عدد القراءات: 14424

الديمقراطية هي أفضل ما تمتلكه الشعوب العربية والإسلامية اليوم لتحقيق مبدأ الشورى

 

تصاعدت خلال السنوات القليلة الماضية الجهود الشعبية في دول الربيع العريي للتحرر من الاستبداد والفساد، والعمل لتأسيس نظام سياسي يقوم على أساس المشاركة السياسية في صيغتها الديمقراطية، بوصفها النموذج الأفضل في الوقت الراهن لتحقيق حياة سياسية تقوم على أساس العدل وحفظ الحقوق ومساءلة السلطة وإخضاعها للرقابة المؤسسات المدنية. في خضم هذه المساعي برزت أصوات من حركات دينية فاعلة على الساحة الثورية تستنكر الديمقراطية وتنعتها بالكفر والضلال، وتتوعد من ينادي بها بالويل والثبور وعظائم الأمور.

الذريعة التي يعتمدها العديد من دعاة الجماعات الدينية المتشددة، الذين يرفضون المشاركة السياسية، ويريدون أن يستأثروا بالسلطة ليلزموا الناس بما يعتقدون أنه "الرشاد"، تقوم على فكرة انتشرت خلال نصف القرن الماضي تقول أن المجتمع السياسي يجب أن يخضع لحاكمية الله. مفهوم "حاكمية الله" هذا مفهوم حديث طوره ابو الأعلى المودودي في منتصف القرن الماضي، ثم استعاره سيد قطب منه وأصبح شعارا للحركات الدينية المتشددة.

 

لكن ماذا يعني عمليا أن نتحدث عن "حاكمية الله" في مجتمع سياسي ونحن نعلم أن الله ليس عضوا في هذا المجتمع؟ التفسير الوحيد المعقول لهذه العبارة أن المجتمع السياسي ملتزم بجملة من القيم والمبادئ التي تتوافق مع مقاصد الوحي والتنزيل، وهي المبادئ العليا التي تكررت في الرسالات، مثل العدل والإحسان والرحمة والحرية والمساواة والتعاون والتضامن ومحاربة الفساد والطغيان، وهي في جوهرها قيم إنسانية.

لكن من هو المكلف بتحويل هذه القيم إلى علاقات وممارسات ومؤسسات؟ أليس هو المجتمع المؤمن بالقيم الإنسانية العليا التي أمر الله بها؟ أليست هذه مسؤولية أفراد المجتمع السياسي أو الأمة المطالبة بالحفاظ على القيم الإنسانية وكرامة الإنسان؟ أليس الشعب هو المكلف بهذه المسؤولية؟ أم هل يريد دعاة "الحاكمية" أن يستعلي أفراد من الشعب ويستخدموا القهر والقوة العارية والأجهزة الأمنية والمعتقلات لتحقيق القيم العليا التي أمرت الرسالات السماوية بها؟

ثم كيف يتم اعتماد هذه المبادئ في سياق اجتماعي تاريخي؟ هل نحتكم إلى القوة ونرضى أن تفرض النخبة السياسية فهمها للعدل والمساواة والحرية على المجتمع (كما فعلت الوثوقية العلمانية المتعالية على الشعب في سورية وغيرها من دول المشرق خلال نصف قرن)؟ أم هل نلجأ إلى الحوار والحجة والرأي، ثم نعتمد آليات تقوم على أساس حرية الناس في اختيار من يمثلهم؟

 

الله كلف الناس بتحمل مسؤولية تأسيس المجتمع الذي يحقق المبادئ المعيارية العليا، وسيعود الناس جميعا إليه في يوم آخر ليحكم بينهم فيما اختلفوا فيه وينبئهم أيهم أحسن عملا. أما الذي يدعو إلى اعتماد السلاح والتسلط والترويع لفرض ما يراه حقا فهو لا يختلف عن فرعون الذي ربط الوحي طغيانه بتسلطه على الناس وإصراره على فرض "سبيل الرشاد" الذي يراه هو دون غيره، "قال فرعون ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد". (غافر 29)

ما أريكم إلا ما أرى هو الذي سماه القرآن الكريم "الطغيان" و "الطاغوت" واستنكره بشكل خاص لأن الطاغية تذرع بحسن غايته ورغبته في هداية الناس إلى سبيل الرشاد. المبدأ السياسي الذي دعا إليه القرآن الكريم هو المبدأ المناقض للإلزام الناس الرشد وإكراههم على أن يروا الأمور كما يراها أصحاب السلطة، وأعني بذلك مبدأ الشورى الذي جعله القرآن الكريم صفة للمؤمنين عندما قال في وصفهم "وأمرهم شورى بينهم".

