عدد القراءات: 7221

أسود ... جبل

أَسوَد؛ هذا النداء الذي ضجّت به شوارع سوريا لسنة تقريباً مع مدٍّ ومطمطةٍ لحرفِ الواو، ليحمل من المناجاة ما يحمل من أنثى تجد بهذا الاسم الغريب منقذاً لها.

 أسود هو اسم شخصية في مسلسل تركي تم دبلجته سوريّاً، حيث إن هذه الشخصية تعود لرئيس عصابة مافيا تمتهن القتل و الإتجار بالمخدرات و السلاح  وقصته مع طبيبة جميلة محترمة تقع في حبه. طبعاً الممثل لا تنطبق عليه أية مواصفة من مواصفات الوسامة أو الكاريزما، ولكنه سبَّبَ حالةً غير معقولة من التّهيج في الشارع.

التهيّج كان أسود الوقع والتفسير لدرجة استغراب الفتاة التي لم تكن مفتتنة به في المدينة.

ذهبت تلك القصة ليهلَّ رمضان هذه السنة مجدداً ويمضي ويتركنا مثقلين بكوارثنا الإنسانية و جرائمنا الأخلاقية والدينية، فتهافت المتهافتون للعبادات راجين التّغيير والغفران لتعويض ما فات من أمور الدين والدنيا. و من جملة التعويضات تلك هي التفرغ للحياة المسترخية العائلية أمام شاشات التلفاز. في منتصف رمضان المنصرم عدت إلى ربوع المنطقة العربية بعد سفر، لأجد الناس يستخدمون مصطلحات لها وقع غيرمألوف و كأنها كودات (شيفرات) و رموز يتفاهمون بها. لم يستغرق الأمر مع هذا المحيط اللاهي عن كل شيء المشغول بكل شيء أكثر من 12 ساعة ليثقلني بكل تفاصيل هذه الشخصية (جبل) ساحر قلوب العذارى و كل من دب على الأرض على ما يبدو! الفارق البسيط عن شخص أسود أن الممثل مشهود له بالوسامة،  عدا ذلك فأنت تتابع قصة مجرم يحاولون أنسنة وحشيته وإجرامه، لتتعجب كيف لسيدة راقية أن تنساق مع أسلوب حياته و تحبه.؟!

و مع أنني أعرف الجواب الذي اشتممته في السلوكيات، ولكن مع ذلك سألت عدة سيدات عمّ يعجبهن في شخص جبل، فكان الرد ببساطة كما توقعت أنهن يحلمن برجل قوي مستشرش وسيتزوجنه حتى لو كان رئيس عصابة، حتى أن بعضهن ذهبن لما هو أبعد من ذلك، أنه لو كان أمراء داعش بهذه الرجولية و الجمال لذهبن اليهم.

 طبعاً ليس هناك من داعٍ لاستقصاء رأي الشباب، فهم من الذكاء بمكان ليستشعروا ما هو مرغوب بين النساء، وما هو أساساً أصبح النموذج الوحيد السائد حالياً في المجتمع. حيث بدأ الشباب في التقلّد بجبل مستخدمين مفرداته. وحتى أن تقريراَ تلفزونياً عن وقع البرنامج على الشارع العربي أظهر أن الشباب يصففون شعرهم و لحيتهم بما يحاكي شخصية المجرم في المسلسل.

علمياً أفادت العديد من الدراسات بميل النساء عالمياً لمثل هذه الشخصيات الظلامية، حيث أظهرت أن أشهر المجرمين في السجون يتلقّون رسائل الإعجاب والحب حتى الدعم من العديد من النساء حول العالم، وسميّت هذه الظاهرة بمصيدة العسل. الأسباب وراء ذلك عديدة؛ فحسب المدرسة التطورية أن المرأة جينياّ تفتتن بالرجل القوي لأنه من لزوم الإنجاب لأطفال أقوياء لأجل الحروب، و لكن بالرغم من تطوّر العصور ما زالت المرأة تُجتذب لهذا النوع بشكل غير واعٍ، منقادة بغريزة الرعاية و اعتقادها أنها سوف تغيره للأفضل. أما النظرة التحليلية فهي تعود للتنشأة في الصغر، والتي تزرع في اللاوعي للفتيات فكرة فارس الأحلام الذي سينقذها ويغير حياتها، معلّقةً كل آمالها و أحلامها بتلك اللحظة.

