عدد القراءات: 25824

الأكراد بين أزمة المظلومية، والحقوق الأصيلة

 

* نور سلام

 

يعيش الأكراد عامة محملين بذاكرة شعبية شفهية تتناقلها الأجيال جيلاً بعد جيل تتحدث عن حجم الظلم و الاضطهاد و القتل و التشريد التي عانوا منها خلال بدايات تشكيل الدول الحديثة و حدودها حيث وجدوا أنفسهم الخاسر الأكبر .

بعد انهيار الحكم العثماني و بداية ترسيم الدول كان الوعد التركي الكمالي للأكراد و الأرمن بإقامة دول انفصالية لهم أو على الأقل الاعتراف بحقوقهم كأقلية و أصحاب ماضٍ حضاري لا يُستهان به ، دفعت العصبية القومية التركية التي تم إذكاؤها على يد الحكم الأتاتوركي إلى النكوص عن كل هذه الوعود، بل و العمل على تهجير كل من الأكراد و الأرمن من أرضهم الأصلية، والتي طالما ارتبطوا بها عضوياًو تداخلت في عمق مخيلاتهم و ذاكرتهم، وقد  تم طردهم و بقسوة ضمن تحالفات سياسية مع فرنسا التي كانت تطمع في سوريا، و تريد ضمان التأييد التركي لها و كسب وده .

 

 

بعد أن تم اقتلاع جذور الأكراد من الأراضي التركية سواء عبر سن قوانين الجنسية أو التهجير القسري عبر عمليات القتل و التدمير للمنازل، تمت عملية انزياح لا يُستهان بها من قبل القبائل الكردية إلى أراضي الشمال السوري و الحدود المقابل لها من الجانب التركي، و التي لم يسلم أهلها أيضاً من عمليات القتل و الانتقام بعد أن نشطت الأحزاب الكردية القتالية هناك، حيث كانت القوات التركية تصبّ جام غضبها على القرى الكردية الحدودية كلما فشلت هذه القرى الفقيرة أصلاً في صدّ هجمات أكراد سوريا، فكان مصيرهم هدم قراهم و قتل الآلاف منهم فانقلب ولاؤهم من ولاء الدولة إلى الولاء الكردي و بات لديهم مظلوميات جديدة يرزحوا تحت وطأتها و تحولت الحكومة التركية بالنسبة إليهم إلى العدو الرئيسي  .

استطاعت تركيا في بداية تأسيسها أن تتلاعب على العنصرين الكردي والأرمني، و رمي ثقل مشاكلهم على الدولة السورية حديثة المنشأ، و التي غدت ترزح تحت المطالب الانفصالية، و باتت منطقة الجزيرة الشمالية هي بؤرة صراع دائمة تؤجج نيرانها الاستخبارات الفرنسية و التي كانت تعزف على عدة أوتار ليطرب سماعها بمصائب الاقتتال الداخلي، والذي يصبّ حتماً في صالحها، سواء بتمرير معاهدات أو إجبار الحكومة السورية على قبول انسلاخ لواء اسكندرون منها أو ضمان حياد تركيا في الحرب العالمية الثانية .

 

انسحبت فرنسا من سوريا، و استمرّت الدولة السورية موحدة، و لكن بقي الشمال السوري هو الجيب الساخن و الفتيل الذي يشتعل بأول عود ثقاب،  و انقلبت القضية الكردية إلى مظلوميات و سرديات تتناقلها الأجيال جيلاً بعد جيل .

 

يا ترى هل يمكن حلّ القضية الكردية دون اعتراف تركيا بداية بما اقترفته تجاه الأكراد ؟ و هل يمكن للاستنزاف الدموي أن يتوقف ما لم نعترف بحقوق أقلية عرقية تحمل إرثاً حضارياً و إنسانياً لا يُستهان به؟ ألم تكن ألمانيا أكثر جرأة عندما اعترفت بمذابح اليهود و بذلك تمكنت من طي صفحة تاريخية مظلمة ؟

ألم تتحول الورقة الكردية التي لعبت بها تركيا و فرنسا طويلاً إلى اللاعب السوري، بعد أن قام بتجنيس آلاف الأكراد الذين بقوا طوال عقود عديدة بدون جنسية مع بداية الثورة السورية ؟ بالإضافة إلى اغتيال صوت العقل و الوعي و الحس الوطني مشعل تمو منذ بداية الثورة.

ألم تستغل الحركات الإسلامية المتطرفة التنوع الطائفي و العرقي و الاختلاط الحضاري في المنطقة الشمالية لتكون الباب الذي تلج منه إلى سوريا لتقيم دولتها المزعومة، مستغلةً وجود النفط و خصوبة أراضي الجزيرة وجودة قمحها،  مع تسهيلات الاستخبارات العالمية لهذه السيطرة التي تسمح لها بالتحكم في مصير عدة دول بسبب الموقع الحدودي الحساس ؟

و ما هو دور المعارضة في سياق التحالف الكردي و تطمنيهم أو على الأقل تحييدهم في الوقت الحالي ؟

أسئلة لا بد من الوقوف عندها و التفكر بها ملياً لنتمكن من الإحاطة بخطورة وضع الشمال السوري، و الحذر من بقاء الوضع على حاله دون إرساء العدل و الاعتراف بالظلم الذي وقع على مكونٍ عريق متداخل مع العرب بكثير من القضايا و الهموم و صاحب فضل تاريخي  أيوبي لا يُنسى  .


 

علِّق

المنشورات: 3
القراءات: 38474