عدد القراءات: 773

اختطاف الخاشقجي؛ وتغول المنظومة العربية في حربها ضد معارضيها ومواطنيها

الأخبار الصادرة من تركيا حول ترجيح مقتل الصحفي السعودي المعروف جمال الخاشقجي صادمة، وهي تظهر مدى تغول الأنظمة العربية في التعامل مع الأحرار من مواطنيها. السيادة لا تسمح لأي دولة باختطاف مواطنيها وقتلهم تحت التعذيب. وإذا أظهرت التحقيقات ضلوع الحكومة السعودية باختطاف الخاشقجي وقتله، فإنها تكون بذلك الفعل الأثيم قد انضمت رسميا إلى أنظمة الطغيان التي تجاوزت في جبروتها ضد مواطنيها كل الحدود. ويأتي هذا السلوك المتطرف الذي تمارسه الأنظمة العربية في التعامل مع المعارضين في سياق الربيع العربي، وكنتيجة مباشرة لتداعياته، وهو يعكس بالتأكيد حالة من التخبط الجنوني لأنظمة الاستبداد في مسعاها للعودة من جديد إلى حالة الاستبداد المطلق. الربيع العربي كشف تهافت المنظومة العربية الأخلاقي، كما كشف مدى خضوعها للنفوذ الخارجي، فهي لم تتأخر عن طلب العون من حلفائها الخارجيين ضد شعوبها، ومن الاعتماد على كل عدو متربص يضع مصالحه الخاصة فوق مصلحة الشعوب وكرامتها.

 

جريمة الخاشقجي أنه قرر الحديث بحرية وممارسة نقد هادئ لسياسات بلاده التي تجاوزت في تقييد حرية المثقفين الأحرار كل حدود، ولم يخرج في نقده عن حدود الشعور بالمسؤولية الوطنية، وهو صاحب تاريخ طويل في الدفاع عن مواقف حكومته. دافع الخاشقجي لعقود عن مواقف المملكة السياسية، بل وقام بتبرير عمليات عاصفة الحزم التي قادها محمد بن سلمان. بالتأكيد لم يكن الخاشقجي يعتقد أن قوات التحالف العربي التي تقوده السعودية ستستهدف المدنيين والمرافق الصحية والمراكز الحيوية، وستحيل حياة من جاءت لمساعدتهم من اليمنيين إلى جحيم. واضح أن ما دفعه للخروج عن صمته تجاه سياسات المملكة هو حالة التغول التي بدأت مع سلسلة الاعتقالات التي طالت شخصيات وطنية معتدلة، وهوس النظام السعودي الجديد بكتم كل صوت يخالف صوت القيادة السياسية حتي ولو كان صوتا ناصحا حريصا على الدولة نفسها.

 

دافع الخاشقجي خلال سنوات الحرب عن الثورة السورية وحق السوريين في حياة حرة كريمة، أرادها بالتأكيد لمواطنية في جزيرة العرب، وربما يكون قضى دفاعا عن هذا الحق المقدس. أشار في آخر مقالة كتبها قبل اختفائه إلى ضرورة وقف التغول الإيراني في المنطقة العربية، وأن منع تمدد النفوذ الإيراني يبدأ في سورية. ولم يخف الخاشقجي قناعته في أن تردد العرب في دعم جهود السوريين لتحرير بلادهم من التمدد الإيراني خطأ استراتيجي سيدفعون ثمنه عاجلا أم آجلا. كما عارض كذلك حركات التطرف الديني السنية في ندوة جمعتنا قبل أسابيع تركزت على تقييم دور حركات الإسلام السياسي في الربيع العربي.

 

من الواضح أننا اليوم أمام نموذج جديد من الحكم في المنظومة العربية لم يعهد من قبل، يتمثل في اعتماد العنف المفرط في مواجه الأحرار العرب الذين يريدون اخراج مجتمعاهم من حالة الاستلاب والتبعية والاستبداد والفساد التي تعيشها. نظام الأسد يعذب المعتقلين السياسيين بالآلاف حتى الموت في سجونه، ونظام السيسي يطلق اجهزته الأمنية لقتل معارضيه عبر اعدامات ميدانية أثناء حملات المداهمة، واليوم يتجاوز النظام السعودي ممارسات الاعتقال التعسفي للمثقفين ويبدأ عمليات قتل وتصفية لهم في منفاهم. والعالم الحر الذي حمل لعقود شعارات حقوق الانسان في حربه ضد الاتحاد السوفياتي والصين صامت اليوم في مواجهة جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، والتعذيب حتى الموت في الدول العربية.

 

هذا السلوك الجديد للمنظومة العربية يهدف إلى الترويع ورفع ثمن انتقاد السلطة الحاكمة، وذلك للحيلولة دون الاعتراض على سوء استخدام السلطة، أو إلقاء الضوء على مظاهر الاستبداد والفساد. هذا السلوك الذي يشكل تصعيدا في مستوى الغطرسة والعدوان والاستعلاء لن ينجح بل سيزيد من أزمة المنظومة العربية بعد ان حولت كل الأحرار والوطنيين الشرفاء إلى أعداء لها. وهذا السلوك يتطلب موقفا حاسما صارما من المثقفين الأحرار، وحاجة متزايدة إلى نقده ورفضه وإظهار أن زمن التعامل مع المواطنين بوصفهم رعايا للسلطان يتكرم عليهم بالعطاء قد انتهى، وأن خروج المنطقة العربية من أزمتها الخانقة يحتاج إلى مشاركة الشعوب العربية في رسم مستقبلها، حالها كحال شعوب العالم جميعا.

علِّق