لذلك يثير أصرار الحركات الدينية التي ترفض الاحتكام إلى سلطة الشعب وصناديق الاقتراع تساؤلات حول جديتهم في الاحتكام إلى مبادئ السماء. إذ أنه من دواعي العجب والاستغراب أن يندد هؤلاء بالآليات الديمقراطية التي تحقق مبدأ الشورى، ويصرون على اعتماد الأشكال التاريخية التي تخرج الحاكم من السلطة الشعبية. الإصرار على رفض الديمقراطية بذريعة مخالفتها للإسلام ينم عن جهل بمعنى الديمقراطية وآلياتها كما يعكس تجاهل مبادئ الإسلام التي تشدد على الشورى والمساءلة والمسؤولية المشتركة لأعضاء المجتمع السياسي والتساوي بالحقوق والحريات.

أليس عجيبا ممن وضع نفسه في موقع الدفاع عن الإسلام ورسالته أن يرفض النظام الديمقراطي ويساويه بالكفر، وهو يقرأ آيات الكتاب التي تجعل الشورى قيمة إسلامية مساوية في الالتصافها بالمؤمنين الصلاة والزكاة؟ الديمقراطية مبدأ يجعل السلطة السياسية للشعب والأمة، ويربط القيادة السياسة باختيار المواطنين، ويعطي المواطنين الحق في مساءلة القيادة عن أدائها السياسي للتأكد من التزامها بالمواثيق الوطنية التي توافق عليها ابناء الوطن والمجتمع السياسي.

أليس هذا المبدأ هو الذي يحقق اليوم معنى الشورى بوصفها مسؤولية عامة لا امتيازا خاصة لمن اختير لموقع القيادة؟ ألا يوفر هذا المبدأ الآلية الضرورية لإخضاع السلطات لمساءلة المواطنين، وتحقيق المساءلة التي أقر بها ودعا إليها الخليفة الراشدي الأول ابو بكر الصديق حين أعلن على الملأ خضوعه للمساءلة السياسية فقال "إني وليت عليكم ولست بخيركم. إن أحسنت فأعينوني وإن اساءت فقوموني."؟

 

الديمقراطية هي المبدأ والآلية المناسبة اليوم لممارسة الشورى وتحقيق المساءلة، ومن يريد رفضها باسم الدين فهو في حقيقة الأمر يرفض المبدأ الذي يمنح الناس القدرة على اختيار قادتهم السياسيين، ومساءلتهم عن قراراتهم وتصرفاتهم وإنفاقهم للثروة العامة بعد توليهم مقاليد السلطة، وتغييرهم في الانتخابات اللاحقة حال فشلهم في تحقيق وعود قطعوها على أنفسهم أو الالتزام بالمصالح المشتركة واحترام الحقوق العامة.

من يرفض المبدأ الديمقراطي باسم الدين فإنه يسعى إلى شرعنة الاستيلاء على السلطة بقوة السلاح، وقمع المعارضين بقوة السلاح، والتصرف في الشأن العام دون وجود آليات تمنعه من الاستبداد بالرأي والقرار. أليس هذا ما فعلته أنظمة الحزب الواحد عندما شرعنت احتكار السلطة باسم تحديث المجتمعات العربية وتحقق الوحدة والحرية والاشتراكية لكنها حولت عمليا الشعوب العربية إلى سادة وعبيد، وإلى متصرفين في الشأن العام لمصلحة النخبة الحاكمة، ومحرومين من أبسط الحقوق الدينية والمدنية؟ أليس هذا هو الذي دعا تلك الشعوب بعد سنين عجاف من التسلط والاستبداد إلى الانتفاض لرفض التسلط وتجاوز الحقوق والحريات؟

القوى الإسلامية التي ترفض آليات الديمقراطية ولا تمتلك نماذج بديلة لتحقيق الشورى والمساواة والمساءلة والمشاركة السياسية تعمل من حيث تدري او لا تدري إلى إفشال حركات التحرر من أنظمة الفساد والاستبداد لأنها تدين الجهود الرامية إلى الخلاص من الاستبداد بكل أشكاله وشعاراته، سواء تلبست بالصبغة الدينية أو القومية أو الوطنية.

 

 

علِّق