 أميل للفكر التحليلي عموماً، مع لفتٍ للنظر إلى أن واقع مرور عصور من الاستبداد التي غيبت القدوة الحسنة و أشاعت فكرة العصابات والسلاح، و من الملفت للنظر التناقض في سيكولوجية المرأة حسب الدراسات حيث وجدت أنها تتزوج العاقل وتستقر معه ولكنها تحب المجرم.

و من اليأس و الحضيض الذي وصلت له مجتمعاتنا أن يرّوج المسلسل بشكل ايجابي للفكرة على عكس البرامج الأجنبية منها، التي تصوّر هذه الظاهرة بشكل سلبي. والمحزن أكثر من ذلك أن يعبّر المشاهدون في التقرير الإخباري ذاته أنهم ينتظرون بفارغ الصبر نهاية المسلسل، عسى أن تحمل قضاء الدولة على هذا المجرم في رغبة يائسة أن تنعكس صورة المسلسل على أرض الواقع في هذا الجانب أيضاً. فالتماهي مع المستبد أخذ مأخذه من نفوس الناس و أحلامهم و حيواتهم، لدرجة عقد أمل التغيير بهذه الطريقة.

لكن في نهاية الأمر -وكمعالجة نفسية- عندما أنظر بشكل جمعي للظاهرة و طرق تناولها، فإنه يحضرني قول لعبد الرحمن الكواكبي حين وصف هذا الأمر: "أسراء الاستبداد حتى الأغنياء منهم كلهم مساكين لا حراك فيهم، يعيشون منحطّين في الإدراك ، منحطّين في الاحساس، منحطّين في الأخلاق. وما أظلم توجيه اللّوم عليهم بغير لسان الرأفة و الإرشاد، و قد أبدع من شبه حالتهم بدود تحت صخرة، فما أليق باللائمين أن يكونوا مشفقين يسعون في رفع الصخرة و لو حتاً بالأظافر ذرة بعد ذرة" انتهى الاقتباس. ولسوف يحتاج هؤلاء فعلاً العمل الحثيث المضني على الأقل أملا في إنقاذ ما يتم إنقاذه من الأجيال الجديدة، التي تفتح وعيها لترى أهاليها مسلوبي الأمر والرؤية والمستقبل، في ظل غياب للمثل الإيجابي وحرية الإرادة... في الحقيقة لا لوم على هؤلاء بل لنفكر كيف ننقذهم. 

التعليقات

لا استغرب انجذاب الناس وتماهيهم بشخصية اجرامية خارجة عن القانون طالما تمتلك من القوة والسطوة مايجعلها تحرك غرائز المشاهد المحب لمظهر القوة والديكتاتورية التي انتمت إليها شعوب المنطقة وجعلت من المظلوم إنسان تافه وضيع والظالم القوي هو من يجب ان ينتصر برأيهم.. كل هذا ليس له إلا تفسير واحد ألا وهو أن الضعف والجبن المترسخ في ذواتنا يبحث عن قصة ولو في الخيال ليتعلق بها ويعيش لحظة انتقام من الواقع الذي حولنا لبؤساء ..

Excellent site you have here but I was curious about if <br> <br> you knew of any discussion boards that cover the same topics talked about here?<br> <br> I'd really like to be a part of community where I can get suggestions from <br> <br> other knowledgeable individuals that share <br> <br> the same interest. If you have any suggestions, please let me know.<br> <br> Many thanks!<br> <br> <br> <br> Feel free to surf to my web site <a href="http://www.undercabinetradio.us/under-cabinet-radio-cd-player-the-best-under-counter/">www.undercabinetradio.us</a>

علِّق

مقالات الكاتب

الزمن السوري