عدد القراءات: 1920

إلى الأبد يا جيش الإسلام

 

لم يكن مفاجئاً موقف جيش الإسلام والأجهزة التابعة له حين تم الاعتداء على حرية الصحافة والحق في التعبير عن الرأي، عبر إغلاق مكاتب مجلة “طلعنا ع الحرية" في مدينة دوما والتحريض على العاملين فيها، إذ غالباً ما تغيب ثقافة التسامح واحترام الرأي الآخر عن أي سلطة تفرض نفسها بقوة السلاح، وخصوصا حين تتمرس تلك السلطة خلف أيديولوجية ما، فتجعل منها سلاحا أمضى من الدبابات والصواريخ والمدافع والرشاشات.

عند الحديث عن الأيديولوجية، لا نقصد أن المشكلة في الإسلام الذي تستخدمه فصائل كثيرة كعلامة تجارية تضمن لها تدفق المال والسلاح، كما لم تكن في العروبة التي صمّ آذاننا بها حزب البعث العربي الاشتراكي طوال خمسة عقود ونيف، بل في ادعاء الحق في احتكار الإسلام والعروبة كما فعلت الفصائل والبعث على حد سواء، أي أن موضع الخلل مقيم وكامن في الفكر الإسلامي المعاصر، والفكر العروبي "الفاشي والعنصري" بنسخته البعثية، حيث أن الهوية المبنية على الإسلام أو العروبة، تقع على النقيض من هوية وطنية جامعة، يجب أن تؤسس لها، وتبنى عليها سورية ما بعد الثورة.

 

لقد استمدت الفصائل الإسلامية شرعيتها من حربها مع النظام، واستمد النظام شرعيته من مقاومة إسرائيل، ورغم الوفاق الأيديولجي، والذي يبلغ حد التطابق في مواضع كثيرة، تتصارع الفصائل الإسلامية فيما بينها على النفوذ والموارد، كما كان النظام في حال صراع وشقاق شديدين مع توأمه البعثي في العراق. قد يبدو من الظلم عقد المقارنة بين أنظمة مستبدة قمعت شعوبها، وارتكبت بحقها أبشع أنواع المجازر، مع فصائل ثورية قدمت الكثير من التضحيات في مواجهة نظام الطاغية، لكننا لا يجب أن ننسى، أن الانقلابين البعثيين في سورية العراق استعارا مصطلح الثورة لتأكيد شرعيتهما، والتأسيس لسيطرة مطلقة على جميع مفاصل الدولة، فهل سننتظر حتى يعلن جيش الإسلام وغيره نسخته من محاكم التفتيش القروسطية، في سبيل تأكيد سلطته التي يدعي أن الدين الإسلامي هو مرجعيتها؟

لا بد من الإشارة هنا، أننا لا نعقد مقارنة بين "ثورتي" البعث اللتين ادعتا الصفة لنفسيها، والثورة السورية، بل مقاربة سياقية عن تطور الأنظمة المستبدة من خلال استعراض سلوك بعض الفصائل الإسلامية وغيرها، ومقارنتها مع النظام من جهة العداء لحرية التعبير عن الرأي، مضافا إليها، في حالة الأخيرة، حرية الاعتقاد باعتبارها سمة مميزة للأنظمة الدينية الثيوقراطرية.

لقد كان خطاب جيش الإسلام وغيره من الفصائل "الإسلامية"، واضح الملامح منذ بدايات تشكل ذلك التيار في مرحلة ما بعد العسكرة وما بعد الجيش الحر، وكذلك سلوكه وممارساته القمعية، وسجونه التي تضم بين جدرانها معتقلي رأي كرزان زيتونة وسميرة الخليل، إلا أن جوهر المشكلة يكمن في صمت شريحة واسعة من النخب السورية السياسية والفكرية عن الأقوال والأفعال التي صدرت عنه، رغم أن صعوده وتغوله في الثورة كان متوقعا في جملة الظروف التي عاشتها الثورة، بدءا من حالة الشحن الطائفي العامة في المنطقة ككل، وعنف النظام ووحشيته، ومعاناة الناس، وليس انتهاء بالنكسات التي تعرض لها الجيش الحر في حربه مع النظام.

 

