عدد القراءات: 7574

إنه ليس مجرد ضوء في نهاية النفق… بل يقين خالص

 

ما يحصل في كل الدول العربية التي ثارت على قدرها وعلى حكامها وعلى نفسها وعلى تخلفها وعلى جهلها وعلى كل العالم، هو ما حصل في كل العالم الذي نراه اليوم متقدماً ونسعى للحاق به،  فقد مرت البشرية بما مررنا به وسننهض كما نهضوا وسنغير كما غيروا،  ولن نكون مضطرين لخوض حربين عالميتين ولا أن نقدم ثمانين مليوناً قرباناً.

 

المشكلة أن القضية ليست قضية سنوات، بل عشرات السنوات. يكفينا أن هذا الجيل قد قام بفتح ثغرة في جدار السجن الكبير ليخرج منه الناس، ويكفيه أن الناس قد خرجوا وساروا يبحثون عن طريقهم وعن وجودهم…. هي كالسجين الذي خرج إلى صحراء لم يجد فيها بيته الذي يعرفه، ولا أهله الذين تركهم. نحن أشبه بعازر الذي بعثه الله بعد موته مائة عام. الفرق أننا متنا خمسمائة عام.

ألا ترون هذه الهجرة الجماعية في سوريا مثلاً، عشرة ملايين مهاجر إلى تيه يتيهون فيه أربعين سنة، تزيد أو تنقص ولكنهم، سيبدؤون بعدها الحياة الحقيقية.

هي هجرة من خرج من سجنه ليجد لا شيء، لا مقومات للحياة ولا وسائل ولا مال ولا معين ولا ناصر، ليس معه إلا نفسه وإرادته وما أعطاه الله في أرض مهجره الجديد ليصنع منه حياة جديدة من لاشيء.

 

سيقتتل الناس في الطريق على الخبز والكلأ والماء وعلى كل شيء، وسيبدؤون البناء من الأسس، وسيختلفون على كل شيء فلا تستغربوا ما يحدث.

ستموت أفكار كانت مقدسة لمئات السنين، وسيعرف الناس الحياة من جديد في عصر جديد وزمان جديد ومكان جديد.

لن يكون هناك ثوابت ولا محرمات، سيعاد تعريف كل شيء مع كل ما يحمله التعريف الجديد للجامدين والمتجمدين من تحدٍ وخوفٍ ورعبٍ على مفاهيمهم وأفكارهم وعاداتهم ومقدساتهم.

سيكتشف الناس دينهم من جديد، وسيكتشفون إنسانيتهم بمفاهيم جديدة، وسيعرفون نبيهم و ربهم كما لم يعرفوهما من قبل.

ما نراه ليس إلا بداية هذا الصراع ليدفع الله الناس والأفكار بعضهم ببعض وبعضها ببعض، ويقذف بالحق على الباطل فيدمغه. ليس بالضرورة الحق الذي كنا نظنه حقاً، بل الحق الذي هو من عند الله و بمراد الله وبمشيئته.

 

سيتفرق الناس شيعاً وطوائف وأحزاباً، يجرب كل منهم ما كان يحلم به، ويبدأ محاولة البناء الذي تخيله طوال عمره، ويؤسس لمجتمع يظن أنه مجتمع أفلاطون أو دولة خلافة أو العصبة الطاهرة أو النخبة التي تعرف كل شيء وتفهم كل شيء، وسيجربون ويجربون ويَقتُلون ويُقتَلون ويتحاورون ويختلفون، ولكنهم في النهاية سيدركون الحقيقة وسيعرفون ماذا يجب أن يفعلوا ومن أين سينطلقون.

سيتعلمون أن يجلسوا جميعاً على طاولة واحدة أو في مكان واحد، وأن يسمع بعضهم لبعض، وويثقوا ببعضهم البعض...سيتعلمون كيف يختلفون دون أن يصفّي بعضهم بعضاً، وسيجدون حلولاً لمشاكلهم مهما كانت معقدة، وأهم ما سيكتشفون أنهم ليسوا أبناء الله وأحباءه… سيبدؤون البناء مدركين أنهم لا يعيشون منفردين في هذا الكون، وأن الله خلق الاختلاف ليبقى ويدوم إلى الأبد، وأن إكراه الناس على فكرة يخالف أمره تعالى ومراده وأن اللون الواحد لا وجود له في الأرض.

سيكبر هذا المولود الجديد ويحبو ويقف ويخطو خطواته الأولى، وسيتعثر وسيقع وقد يؤذي نفسه، ولكنه سيبلغ أشدّه وسيستوي على ساقيه،  وسيتعلم السير واجتياز العقبات وتحديد الأهداف والوصول إليها.

 

لا تستكثروا الخسائر ولا تهونوا أمام التحديات، فهذه سنّة الكون، وانظروا إلى من سبقكم وماذا كلفهم ما وصلوا إليه اليوم.

بإمكاننا أن نقلل الخسائر بالاستفادة من تجارب السابقين ومن فهم الآخرين، ولكن هذا صعب جداً لأن مرحلة الاستفادة من تجارب الآخرين مرحلة متقدمة، تحتاج إلى ما لا نملك من الوعي للأسف، ولذلك ستكون التجربة قاسية وأقسى مما نشاهد اليوم، ولكنها ضرورية ومصيرية ولا بد منها، ومن لا يتعلم من غيره يتعلم من تجربته الذاتية.

هذه سنة الكون ونحن إلى الآن نرفض أن نتعلم من غيرنا لاعتقادنا بأننا مختلفون عن العالم، ونعيش خارج سنن الكون وقوانينه، ولكننا في النهاية سنتعلم أننا مخطؤون جداً وسيكلفنا هذا التعلم الكثير.

قد تنتهي سورية التي نعرف كما انتهت العراق التي نعرف، ولكن سيولد شيء جديد أفضل ... سيولد الإنسان الذي يستطيع أن يصنع ألف سوريا وعراق ...وهذا هو الأهم.

التعليقات

نعم هذا الكلام صحيح لم نقرأ عن الازمه ما هو أفضل من هذا ان روعة هذا الكلام و قيمته الكبيره باعتقادنا نحن لانه يتوافق مع مشيئة الله اذا سيحصل هذا بادن الله

علِّق

المنشورات: 3
القراءات: 33455