عدد القراءات: 17705

الإرهاب في أوروبا، والاسلام هو المتهم بأدلة أو بدونها.؟!

 

 

* محمد رامي

سبق وسال الكثير من الحبر عن تأصيل مسألة التطرف ونبش جذورها وتعلقها بالنصوص التي تخدمها، وتم تقديم العديد من الدراسات والتحاليل المتعلقة بهذا الخصوص مما يساعد الباحث على تخيل مايدور في عقل المتطرف وتجرؤه على ممارسة تلك الأفعال.

ولإكمال الحلقة وإغلاق الدائرة يطفو سؤال على السطح، بكل بساطة: لماذا؟ ماهي الدوافع التي تحرّك المرء نحو التطرف، ولماذا يسهل إقناع المسلم بقتل نفسه بسهولةٍ مقارنةً بغيره!

تدور مقولةٌ شهيرةٌ بين أوساط الباحثين في الموضوع، فيقولون: ليس كل مسلم إرهابي، ولكن كل الإرهابيين مسلمين إلا ما ندر!

 

طبعاً المقصود بالإرهابي هنا الانتحاري، أو الفدائي على اختلاف التسميات، ولايُعتبر قائد الأباتشي أو الإف 16 إرهابياً وفق تلك المعايير لأسباب تقع خارج نطاق البحث الحالي، وفي ذلك يقول الحارث سيلاذيتش: اقتل شخصاً واحداً وسوف تُحاكم، اقتل عشرة وسوف تصبح مشهوراً، اقتل ربع مليون وسوف تتم دعوتك لمؤتمر سلام!

بالعودة لموضوعنا، فسؤالنا "لماذا" هو المهم، وهو مفتاح الحل، وربما يكفي لأي منا كمسلمين عامةً أو حتى كعرب أن يسبر أعماق مشاعره الدفينة ليلمس شعور الاضطهاد والاستهداف والظلم، تلك المشاعر التي ربما يتفرّد بها واحدنا عمّن حوله.

إن شكل العالم الحالي مبني على المصالح والتكتلات، وبين الأسماء الكبيرة واللوبيات المتشعبة، لايوجد ممثل للمكون المسلم العادي، ولا حتى للإنسان العربي على الخريطة العالمية، غياب هذا الممثل المرجعي فتح الباب على مصراعيه للحلول الفردية الانتقامية وهيّأ بيئة خصبة لتنمية واستثمار تلك الأفكار التي زرعها الحقد، وغذّاها الإهمال، فحصدت الأبرياء قبل المجرمين.

منذ أشهر قليلة قرأنا خبر الطائرة التي أرسلتها حكومة إسرائيل لإجلاء 15 يهودياً من اليمن! ربما كان هذا المثال قاسياً بعض الشيء ولدينا من الأمثلة ماهو أقرب، فلقد أعدمت السلطات السعودية قرابة 50 معارضاً سعودياً بينهم واحدٌ شيعي من شيوخ الشيعة في المملكة، حدث كهذا سيصيب مباشرةً الأقلية الشيعية وسيفتح الباب على مصراعيه لعمليات انتقامية من السلطات، ولكن هذا لم يحدث –رسمياً على أقل تقدير!- لأن دولةً بكاملها استجابت لهذا الإعدام، فتم الإيعاز للحرس الثوري الإيراني بفتح باب النزول إلى سفارة المملكة في طهران وتكسيرها، وتلاه صدام دبلوماسي عالي المستوى بين البلدين، تعداه لتهديدات عسكرية حتى! (وتصفية حسابٍ على الأرض السورية بدماءٍ سورية وعراقية ولبنانية!)

المفارقة أن القتيل سعودي ولكن انتمائه الشيعي حرّك دولةً عظمى في المنطقة لأجله! مما أطفئ نار الغضب لدى أتباعه، وأعطاهم بعداً بالأمان، كما أن إيران فاوضت على قريتين في أقصى شمال سوريا، وتذود عن أي إنسان يدين بمذهبها على الأرض وصولاً لإفريقيا حتى!

