عدد القراءات: 3304

"الجيش السوري".....عنوان مأساة سوريا

كان الجيش السوري مناقضاً للدولة السورية على مدى عمره ذي السبعين عاماً. منذ تأسيسه على يد الفرنسيين تحت اسم جيش المشرق، كان جيشاً ضد الدولة والأمة والشعب اعتمد الفرنسيون على "الأقليات" في تشكيله، وسترسم السنوات الأولى من الاستقلال الدور الرئيسي له لاحقاً.
منذ عام 1949 بدأ مسلسل الانقلابات العسكرية ( في ذلك العام وحده وقعت ثلاثة انقلابات)، وتتالت حتى بلغت سبعة خلال ثلاثة عشر عاماً أي حتى عام 1962 ( بالمناسبة كل الانقلابيين كانوا من الضباط السّنة).
لم يحمل أي من الجنرلات مشاريع وطنية لسوريا، حديثة العهد بالاستقلال، بل كانوا يتنازعون صراعاً على سلطة، مدفوعين أحياناً بدعم خارجي. ولم تنجح الانقلابات إلا في شيء واحد هو وأد التجربة الديمقراطية الوليدة في سوريا ( كان نظام الحكم ديمقراطياً برلمانياً، وعاشت البلاد مناخاً من الحريات السياسية والإعلامية بين انقلاب وآخر).
سيسجل الجيش السوري واقعة فريدة في التاريخ عندما توجه ضباط بعثيون ( بعد أن جرى تسييس الجيش كاملاً على يد شخصيات مثل أكرم الحوراني) إلى مصر طالبين من جمال عبد الناصر إبرام "الوحدة" مع سوريا، دون علم رئيسي الجمهورية والحكومة (شكري القوتلي وخالد العظم).  وستعكس هذه الحادثة سطوة الجيش، وبؤس حال الدولة السورية، وفشل الطبقة السياسية في وقف تدخل العسكر في السلطة بسبب افتقارها القدرة على ذلك وما بدا غياب رؤية عند السياسيين آنذاك لمستقبل البلاد، وستشير كذلك إلى المدى الذي بلغه الهوس بالوحدة العربية لدى عامة السوريين ونخبهم السياسية والعسكرية في آن ( لم يعترف السوريون يوماً بسوريا كوطن نهائي، وهذا أمر عجيب آخر).
رجع الجيش بعد الانقلاب على الوحدة سيرته الأولى، لكن آذار 1963 شكّل نقطة تحول تاريخية ستغير وجه سوريا إلى الأبد، ذاك أن الانقلابيين آنذاك كانوا من البعثيين ( سيكتشف السوريون لاحقاً أن حزب البعث وايديولوجيته كانا واجهة لتحالف ضباط جمعهم مشروع طائفي واحد لن يلبث أن يتفكك لصالح جهة بعينها). انقلب الانقلابيون على بعضهم بعضاً في 1966 و1970 بعد أن دانت السيطرة كلياً لحافظ الأسد، ليُعلـَن المشروع الطائفي وعموده الفقري، مرة أخرى، الجيش الذي سيغدو "عقائدياً" ( أي جيش الأسد والطائفة) على الرغم من إعطائه اسماً دعائياً هو "الجيش العربي السوري")
لا يُسجّل التاريخ انتصاراً واحداً للجيش السوري منذ تأسيسه، فقد خسر كل المعارك التي خاضها ( 1948، 1967، 1973). و "انتصاره" الوحيد كان على مدينة حماة وأهلها عام 1982، ليكون بمثابة الاستثناء الذي يؤكد تلك القاعدة. وهذا من بين أسباب كثيرة جعلت هذا الجيش محطّ الاحتقار والازدراء لدى غالبية السوريين، إذ لم يكن بالنسبة إليهم مؤسسة تتجلى فيها معاني الوطنية والتضحية والفداء مثلما هي حال بقية جيوش العالم، ولذا رفض معظم السوريين، والقادرون منهم خصوصاً، الالتحاق به، بوصفه نموذجاً في القهر والذل والفساد والتسلط والطائفية مجتمعين. قلـّما تجد جيشاً يمحضه شعبه كل هذه المشاعر السلبية مثلما يفعل السوريون مع "جيشهم"، حتى أنهم أسموه "جيش أبو شحّاطة"!
سنوات الثورة ستؤكد وجهة نظر السوريين، وستثبت الحقيقة العارية لهذا الجيش بوصفه أداة الأسد لتدمير سوريا وقتل أهلها و تهجيرهم. ولم تكن الانشقاقات الكبيرة في صفوف ذلك الجيش إلا ترجمة عملية، ولأول مرة، عن الشعور الذي أخفاه السوريون طويلاً تجاه تلك المؤسسة.
يدرك السوريون اليوم خطيئتهم التاريخية عندما تركوا الجيش يستولي على البلاد، فغدا مطيّة للديكتاتورية والطائفية وآلة عمياء للقتل والدمار،  وسبباً رئيسياً وراء مأساتهم، ويدركون أكثر أن لا قيامة لسوريا ولا خلاص لها إلا ببناء جيش جديد على أسس جديدة كلياً.

علِّق

المنشورات: 1
القراءات: 3304

مقالات الكاتب