكواتي

 

مرّت سنوات منذ تابع فيها السوريون برنامجاَ تلفزيونياَ أو مسلسلا دراميا كوميدياً بشغف، إذ لم يعد للأحزان المتراكمة في صدور الناس سوى دورٌ بسيط ، وهو منعهم من الابتسام، الضحك في الحالة التي يعيشها السوري، ليس إلا آلية دفاعية لا شعورية يلجأ إليها العقل للتخفيف من عبئ الواقع الأليم، غير أن هناك عوامل عدة تجعل من الضحك أمراَ صعباً، ليس آخرها النصوص الكوميدية الضعيفة المقدّمة، ولا أوّلها "همام حوت"، لكن الأخيرين ممكن أن يحولا الحاجة الى الضحك، إلى الحاجة لتحطيم جهاز التلفزيون، احتجاجا على تنغيص السوري حتى عند لجوئه إلى الضحك باعتباره تلك الآلية الدفاعية لمقاومة هذا الواقع الذي يعيشه.

 

الصدمة الأولى ..

بعد دعاية لا بأس بها عن برنامج تلفزيوني بقالب الـ" Talk Show " القادم على شاشة اعتاد السوريون اسمها "قناة أورينت"، كان الجمهور يتوقع شيئ بحجم، أو جودة، برنامج "البرنامج"، بقيادة مقدم ذكي أسر قلوب المشاهدين، بحجم "باسم يوسف"، فانتظرنا أياماً حتى كشفت الستارة عن مفاجأة محبطة بحجم "همام حوت"، ليس انتقاصاً من قدر الممثل المسرحي الشهير، لكن حجم الإحباط يأتي من حجم الفارق الكبير بالمقارنة الذهنية التي لم تتطلب أكثر من ثواني أولى تلت دخول همام حوت الاستوديو، ليمتص المشاهد الصدمة ويعطي حكماً أولياً زاخراً بالإحباط، ناتج عن الفارق الضخم بين التوقعات والنتائج ...!

تابعت الحلقة الأولى كالكثير من السوريون، الصدمة التي تلقيتها لمشاهدة "همام حوت" لم تستطع أن تلجم ذهني عن كمية العيوب التي سلبت أي رغبة لي بالمشاهدة، فمن الدقائق الأولى سقط البرنامج في خطأ ممجوج بوصف الشعب اللبناني بأنه "شعب أكال نكار"، الضغينة التي تجلّت مؤخرا بين الشعبين السوري واللبناني، والتي يحاول الكثيرون محاربتها واسقاطها من الذهنية الجمعية للسوريين، حرصا على مايقارب ال2 مليون من النازحين السوريين في لبنان، الأمر الذي لايقبل المزاح.

لم يستطع مخرج البرنامج "فادي الشطي" على مايبدو، الهروب من التراكمات الذهنية لشكل "الفرقة الموسيقية المضحكة" التي قدمها "الرحابنة" في ماسبق، الأسلوب الذي راج منذ الثمانينيات حتى التسعينيات ، ولا ننسى مسرحية " قهوة المعلم نخلة التنين" التي يبدوا أن حتى البدلة البيضاء والطروبش الخاصين بـ "جوزيف صقر"، قد تم استعارتهما في هذا البرنامج !

على مدى ثلاث حلقات، لم يقدم البرنامج فكرة تحليلية ساخرة، سوى الاعتماد على السرديات الوصفية التي بنيت على أساسين، الأول مقتبس من أسلوب "باسم يوسف" السردي المتسارع والذي أخذه الأخير من برامج أمريكية وأدخلها للاعلام المصري، وثانياً مبدأ المونولوج المسرحي، ولم يوفق همام حوت في كليهما وهو المسرحي المخضرم، فلا هو سردٌ تلفزيوني، ولا منولوجاَ مسرحياَ. بالغ الكاتب في تجميل النص بالقوافي، وذلك ينم عن قناعته بضعف السكريبت، ليبدو كأنه (سَجَع شعبي) مستوحى من مسلسل "مرايا 98"!

برنامج مبني على (الفكاهة) لم يقدم حتى الآن طرفة واحدة مبتكرة 100% ، وكل ماتم تقديمه أعتمد على إعادة تدوير النكات والأفيهات التي ابتكرها السوريون على وسائل التواصل الاجتماعي منذ 7 سنين حتى اليوم، لا بل وبعضها كانت نكات متداولة بين السوريين قبل الثورة بزمن. وحتى هذه الكوميديا المعاد تصنيعها لم تحدث الأثر المطلوب، فمن المعروف في علم الطرفة، أن أهم مايجب مراعاته هو أسلوب تقديم الطرفة، وتوقيتها، الأمر كله يتعلق بالأسلوب والتوقيت المناسبين، وهما الأمران اللذان سقطا من "همام حوت" لتكراره أفيهات مر عليها الزمن، كموضوع الانتخابات الرئاسية الذي استهلكه السوريون تماما، ليكون موضوع الحلقة الثالثة، وفقدان الأسلوب في الطرح الساخر، والذي اعربه المقدّم بالصراخ في وجه الكاميرا والجمهور بنبرة صوت وملافظ سوقية، لايمكن حتى اعتبارها شتائم وظيفية تخدم النص، والتي كانت ستكون محببة أكثر من كونها صراخ بذيئ !