من المهم الاعتراف، بأن الثورة فشلت في ترسيخ منظومة قيمية معيارية، تحتل موقعا مركزيا ضمن ضوابط العمل الثوري، وتشير بجرأة إلى الانحرافات الخطيرة من حيث الخطاب والممارسة، فليس دور المثقف والسياسي أن يهرول خلف "ما يطلبه الجمهور"، بل أن يقدم، في حالة الأول، رؤية نقدية للأحداث تساهم في ترقي الوعي العام، وتوظيف الشعارات الأولى للثورة على شعبيتها وبساطتها، في مسعى لبثّ حالة ثقافية متنورة وحضارية تقطع مع عهد الاستبداد، كما لا يفترض بالسياسي أن يتخلى عن مبادئه وقيمه، وأن يراعي الشارع دون أن يتاجر به وبمشاعره. تتحمل، بالتالي، النخب السورية بعضا من المسؤولية الأخلاقية والفكرية فيما آلت إليه الأحوال، حيث لم تتحرك بشكل فاعل في مواجهة الشعبويين وأصحاب الصوت العالي، ممن احتكروا لأنفسهم حق تمثيل الثورة إعلاميا وعلى وسائل التواصل الاجتماعي، واستخفوا بأي نقد وخونوا أصحابه، متسلحين بدورهم برزمة من التهم الجاهزة، وخطاب أشبه ما يكون بشعار "لا صوت يعلو على صوت المعركة"، الذي أورث الشعوب العربية هزائم لم تتعافى منها بعد، وسهّل لطغاة المنطقة صون عروشهم واستعباد شعوبهم. ومرة أخرى نستطيع، في هذا الموضع أيضا، أن نتلمس بذور الاستبداد، لكنه استبداد فوضوي، اعتمد على مجموعات متنوعة تتحرك بأسلوب رد الفعل، وتملك ما يكفي من المخالب والسياط.

لا يبدأ الاستبداد بالأيديولوجية، بل بمنهجية تفكير تنطلق من يقين لا يحق لأحد ادعاؤه، ويتساوى في ذلك مثقفون، يساريون وليبراليون وإسلاميون، وشخصيات إسلامية يمكن تلمس نزعة تكفيرية في خطابها، لا تختلف كثيرا في جوهرها عن تلك التي ينطق بها داعش، كالخطاب الذي خرج علينا به الشيخ أسامة الرفاعي، في معرض رده على المقال الذي نشرته صحيفة "طلعنا ع الحرية"، وتسبب بإغلاقها والتحريض على طاقمها.  

 

بعد عقود من الاستبداد والأدلجة البعثية، ونظام الحزب الأوحد والفكر المشوّه الذي أنتجه، ومناهج تعتمد التلقين أسلوبا لها في العملية التعليمية، لا يمكن أن نتوقع أننا منفتحون على ثقافة الحوار، التي لم يسمح تاريخ المنطقة أساسا بتطورها كما يجب. في المقابل، يشكل التنوع العرقي والديني في سورية، إلى جانب توفر طيف واسع من التيارات الفكرية، دافعا مهما للتأكيد على ثقافة تتقبل الآخر المختلف، كخطوة لتأسيس مفهوم الشراكة في بناء وطن لجميع مواطنيه. يتطلب ذلك منا كشعب التوافق على مجموعة من القيم المشتركة، لعل أهمها احترام حق الآخر في التعبير عن الرأي وحرية الاعتقاد، وسلوكيات حضارية، فالكلمة تواجه بكلمة والمقال بمقال، وليس بالقمع والعنف والشتائم.

واجب النخب، في هذا السياق، أن تطور منهجية تفكير عقلانية وعلمية، لا تحمل في طياتها بذور استبداد مقبل، تتقبل النقد، ولا تنحدر إلى شعبوية تنتج عقماً فكريا، وأن تؤكد على القيم، وتشير إلى الممارسات والمشاريع الاستبدادية، من أي جهة كانت، بكل جرأة ووضوح، ودون مواربة، أملا في يوم تشهد فيه سورية المستقبل ساحات حرة للنقاش، يتناول فيها متنورون، إسلاميون وغيرهم، مواضيع حساسة في حوار فكري يساهم في تشكيل وعي مجتمعي ثقافي وأخلاقي، لا يبني الفضيلة على أساس الملبس والمأكل والمشرب وغشاء البكارة والحياة الجنسية.

 

التعليقات

إن الحل العسكري الذي اتبعه نظام الأسد جر الثورة إلى مزالق العسكرة. الأمر الذي افسح المجال أمام أطياف من السوريين إلى حمل السلاح لمقاومة النظام ومن ثم إيران وميليشياتها والاحتلال الروسي. على خلفية فشل النظام الدولي في وضع حد للمجازر التي ارتكبتها تلك القوى بحق السوريين.. والتحولات الكبرى التي حدثت في المجتمع السوري، من تهجير وحصار ودمار أدت كلها إلى هروب الناشطين السلميين إلى الخارج السوري وبقي المسلحون على اختلاف ألوانهم وتوجهاتهم يقاومون النظام وحلفاؤه.وفشل الثورة على فرز قيادات وازنة تقود المرحلة العصيبة وتخلق توازات بين الطرف المقاتل وبين الناشطين السلميين والنخب المثقفة. الأمر الذي زاد من القطيعة بينهما. لايمكن إلغاء أي فصيل مقاتل على الأرض ولكن بالإمكان التحاور معهم وعقد الاتفاقيات المرحلية معهم. إذا ألغينا الطرف المسلح في الثورة فإن النتيجة الحتمية هي إطلاق رصاصة الرحمة عليها. تحتاج الثورة إلى قيادات تدور الزوايا الحادة بين مكونات الثورة المتنافرة، ولاتحتاج إلى الإقصاء والاتهام وتوسيع الفجوة والجفاء بين تلك الأطراف. وهذا مالم يتحقق وللأسف حتى الآن.

علِّق

المنشورات: 2
القراءات: 5864