إن وجود هذا الممثل لاستعادة الحق المسلوب والذود عنه في المحافل الدولية يغلق باب التصرفات الفردية عند الأفراد، ويُطفئ نار الحقد والكراهية والشعور بالاضطهاد.

كما يجعل الدول الأخرى تعدّ للعشرة قبل إيذاء إنسانٍ لديه من يذود عنه، وتتحول الحروب حينها من الأرض إلى طاولات المفاوضات، لأن ثمن الخطأ سيكون غالٍ إن وقع!

 

لقد عقل كثيرٌ من الناس اللعبة الدولية، ومن لايملك دولةً تمثله سعى بجهد لامتلاك منظمات مؤثرة تذود عنه وتحفظ حقوقه إن  جار عليه الزمان.

فلدى الأرمن من النشطاء من يراقب المناخ السياسي العام، ويطرح ملف الإبادة الأرمنية في أي محفل متاح وفي اللحظة المناسبة لكسب التأييد والدعم العالمي.

وشهدنا داعش تحرث القرى العربية المسلمة الواحدة تلو الأخرى، فلما وصلت لمناطق الأزيديين ووقعت في دمائهم، تحرّكت قوى عالمية بمجهودات منظمات فاعلة لإنقاذهم، وما إن حاد مقاتلو داعش وعادوا للقرى العربية حتى هدأت الأصوات واعتدلت الأجواء!

ومع بداية الدعم الأمريكي للقوات الكردية في الشمال العراقي السوري، غزت العواصم الأوروبية أكشاكٌ صغيرة تحمل بروشورات بلغاتٍ متعددة للقضية الكردية من وجهة نظر الأكراد!

 

نعم قد يبدوا هذا الكلام حالماً وواهماً فالدول الكبرى لاتتحرك إلا لمصالحها، ولكن الرأي العام في هذه العواصم قد يسرّع أو يؤخر تحركاً بل وقد يدفع التردد أو يبطله، ولنا في حادثة شاحنة اللاجئين المأساوية في النمسا مثال، عشرات الآلاف نزلوا للشوارع مابين النمسا وألمانيا استنكاراً لسياسات دولهم الصارمة على الحدود والتي أجبرت الناس على هكذا حلول، وأدى التحرك إلى فتح الحدود على مصراعيها لشهور تلبيةً لضغط الناس وتحرك المنظمات هناك.

إن كلّ تلك الأمثلة هدفها تسليط الضوء على غياب ممثل العرب والمسلمين من المحفل الدولي، فلئن وقعت مظلمة علينا، لايوجد من يسأل أو ينافح أو يستنكر حتى، ولئن ارتكب واحدٌ منا جرماً لا يوجد من يتحمل النتائج أو يدفع الديّة أو يفاوض لاحتواء المشكلة عنه، لذلك نرى جرائم إبادة بحق مسلمي بورما، وبجوارهم أندونيسيا أكبر دولةٍ إسلاميةٍ في العالم دون أن تخاف السلطات ردة فعل جيرانهم.

 

هذا الغياب هو المحرّك الرئيسي لتحويل مشاعر القهر واليأس والإحباط إلى أفعال فردية إجرامية، وهو الذي يجعل الأذن تستسيغ تلك الفتاوى التي تبيح الدماء وتلعن الآخر صباح مساء مهما كان شكله أو لونه.

من هنا نصل لنقطة محورية، هل استهداف الدول العربية من قبل الغرب وتآمره عليها أدى لواقعها الأليم؟ أم أن الواقع الأليم شجّع الدول الكبرى على تقاسمها بأبخس الأثمان؟

أنا أرى بصدقٍ أنها الثانية! فالظهر المحني يغري الجميع بالركوب

علِّق

المنشورات: 4
القراءات: 45930

مقالات الكاتب