عدد القراءات: 26376

الخوجا الحسين... والخطأ السياسي


لا يحتاج المرء جهداً كبيراً للاستنتاج أن هنالك هدفاً سياسياً من وقوف لؤي حسين إلى جانب خالد خوجة في مؤتمر بروتوكولي إعلامي وفي مدينة اسطنبول التركية بالذات، وليس من أجل استرضاء الخوجة للحسين أو من باب رص صفوف المعارضة السورية لمواجهة استحقاقات هامة، وذلك من خلال تنسيق وطني بين طرفين معارضين كما أشاع عن نفسه لؤي حسين خلال سنوات الثورة، لكنه لم يستطع إقناع أشخاص لا يتجاوز عددهم من يمكن أن يحضر عرس بحارة مع كل من يدخل إليه من فضوليين أو طامحين لقطعة حلوى، ولهذا هو لا يمكن اعتباره طرفاً معارضاً في سياق الثورة وما حصدته من نتائج، بل جاءت التسريبات الأخيرة لتؤكد مدى تماهيه مع النظام.
لا شك أن دول العالم تدرك ذلك الحجم السياسي للرجل ودوره، وتدرك بالمقابل أن خوجة أخذ وزنه السياسي من خلال رئاسته للائتلاف السوري وليس من خلال حزب معارض يقوده ويستطيع التأثير بقراره السياسي، وبرغم ذلك فإن مناورة سياسية دولية ربما تدور في كواليس ذلك اللقاء الذي بث على الهواء مباشرة، وكأنه بين زعماء أطراف من نوع مؤثر في مجريات الأحداث والسياسة.
لكن هل وفق المعد والمخرج والممثل في هذا الاستعراض؟ هذا هو السؤال الأهم بين زحمة الانتقادات التي توالت بعد الحدث، إن كان على الحالة أو على العلم الذي مثل الثورة، وكان هو الحدث الذي غطى على مضمون اللقاء وخلفياته، وهنا تكمن الخطيئة الفنية التي يفهمها من يعمل بالصورة وأبعادها ومن يحيك سيناريو حدث يريد له أن يرفق بمؤثرات تدعمه لا تضعفه أو العكس، وللتوضيح بشكل آخر وكما يقال عادة، حيث عندما تلتقط صورة لعدة أشخاص كلهم يرتدون أطقماً سوداء إلا واحداً يرتدي طقما أبيض هنا ستتجه الأنظار والفضول نحو المختلف.
في ظهور الخوجة والحسين تناسبت حتى ربطات العنق وخلفية الصورة وهدوء الشرح وتناغم الأفكار والابتسامات بين الرجلين، وغاب علم الثورة فوحد الأبصار، ليأتي اعتذار الخوجة في مؤتمر جديد عن إبعاد علم الثورة فيه شيء من الشجاعة، لكن هدوءه لم يسعفه في التغطية على ما حدث وبخاصة أنه تمت مفاجأته بتسريبات صوتية للحسين قبيل المؤتمر الأمر الذي أربك الحالة كلها، ولكن ماذا خلف هذا اللقاء بالأساس وكيف فشل قبل أن ينطلق؟.
إن لؤي حسين الذي غادر سوريا بطريقة دعائية إلى تركيا، من الواضح أنه جاء ليمثل أقلية دينية بواجهة سياسية، وليس كسياسي معارض في صفوف الثورة، وهذا عائد إلى أن البحث عن وجوه بديلة لطائفة السلطة من قلب السلطة نفسها قد باء بالفشل، وتظهير شخصيات علوية من قلب المعارضة لها حضورها لا يمكن له أن يعطي صدى وقبول لدى الجمهور الذي يقع بقبضة الأسد، فكان من الطبيعي تقديم شخصية عارضت المعارضة ولم تعترف بفصائلها المقاتلة ولا بانتصاراتها، بل شككت بها وشتمتها، واكتفت بالاعتراف بتردي أوضاع النظام واقترابه من السقوط المدوي، وأن ظهر النظام قد قصم ويجب الخروج من عباءته ووضع مسافة فاصلة بين مؤيديه وحاضنته وبينه، فالحسين إذا بديل قادم عن النظام في حل يطبخ بالكواليس وليس معارض يشد أزر الثورة بثقله.
