عدد القراءات: 2798

أرض السعودية ليست للسعوديين..!!

 

حدَّثني أحدُ الأصدقاء عن حادثةٍ آلمته جرت في باصٍ للمُسافرين في إحدى المُدن الألمانيَّة، حيثُ اعترضَ أحدُ الألمان على جلوس لاجئٍ على كرسيٍّ في ذلك الباص قائلاً له : هذه الأرضُ لنا فلا يحقُّ لكم مشاركتُنا بما فيها !

لو استطعنا تفهُّمَ موقفَ ذلك الألمانيِّ "غيرِ المُسلم"، فكيف نستطيعُ تبريرَ الحملة التي أطلقها عشراتُ آلاف السعوديِّين "المُسلمين" مُطالبين بطرد "الأجانب" من بلدهم بحجَّة أنَّ "السُّعوديَّة للسعوديين" ؟ !

ينسى الإنسانُ كثيراً من الحقائق ويتجاهلُها، لكنَّ هذا لا يعني إعدامَ تلك الحقائق، فالحقيقةُ ثابتةٌ، أمَّا الإنسان فهو فانٍ وذاهبٌ.

القرآنُ الكريمُ هو مصدرُ الحقائق الأكبر، لأنَّه كتابُ الله ربِّ العالَمين، وبمقدارِ ما يبتعدُ الإنسانُ عن ذلك الكتاب بمقدار ما يزدادُ عددُ الحقائق التي ينساها ويتجاهلُها.

أُريدُ البحثَ في حقيقةٍ ينساها كثيرٌ من النَّاس اليوم. أقولُ لكم جميعاً : لا تظنُّوا أنَّ الأرضَ التي وُلدتُم فيها أو تعيشون عليها اليوم ملكٌ لكم، هي ليست مُلكَكم ولا يحقُّ لكُمُ التَّصرُّفُ فيها فتمنحونها لمَنْ تشاؤون وتمنعون عنها مَن تشاؤون، الأرضُ التي تعيشون عليها أمانةٌ بين أيديكم.

الحقيقةُ التي يُبيِّنُها القرآنُ الكريمُ ويُصِرُّ عليها تقولُ إنَّ الأرضَ ملكٌ لله تعالى وحدَه، وهو يستخلفُ فيها مَن يشاءُ للقيام بواجباتٍ مفروضةٍ من الله تعالى، فإذا أهملَ مجتمعٌ ما تلك الواجبات فسيُعاقبُه اللهُ تعالى بإخراجِه من تلك الأرض واستخلاف غيرِه فيها.

 

أرسَلَ اللهُ تعالى موسى وهارون عليهما السَّلام إلى فرعون الذي كانَ يعيثُ في الأرض فساداً وظُلماً، وهو ككثيرٍ من المُسلمين اليوم يظنُّ أنَّ الأرضَ التي يعيشُ عليها مُلكٌ له، فكان يقول :

"وَنَادَىٰ فِرْعَوْنُ فِى قَوْمِهِۦ قَالَ يَٰقَوْمِ أَلَيْسَ لِى مُلْكُ مِصْرَ وَهَٰذِهِ ٱلْأَنْهَٰرُ تَجْرِى مِن تَحْتِىٓ ۖ أَفَلَا تُبْصِرُونَ" الزُّخرف، الآية 51

أرسلَ اللهُ موسى إلى فرعون لتذكيره بأنَّ تلك الأرضَ مُلكٌ لله تعالى، وبأنَّ على فرعون واجباتٍ يجبُ أن يقومَ بها إذا أرادَ البقاءً في تلك الأرض : "قالَ فِرْعَوْنُ وَما رَبُّ الْعالَمِينَ، قالَ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ" الشُّعراء، الآية 23_24

 

لكنَّ فرعونَ وقومَه اختاروا الضَّلال وتَعامَوا عن البيِّنات التي جاءَهم بها رسولا الله، لقد كفروا بآيات الله كما يقولُ القرآنُ الكريم :

"وَجَحَدُواْ بِهَا وَٱسْتَيْقَنَتْهَآ أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا ۚ فَٱنظُرْ كَيْفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلْمُفْسِدِينَ" النَّمل، الآية 14

وكانت عقوبةُ ذلك أن أنهى اللهُ وجودَ فرعون وأنصاره في تلك الأرض وأهلَكَه، يصفُ اللهُ تعالى ذلك قائلاً:

"كَمْ تَرَكُوا مِن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ، وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ، وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ، كَذَٰلِكَ ۖ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ، فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنظَرِينَ" الدُّخان 26_29