رغم ذلك تمر في البرنامج دقائق لا يستطيع فيها المشاهد تحديد الفئة العمرية المستهدفة من العرض، وذلك لما لبعض الأغاني المطروحة من روح وموسيقى (الطلائع) ! مايقودك لتساؤل: هذا البرنامج موجّه لأي فئة عمرية بالتحديد؟.

 

برنامج معيب ..

لا تعتبر برامج "التوك شو" اختراعاً جديداً، هذا النوع من البرامج بدأ منذ أكتر من 35 سنة واستمر حتى اليوم، متل برنامج NightLine على شبكة abc بدأ سنة 1979 وكان مقدمه  Ted Koppelالشهير، الذي استمر في تقديم الرنامج حتى عام 2005 و القائمة تضم أكتر من 25 برنامج عالمي ناجح من هذا النوع. هذه المعلومة السريعة من المفترض أن يستفيد منها مخرج برنامج السناريو "فادي الشطي", الذي يعطينا إحساسا بأنه يعيد اختراع العجلة باخراجه "السناريو" على شاشة الأورينت.! فربما يكفي كادر الاعداد والمخرج والمقدم همام حوت، أن يأخذوا فكرة معمقة عن هذه البرامج التي بات لها خطوطاً أساسيّة وقواعد عامّة لقدمِها، حتى يتمكنوا من التفريق بين :

فكرة الـ " TV Talk show Host " وبين " حكواتي المقهى " ..! فمن المعروف أن همام حوت ممثل مسرحي، لكن مالم يعرفه هذا الممثل، أن حركات "مسرح الحمرا" والمسارح الشعبية لا تصلح لهكذا برامج .!

من الأخطاء التقنية الكثيرة الملحوظة موضوع الإضاءة السيئة في الاستوديو، وفخ استسهال تقديم الأغاني بطريقة الـ playback ومشكلة الـ lipsing (عدم تزامن الصوت مع الصورة) التي تبدوا واضحة في كل الأغاني والعراضات المقدمة، وعلى ذكر العراضات ولكثرتها في الحلقة الثانية، ظنناها مجرد حفلة افتتاح صالة أعراس؟!

لا يمكن اعتبار ما حصل في الحلقة الثانية من طائفية واضحة في أغنية "قيقي قيق قيقي قيق" فعلاً كوميديا مبرراً, الأغنية التي تأخذ الخطاب الطائفي (وهو النقد الدائم الموجه لقناة أورينت) الى مرحلة أعلى مستوى وشبه رسمي يتبناه برنامج تلفزيوني (جماهيري)، والذي يقود الخطاب الطائفي على محمل هزلي، ليعطي إعلام النظام الرخصة لتناول هذا النوع من المزاح الصبياني الغير عاقل، للرد بنفس الطريقة، فتكون مقاذفة طائفية هزلية بشكلها، سريالية بمبناهى، فإن رأيتم برنامجاً تلفزيونيا في إعلام النظام يسخر من لهجة أهالي درعا مثلا أو حلب بشكل طائفي، فتوجهوا باللوم إلى كادر "السيناريو" قبل أي أحد آخر!.

استخدام "الحوت" مرض (الحوَل) كأداة لاثارة الضحك، كان منفرا ! الحوَل إعاقة خُلقية، ومن المعيب جدا أن تكون الإعاقة الجسديّة موضوعا للسخرية ! هل اطلع القائمون على البرنامج على عدد الأشخاص الذين يحملون هذه الإعاقة ويتابعوا هذه الحلقة ؟ لماذا تدنى حس المسؤولية في صناعة الإعلام؟ ولو كان في إطار برنامج ساخر! هذه مادة جماهيرية، ومسؤوليتها أكبر من البرامج الجادة ذات الجمهور المحدود.

لو تخيّلنا أن "همام حوت" يرتدي اللباس الدمشقي التراثي (طربوش وشروال) وعوضا عن الاستوديو يجلس في مقهى شعبي، ويقدم نفس السيناريو ونفس الحوار، هكذا يكون السكريبت والمقدّم والجو العام مقبولا وفي مكانه الصحيح ...!!!

 

تعاملت إدارة شبكة أورينت مع النقد بذكاء، وقامت بنشر بعضه على موقعها الالكتروني. لكن مالم يكن متوقعا هو استمرار البرنامج بطريقة أسوأ في الأداء. مايجب على إدارة شبكة أورينت معرفته، هو أن الجمهور ينتظر عملا ما، وأن نفس الجمهور قد ارتفع لديه حس التلقي والمستوى الكوميدي بشكل ملحوظ على السوشيال ميديا المتداول بين الناس، ما يعني أن التهريج الرّديئ لم يعد له مكان لدى هذا الجمهور، فاحترموه قليلا.

 

 

 

علِّق

المنشورات: 4
القراءات: 4229

مقالات الكاتب

الزمن السوري
الزمن السوري
الزمن السوري