أما الخوجة رئيس الائتلاف الذي هو الواجهة المعترف بها للمعارضة والتي تشكل قلقاً لدى حاضنة النظام، ها هو يفتح ذراعيه بلا أية حساسية أو عداوة لشخصية محسوبة على حاضنة النظام وهو مستعد لتداول كافة المسائل معها للوصول لمستقبل مطمئن لحاضنة النظام، وبهذا وبسرعة البرق ومن خلال بروتوكول غير مدروس سقط هذا المشروع وأعطانا مدى الضعف لدى مستشاري الخوجة بل ولاعبي السياسة الذين وضعوا ثقلهم لتلميع هذا المشهد وإخراجه.
لم يحسب هؤلاء بدقة أن رسائل الطمأنة يجب أن توجه أولا للمظلومين وذوي الشهداء والمهجرين والذين هدمت مدنهم وتحملوا الويلات طيلة سنوات، ولم يحسبوا أن رسائل الطمأنة التي ترسل للطرف المظلوم، سيكون لها أثر على الطرف الآخر أكثر من أي مؤتمر، فعندما قبل الخوجة تعدي لؤي حسين على ظهور رمز الدم المراق لأجل الحرية، وهو العلم، وإن أزاحه على يمينه كي لا يظهر خلف لؤي حسين حسب ما صرح بمؤتمره اللاحق، فهو بهذا وجه رسالة من بارود إلى كل تلك الجماهير التي احتضنت الثورة، وبهذا وبضربة قاضية أسقط كل المشروع الذي مازال بالكواليس وهو ما زال على المنبر، فضاع جهد ربما أخذ وقتا ليس بقليل من الإعداد بلحظة أمية سياسية، تعيدنا من جديد إلى السؤال الذي لطالما طرح، وهو لماذا كفاءات هذا الوطن بكل ألوانها مازالت مهمشة وممنوعة من الفعل ليترك الملعب لمغامرين يتعلمون بوقت تسجل فيه حركة عقارب الساعة ضحايا من لحم ودم.
لتأتي التسريبات من حديث مسجل للحسين متوازية مع ظهور الخوجة في مؤتمره الثاني للاعتذار، كأنها ضربة قاضية لوجود الحسين في أي مشهد مقنع إذا افترضنا أننا أمام حل يطبخ بالكواليس، وعلى هذا يجب على الائتلاف وقيادته الاستفادة من هذا الإرباك غير المحسوب وإعادة النظر بطريقة أكثر احترافية واحتراما لمشاعر حاضنة الثورة التي مازالت خارج حسابات لؤي حسين، كي لا يتم تكرار الوقوع بأخطاء تبدو بظاهرها حالة تفصيلية ولكن بمضمونها لها عمقها وأثرها.
 

التعليقات

يبدو واضحا من هذا المقال أن الائتلاف السوري المعارض و ممثللي المعارضة السياسيين لا يدركون حجمهم الحقيقي بل أنهم يقيسون قيمتهم بمدى اهتمام المجتمع الدولي و حجم سخائه و كرمه..كما يبدوا واضحا أن قيادة الإئتلاف و لفيفها منفصلة تماما عن الوليد السوري الجديد الذي يكبر بغيابهم و انشغالهم بضمان رضى أطراف دولية تحافظ لهم على مستوى الحياة التي يعيشونها و لو مؤقتا..ينظرون الى النظام بعين العبد المهزوزة و كانهم مقتنعون أن مستقبلهم السياسي يمر من تحت عباءته.. الكاتب يقدم النصيحة للائتلاف للاستفادة من هذا الخطأ في حين عليه أن يطلب بجرأة من الائتلاف اصلاح منظومته بالكامل و تغيير آلية قيادته السياسية للثورة السورية.

علِّق