إنَّ الأرضَ التي كان يظنُّها فرعونُ مُلكاً له أصبحتْ في أمانة بني إسرائيل الذين كانوا يعيشون الآلامَ على تلك الآرض ذاتِها بسبب ظُلم فرعون لهم، أصبحَ بنو إسرائيل مُستخلَفين في تلك الأرض لا مالكين لها، فبقاؤهم على تلك الأرض يعتمدُ على مدى التزامهم بتعليمات الله تعالى القائل :

"قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا ۖ إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ ۖ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ، قَالُوا أُوذِينَا مِن قَبْلِ أَن تَأْتِيَنَا وَمِن بَعْدِ مَا جِئْتَنَا ۚ قَالَ عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ" الأعراف 128_129

 

ليس من حقِّ أحدكم الادَّعاءُ بأنَّه مالكُ أرضٍ ما، بل أنتم مُستخلفون في الأرض التي تعيشون عليها، فإن كُنتُم مُلتزمين بتعليمات الله فسيُعينُكم على البقاء في تلك الأرض، أمَّا إذا كنتُم ممَّن يتجاهلُ حقائقَ القرآن الكريم ويُعرِضُ عن طريق الله فلا تنتظروا شيئاً آخر من الله سوى إخراجَكم من تلك الأرض كما حدَثَ مع فرعون وأنصاره.

لا يهمُّ كيفَ تؤخَذُ الأرضُ منكم، قد يأتي قومٌ آخرون لاحتلال بلدانكم كما يحدُثُ اليوم في بلدان المُسلمين الذين أعرضوا عن تعليمات الله فاستحقُّوا العذابَ، فالمُجتمعُ الذي لا يلتزمُ بتعليمات الله لا يستحقُّ معونةَ الله القائل :

"هَا أَنتُمْ هَٰؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنكُم مَّن يَبْخَلُ ۖ وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ ۚ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنتُمُ الْفُقَرَاءُ ۚ وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُم" مُحمَّد، الآية 38

لا يجبُ أن يسيرَ المُسلمون على طريق فرعون الذي ادَّعى أنَّه مالكُ مصرَ وأنهارِها، بل يجبُ عليهم الحفاظُ على الأمانة التي شرَّفَهم اللهُ بها، وهذا لا يكونُ سوى باتباع آيات الله تعالى لاستخلاص الدُّروس منها، فهذه الآياتُ لم تُخاطبِ الجدرانَ ولم تُخاطب الأموات، بل خاطبتْ الإنسانَ الحيَّ الذي يشعرُ بالمسؤوليَّة والذي يصونُ أمانةَ الله.

نحنُ بعيدون اليوم عن قيم الإسلام، فالإسلامُ ليس خُرافةً وليس كذباً ولا يجبُ أن يكونَ كذلك، اللهُ تعالى هو الإلهُ الحقُّ مالكُ المُلك كلِّه، اللهُ تعالى هو الإلهُ الوحيدُ المُستحقُّ للعبوديَّة الخالصة.

 

ما أحوجَ المُسلمين اليوم إلى الله تعالى القائل :

"وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ" الأنبياء، الآية 105

 

التعليقات

جزاك الله خيرا هذه الثقافة ليست حكرا على السعوديين و إنما الجزء الأكابر من المسلمين ..أذكر أخي هشام انني عشت طفولتي في دمشق و كم سمعت من الاهانات من اخواني الشوام مايشابه ماذكرت .. فأنا بالنسبة لهم دخيل .. و عندما كبرت و قدمت إلى أمريكا أدركت حجم العنصرية التي تنغل في مجتمعنا العربي .. لقد ظلمنا أنفسنا و ها نحن نتشرد في أقاصي الارض نموت غرباء بما كسبت أيدينا و لاحول لا قوة إلا بالله

جَزآگ آلَلَهِہ‏‏ خٌيـﮯر آلَجَزآء وُگلَآمِـگ صِـحيـﮯح وُبّآرگ آلَلَهِہ‏‏ فُيـﮯگ وُآسًـآلَ آآلَهِہ‏‏ آن يـﮯهِہ‏‏لَگ گلَ مِـتُجَبّر وُنآقَصِـ يـﮯريـﮯدُ تُگمِـيـﮯلَ نقَصِـآنهِہ‏‏ بّفُرضـ قَوُتُهِہ‏‏ عَلَى آلَآخٌريـﮯن

علِّق